تبدو آفاق إجراء انتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية أفضل من ذي قبل. لكن، من غير المرجّح أن تؤدي هذه الانتخابات إلى تحقيق المصالحة الوطنية التي يطالب بها معظم الفلسطينيين منذ أن أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرسوماً قضى بحل الحكومة التي كانت تقودها حماس بعد أن سيطرت هذه الأخيرة على غزة في العام 2007.

يُعزى السبب جزئياً إلى أن قيادة حكومة السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح في الضفة الغربية، والسلطة التي تقودها حماس في غزة، غير مستعدتين للتخلّي عن نفوذهما أو سلاحهما. فبعض المراسيم شبه الدستورية التي أصدرها عباس على مر السنوات سمحت له بتقويض مسار الانتخابات أو نتائجها، لضمان بقاء فتح في سُدة الحكم.

إذا ما وضعنا جانباً هذه العراقيل التي تحول دون إجراء انتخابات حرة ونزيهة، يبقى على الفصائل السياسية الفلسطينية أولاً أخذ مسألة أكبر وأهم في الاعتبار، وهي: ماذا ستكون طبيعة العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بعد انتهاء عملية السلام (أوسلو)؟ عدم اعتبار ذلك مسألة أساسية قد يؤدّي إلى إدامة التنافس بين فتح وحماس، ما من شأنه أن يمنع بشكل نهائي الحركة الوطنية الفلسطينية من الاستجابة للتحديات الجسيمة التي تواجهها.

في جلسة افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر، أعلن عباس أنه سيباشر، حال عودته إلى رام الله، التحضير لإجراء انتخابات منظمة التحرير الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. لقد باتت الرهانات أكثر أهمية بالنسبة إلى الفلسطينيين مما كانت عليه في العام 2014 عندما دعا عباس إلى إجراء انتخابات، نظراً إلى فشل محادثات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة.

على مدى العامين ونصف العام المنصرمَين، بدا أن الولايات المتحدة تمهّد لتطبيع عملية توسيع سيادة إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة. والدليل الأحدث على ذلك إعلان بومبيو مؤخراً أن واشنطن لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية مخالفة للقانون الدولي. لذا، لم يعد ضرورياً إماطة اللثام عن خطة السلام التي تعد بها إدارة ترامب. فالإعلان عن خطة أميركية أخرى لا يعني شيئاً وسط التغييرات المدوّية التي حدثت في ظل إدارة ترامب بعد عقود من السياسات والممارسات الأميركية، فيما إسرائيل ماضية في إحكام قبضتها على الجزء الأكبر من الضفة الغربية.

ينبغي على الفصائل الفلسطينية اليوم أكثر من أي وقت مضى وضع خلافاتهم جانباً والالتفاف حول استراتيجية وبرنامج سياسي من شأنهما تعبئة الناس والحفاظ على التوافق الدولي المؤيد للمعايير القانونية الرامية إلى حل الصراع. فالفلسطينيون يتوقون إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية. كما أن عباس لا يتمتع بالشعبية في الأراضي المحتلّة، إذ إن 60 في المئة من الشعب يريدونه أن يستقيل وفقاً لاستطلاع أُجري في آذار/مارس 2019. يُشار كذلك إلى أن الآفاق الاقتصادية قاتمة، خصوصاً في صفوف الشباب، حيث تناهز معدلات البطالة نسبة 40 في المئة.

أصدر كلٌّ من المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الهيئة المسؤولة عن صنع القرار السياسي داخل المنظمة، والمجلس الوطني الفلسطيني، وهو الذراع التشريعي، مراراً وتكراراً قرارات دعت إلى تحقيق الوحدة الوطنية وإجراء انتخابات، لكنها لم ترَ النور. في غضون ذلك، يعمد الاتحاد الأوروبي وسائر المانحين الكبار للسلطة الفلسطينية إلى إعادة تقييم أهمية دعمهم المتواصل لها، في ظل غياب مسار واضح لتحقيق السيادة الفلسطينية، واستمرار الانقسام السياسي الذي تشهده غزة والضفة الغربية.

حثّت الضغوط المتنامية من كلّ جهة السلطة الفلسطينية على الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية، وأجبرتها على الدخول في مفاوضات مع الفصائل السياسية الأخرى حول كيفية إجرائها. قبلت حماس معظم مطالب السلطة الفلسطينية، بما فيها إجراء انتخابات متتالية للمجلس التشريعي الفلسطيني، ثمّ الرئاسة، ثمّ برلمان منظمة التحرير الفلسطينية بدلاً من أن تجري جميعها في آن. مع ذلك، شدّد عباس أيضاً على أن حماس وافقت خطياً على الامتثال لقانون الانتخابات للعام 2007 الذي أصدره بموجب مرسوم بعد حلّ حكومة حماس المُنتخبة.

