ديانا مقلّد | إعلامية لبنانية ومؤسِّسة مشاركة وسكرتيرة تحرير في موقع درج الإلكتروني

الدولة التي أُعيد تشكيلها حول حزب الله غداة انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1990 وصلت إلى شفا الانهيار. بُنيت هذه الدولة حول سلاح الحزب، وتُرِكت بعض المقاعد للشركاء الأصغر حجماً. إنه التفسير المبسّط للأسباب التي تدفع بالحزب إلى إبداء مخاوفه من أن الانتفاضة الحالية ترمي إلى استهداف سلاحه. ويوضح ذلك أيضاً لماذا يبذل الحزب جهوداً دؤوبة لتقويض الانتفاضة مهما كان الثمن. لكنه فشل حتى الآن تماماً في تحقيق ذلك.

سرعان ماسيجد حزب الله نفسه في مواجهة واقع أن مَن دفع بهم إلى النزول إلى الشارع لترهيب المحتجّين وإطلاق الهتافات "شيعة، شيعة"، هم أيضاً جياع ومغلوب على أمرهم وعاطلون عن العمل، علمًا بأن انقسامات واضحة بدأت تظهر في صفوف الحزب. ثمة أشخاص كانوا يثقون بحزب الله، وهم يعلنون اليوم دعمهم للانتفاضة. لقد اكتشف اللبنانيون أن دولتهم – منظومتها المالية، ومصرفها المركزي، وقطاعها المصرفي – سرقت مدّخراتهم بأساليب عدّة، بما في ذلك من خلال الفساد المستشري على نطاق واسع. وحزب الله ورعاته الإقليميون هم في صلب هذا النظام.


 

علي هاشم | مراسل "بي بي سي" للشؤون الإيرانية

كانت أمام حزب الله فرصة كبرى للبناء على الاحتجاجات الشعبية في مستهل الانتفاضة اللبنانية. فقد كان سجل الحزب نظيفاً في مايختص بفساد الدولة، مقارنةً مع الأفرقاء الآخرين في النخبة السياسية في لبنان.

بيد أن رد فعل الحزب على الحراك الشعبي بدأ بموقف شديد التشكيك وانتهى بالعداء للحراك، ماولّد هوةً بينه وبين شريحة من قاعدته الشعبية قرّرت البقاء في الشارع. وقد واجه الحزب أزمة أولويات اكتسبت طابعاً حسّاساً لناحية تأثيرها على جاذبيته، على ضوء الرسائل المتناقضة التي بعث بها. لكنني لا أرى، حتى اللحظة، أن الانتفاضة تحوّلت إلى تهديد للحزب، إذ إنه تمكّن من الترويج لسرديته لدى القسم الأكبر من مناصريه الذين بدأوا يتعاطون بطريقة سلبية مع المتظاهرين. لكن الخطر الحقيقي يُهدّد في رأيي صدقية الحزب على خلفية الحملة التي أعلنها بنفسه ضد الفساد قبل انتخابات 2018.


 

أوريلي ضاهر | أستاذة مساعدة في جامعة باريس-دوفين وفي كلية العلوم السياسية في باريس، مؤلِّفة "حزب الله: التعبئة والنفوذ" (Hezbollah: Mobilization and Power) (منشورات جامعة أكسفورد، 2019)

مع نزول اللبنانيين إلى الشارع احتجاجاً في تشرين الأول/أكتوبر، سرعان ماتردّد أن حزب الله وجد نفسه في مواجهة تشكيك غير مسبوق في شعبيته داخل الطائفة الشيعية التي تُعتبَر بيئته الطبيعية. بيد أن تشكيك الطائفة بشرعية بعض قادة الحزب ونزاهتهم ليس بالأمر الجديد. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى النائب عن الحزب، حسين الحاج حسن، الذي واجه صيحات الاستهجان في الانتخابات النيابية في عام 2018. وينطبق الأمر نفسه على وفيق صفا، المسؤول الأمني في الحزب ورئيس لجنة الارتباط والتنسيق مع مؤسسات الدولة، وعلى نجل الشيخ محمد يزبك الذي اتُّهِم ببيع الأسلحة إلى الثوّار السوريين في العام 2012.

لكن الانتقاد لايعني هجر الحزب والتخلّي عنه. تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن أمين عام الحزب، حسن نصر الله، لم يتعرض مطلقاً للإساءة والشتم، حتى في بداية الاحتجاجات. ففي أفضل الأحوال، رُفِع التحدي في وجهه وطالبه المحتجون بمعالجة هواجس الناس. لكن الشيعة لم يعتبروه على الإطلاق واحداً من السياسيين الذين يدينهم المحتجّون. والحال هو أنه لم يكد يدعو إلى وقف الاحتجاجات حتى امتثل مناصروه على نطاق واسع. لايزال رابط الثقة والطاعة قائماً.

