من المزمع إجراء الانتخابات الرئاسية الجزائرية في 12 كانون الأول/ديسمبر الجاري. لكن الحركة الاحتجاجية التي اندلعت في شباط/فبراير الماضي أعلنت رفضها لفكرة إجراء انتخابات، معتبرةً أنها لن تكون لا حرة ولا نزيهة. وترفع الحركة مطالب عدة منها رحيل الوجوه السياسية التي هي من فلول عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ومنح حرية أكبر لوسائل الإعلام، والإفراج عن السجناء الذين اعتُقِلوا على خلفية التعبير عن آرائهم السياسية.

وقد طلبت شخصيات معارِضة عدة من السلطات تلبية مطالب المحتجّين من أجل طمأنة الرأي العام وبث أجواء مؤاتية تُفسح في المجال أمام المشاركة الشعبية في يوم الاقتراع. بيد أن السلطات عمدت بدلاً من ذلك إلى تشديد قبضتها على الإعلام، وسعت إلى فرض الانتخابات بالقوة من خلال توقيف ناشطين ومتظاهرين وصحافيين وحتى مجاهد شارك في حرب الاستقلال.

سوف يتنافس خمسة مرشحين، جميعهم من داخل المنظومة السياسية، في الانتخابات. أربعة منهم هم وزراء سابقون، وبينهم شخصيتان أساسيتان من عهد بوتفليقة، وهما عبد المجيد تبون الذي عُيِّن وزيراً مرات عدة ثم رئيساً للوزراء، وعلي بن فليس الذي كان أيضاً رئيساً للوزراء ومرشحاً رئاسياً في العام 2004 ثم 2014.

ليس السؤال المطروح، هل ستُجرى الانتخابات؟ فقد يكون إجراؤها أمراً مسلَّماً به، نظراً إلى أن القيادة السياسية-العسكرية لاتستطيع أن تخسر ماء الوجه من جديد بعد إلغاء الانتخابات مرتَين في السابق. السؤال المطروح هو، ماذا سيحدث بعد 12 كانون الأول/ديسمبر؟

يتّسم النظام الجزائري بقدرته على الصمود، لكنه يواجه اليوم عدداً من الخيارات. فهو بإمكانه تجاهل مطالب الشعب والتعويل على إصابة الحركة الاحتجاجية بالإنهاك؛ أو يمكنه اللجوء إلى تدابير يفرضها عن طريق الإكراه لأن الاحتجاجات لاتُظهر أي مؤشرات انحسار. في المقابل، قد يعتمد مَن هم في السلطة مقاربة جديدة ويطلقون حواراً جدّياً مع الحركة الاحتجاجية، بدلاً من محاولة فرض موافقة مصطنعة وغير مشروعة من خلال اللجوء إلى القوة أو الانتخابات.

لم يتمكّن المسؤولون من التعاطي كما يجب مع التحديات الجديدة التي تطرحها الحركة الاحتجاجية التي كان قد انقضى، بحلول 22 تشرين الثاني/نوفمبر، 40 أسبوعاً متواصلاً على انطلاقتها. ينتمي المحتجّون إلى بيئات ثقافية مختلفة عن تلك التي يأتي منها قادتهم السياسيون. ففي حين ترفع الحركة الاحتجاجية لواء القيم مابعد الحداثية، مثل الحرية والتنوع والشفافية والكرامة، لايزال النظام يحاول إقناع الناس بأن الانتخابات هي السبيل الوحيد للمضي قدماً والإثبات الأول على الديمقراطية.

تُحيط الشكوك على نطاق واسع بمَن هم في السلطة، ويُعيد الرأي العام النظر في الثقة التي محضها للسلطات ومؤسساتها على مدار عقود من الزمن. ومن المطالب التي يُصرّ عليها الجزائريون حاجة المواطنين إلى أن يكون لهم تأثير متزايد على القرارات المهمة، مثلاً رفض الجزائريين لقانون جديد عن المحروقات لأن مَن يعملون على إقراره هم مسؤولون سابقون في عهد بوتفليقة. ويطالب الجزائريون بديمقراطية عامة ويرفضون المنظومة التي لم تكن تتيح حتى مجالاً للنقاش داخل الندوة البرلمانية. ولهذا ظهر، منذ شباط/فبراير الماضي، عددٌ كبير من المجالات العامة حيث يستطيع الأشخاص مناقشة الأفكار وتبادلها بشأن رؤيتهم للمرحلة الانتقالية.