هذا القانون، الذي يعدّل دستور السلطة الفلسطينية، ينصّ على أن أي مرشح للمجلس التشريعي الفلسطيني أو الرئاسة لابدّ من أن يخضع أولاً إلى سلطة منظمة التحرير الفلسطينية. كما يتعيّن عليه/ها الالتزام ببنود وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني وأحكام القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية حتى يكون مؤهلاً لتولّي المنصب. وهكذا، قبل الإدلاء بصوت واحد حتى، سيتوجّب على حماس قبول سلطة منظمة التحرير الفلسطينية على السلطة الفلسطينية، والتسوية الإقليمية التي قبلتها منظمة التحرير الفلسطينية وجرى تكريسها في إعلان الاستقلال العام 1988، وسلطة رئيس السلطة الفلسطينية على قوات الأمن كافة. كما سيتعيّن عليها قبول صلاحية الرئيس في إقالة الحكومة في حالات الطوارئ، وتعيين أعضاء في لجنة الانتخابات المركزية ومحكمة استئناف قضايا الانتخابات. ينبغي أن يتمّ الفصل بأي دعوى تتعلّق بتفسير قانون الانتخابات العام 2007 بحدّ ذاته في المحكمة الدستورية، وهي هيئة أعاد عباس تشكيلها في العام 2016 مع أنصار حركة فتح، الذين أصدروا قرارات تصبّ إلى حدّ كبير في مصلحته.

بطبيعة الحال، لا ترغب حماس في قبول هذه الشروط، بل هي على العكس تدعو إلى إجراء حوار وطني مع الفصائل السياسية الفلسطينية كافة كي يتمّ ربما الاتفاق على المسائل المتعلقة بسير الانتخابات. مع ذلك، من المستبعد أن يوافق الرئيس على ذلك، إذ إن هذا سيتطلّب إلغاء المراسيم التي أقرّها كنتيجة لفوز حماس في الانتخابات التشريعية السابقة.

علاوةً على ذلك، تقتضي التغييرات التي تسعى حماس إلى تطبيقها لإجراء انتخابات جديدة إعادة هيكلة علاقة منظمة التحرير الفلسطينية بالسلطة الفلسطينية، بحيث لا تعود السلطة الفلسطينية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وخاضعة إلى إملاءاتها وتعليماتها. مع ذلك، السلطة الفلسطينية ليست إلا مزوّد خدمات لسكان الأراضي المحتلة (ومنذ العام 2007، لأولئك المقيمين في الضفة الغربية فقط)، فيما منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني والسلطة الوحيدة المعترف بها دولياً لإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل. ويضمن الحفاظ على أولوية منظمة التحرير الفلسطينية على وكيلها، السلطة الفلسطينية، ألا تأتي المصالح السياسية للضفة الغربية وغزّة على حساب التطلّعات الوطنية للشعب الفلسطيني ككل. فمنظمة التحرير الفلسطينية لن تسمح بتمكين السلطة الفلسطينية على حسابها.

تجدر الملاحظة هنا أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لطالما كانت مدركة للخطر الذي تطرحه السلطة الفلسطينية، التي تحصل على مئات الملايين من الدولارات التي تصل في شكل مساعدات دولية مقدّمة من المانحين، ما يجعلها متفوقةً على منظمة التحرير الفلسطينية. كما ساهم تولّي رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية منصب رئيس السلطة الفلسطينية أيضاً في الحؤول دون قيام السلطة الفلسطينية بأي محاولة استيلاء معادٍ للمنظمة. وفي حال فازت حماس في الانتخابات الرئاسية قبل أن تنضوي السلطة الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ستتبدّد هذه الحماية من التشرذم السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية.

لذلك، بينما قد تبتلع حركة فتح فكرة انتخابات تشريعية كانت فيها لحماس الغلبة بسبب قيم السلامة التي وضعها الرئيس بموجب مرسوم منذ العام 2007، إلا أن فوز حماس في الانتخابات الرئاسية من شأنه أن يشكّل تهديداً على البنيان الهش الذي أبقى علاقة منظمة التحرير الفلسطينية بالسلطة قيد العمل. لذلك، بدلاً من الدعوة إلى انتخابات المجلس التشريعي أولاً، كما أصرّت فتح، ينبغي على الفصائل الفلسطينية إجراء حوار وطني حول الانتخابات البرلمانية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ من شأن ذلك أن يعزّز الطابع التمثيلي لهذه الهيئة الوطنية من أجل ضمان أن تخدم أي انتخابات مستقبلية للسلطة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية قضية المصالحة الوطنية بدلاً من إحباطها بشكل دائم.