يحتل حزب الله، منذ نحو خمسة عشر عاماً تقريباً، موقعاً محورياً في اللعبة السياسية الوطنية، استناداً إلى ركيزتَين اثنتين، تتمثل الأولى في العلاقة الاستثنائية التي تربط أكثرية ساحقة من الشيعة بقيادة الحزب، ولاسيما نصر الله. والحال أننا لانجد لدى أي طائفة أخرى رابطاً قوياً بهذ القدر يوجّه الإعجاب والثقة والعطف نحو الجهة السياسية الأساسية التي تمثّل الطائفة.

أما الركيزة الثانية فكناية عن منظومة فاعلة من التحالفات مع أفرقاء خارج الطائفة الشيعية. وقد أتاحت هذه التحالفات لحزب الله توسيع نطاق رافعات النفوذ التي يمكنه استخدامها في أجهزة الدولة؛ وسمحت له أيضاً ببناء قاعدة دعم تمتد إلى خارج الطائفة الشيعية. ويبدو، حتى تاريخه، أن هاتين الركيزتين تحافظان جيداً على صمودهما. وعليه، ليس لحزب الله أن يقلق، في المدى المتوسط، من تعرُّض مركزيته للتحدي على المستوى الوطني.


 

مهند الحاج علي | مدير الاتصالات والإعلام في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ومؤلّف "القومية والرابطة العابرة للقومية والإسلام السياسي: هوية حزب الله المؤسسية" (Nationalism, Transnationalism, and Political Islam: Hizbullah’s Institutional Identity) (بالغريف مكميلان، 2018)

تمثّل الانتفاضة اللبنانية، لأسباب مالية وسياسية، التحدّي الأشد خطورة لمستقبل حزب الله منذ النزاع مع إسرائيل في العام 2006. فعلى الصعيد المالي، يواجه الحزب مأزقاً كبيراً نظراً إلى أن طائفته، والبلاد بأسرها، ينزلقان سريعاً نحو الفقر، في ظل ضآلة الخيارات أو الإمكانات المتاحة له للتخفيف من هذه الأزمة. وهذا أمرٌ جديد. ففي أعقاب الدمار الذي تسبب به نزاع 2006، سارع الحزب إلى تأمين السيولة من إيران للآلاف من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان تفادياً لرد فعل غاضب من جانبهم. وبادرت الدول الخليجية الغنية بالنفط أيضاً إلى تقديم مساعدات لإعادة الإعمار. أما اليوم فمستوى المعاناة الاقتصادية في إيران وعلاقة العداء بين الحزب وبين دول الخليج تحولان دون تكرار تجربة المساعدات المربحة التي توافرت في العام 2006. ويواجه حلفاء حزب الله في سورية والعراق تحديات مماثلة، وهم عاجزون عن تأمين المساعدات.

على الصعيد السياسي، بدأت تظهر بدائل شيعية عن حزب الله ودائرة النفوذ الإيراني. فالحزب هو اليوم بمثابة خط حماية أساسي للوضع القائم حيث يستشري الفساد، من خلال أدائه دوراً ناشطاً في قمع الاحتجاجات في بيروت وكذلك في البلدات ذات الأكثرية الشيعية في الجنوب وسهل البقاع. بات لتفكير حزب الله في مجال نظرية المؤامرة تأثير أضعف من أي وقت آخر، وتراجعت فاعليته في إقناع الشيعة اللبنانيين بالخروج من ساحات الاحتجاج، ولاسيما أن الوضع الاقتصادي يزداد تدهوراً.

الرابط العراقي مهم أيضاً. فالشيعة في لبنان تجمعهم روابط دينية وثقافية بإخوانهم العراقيين الذين التحق عددٌ كبير منهم بالاحتجاجات تنديداً بالنفوذ الإيراني في بغداد. ويتجلى الأثر بصورة خاصة في الميدان الديني. فقد التحق رجال دين مرموقون في لبنان، على غرار جعفر فضل الله، نجل الإمام الراحل السيد محمد حسين فضل الله، بالاحتجاجات، مايُقوّض المحاولات التي يبذلها حزب الله لشيطنة الحراك. إنها نزعةٌ جديدة سيكون لها تأثير على احتكار ثنائي حزب الله وحركة أمل للتمثيل الشيعي في لبنان.