لهذه الأسباب مجتمعة، ترفض غالبية الجزائريين المشاركة في مهزلة انتخابية ترى فيها مسعىً لتثبيت دعائم النظام. لكن هذا لايعني بالضرورة أنه لن تكون هناك مشاركة شعبية في الانتخابات. حتى في ظل الظروف الراهنة، يستطيع النظام التعويل على المؤسسات الحكومية والآلية البيروقراطية لتعبئة الناخبين، وهو لايزال يمتلك قاعدة اجتماعية في أوساط فلول جبهة التحرير الوطني الحاكمة وغيرها من الأحزاب المقرّبة من النظام، مثل التجمع الوطني الديمقراطي. فهذه الأحزاب، وعلى الرغم من ضعفها، مقرّبة تقليدياً من مؤسسات الدولة وتعتمد عليها، ولايزال بإمكانها تعبئة المناصرين، ولو على نحوٍ متواضع.

هناك أيضاً عامل الخوف. فالنظام قادرٌ دائماً على التعويل على المواطنين الذين يتأثرون بخطابه المطبوع بنزعة الارتياب (البارانويا)، والذي يدّعي من خلاله أن أي تأخير في الانتخابات سيؤدّي إلى الدخول في "نفق مظلم اسمه الفراغ الدستوري". لهذه الغاية، بإمكان النظام أن يعتمد أيضاً على وسائل الإعلام لترويج خطاب الخوف.

ولكن على الرغم من وجود هؤلاء الداعمين التقليديين للنظام، تُشير الأجواء السائدة في المشهد السياسي الراهن إلى أن نسبة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية ستكون متدنّية جداً على الأرجح. لن تولّد الانتخابات ديناميكيات تفضي إلى قطيعة نهائية مع المنظومة السياسية الحالية. بل على العكس، ستسعى المنظومة إلى تجديد نفسها من خلال إدخال وجهٍ معروف من وجوه النظام السابق، سواء كان تبون أو بن فليس، إلى القصر الرئاسي. وقد وصف عدد كبير من الجزائريين الذين تحدثتُ معهم مايجري بأنه "تمديد لحقبة بوتفليقة من دون بوتفليقة".

سوف يصبح للجزائر رئيسٌ يعاني من فقدان الشرعية، ما سيُعرّضه إلى ضغوط هائلة، إذ إنه سيجد نفسه عالقاً بين المواطنين الذين رفعوا سقف مطالبهم وغيّروا نظرتهم إلى المؤسسات والنخب التي تحكمهم، من جهة، والجيش الذي أوصله إلى السلطة، من جهة ثانية.

وفي غياب الشرعية، لن يتمكّن الرئيس من رفع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تلوح في الأفق. ومن أجل أن يحقق الرئيس نذراً ولو يسيراً من الشرعية، عليه أن يتفاوض مع الحراك الشعبي مباشرةً بعد الانتخابات. ولكن كي يحدث ذلك، يجب أن يختار الحراك الشعبي شخصيات من صفوفه لتمثيله والتفاوض باسمه. والتحدي الأساسي بالنسبة إلى الحراك سيكون تحديد نقطة الوصول والسبيل إلى بلوغها. بعبارة أخرى، ماهي مقوّمات "النصر" بالنسبة إلى الحراك؟ إنه سؤال محوري لأنه ليس باستطاعة أي حركة احتجاجية أن تستمر إلى مالانهاية. فإذا لم تُحدّد أهدافاً قابلة للتحقيق، قد يلجأ النظام إلى مزيد من القمع أو يستغل الانقسامات داخل الحركة الاحتجاجية للإجهاز عليها.