ناصر السعيدي اقتصادي لبناني شغل منصب النائب الأول لحاكم مصرف لبنان في الفترة بين 1993- 2002، ووزيراً للاقتصاد والتجارة في 1998-2000. كان الاقتصادي والاستراتيجي الأول في مركز دبي المالي العالمي، وعمل كمستشار لحكومات، ومصارف مركزية، ومُنظّمين، في المنطقة. هو الآن مؤسس ورئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه.

أجرت "ديوان" مقابلة معه في أوائل كانون الأول/ديسمبر للاطلاع على رأيه حول الأزمة المالية التي تعصف بلبنان حالياً، ولسؤاله عن الخطوات الضرورية لتحقيق الاستقرار المالي في لبنان. ويبدو أن المهمة الضخمة الراهنة هي ما حَفَزَ السعيدي على القول إن أي حكومة جديدة تكون مستعدة للتصدي لمشاكل لبنان المالية الراهنة قد تُواجه عملياً خطر الانتحار السياسي.

مايكل يونغ: وصفتم الطريقة التي كان يحصل بموجبها لبنان على المال في العقود الأخيرة بأنها "سلسلة بونزي". هل تشرحون لنا ما معنى ذلك؟

ناصر السعيدي: "سلسلة بونزي" تظهر حين تُدفع العائدات الموعودة على الاستثمارات للمستثمرين الراهنين من أرصدة يساهم بها مستثمرون جدد. كيف يحدث هذا في لبنان؟ الحكومات المتعاقبة كانت طائشة ماليا، مع معدل عجز يبلغ 8.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي منذ العام 2010. وقد أدّت المستويات المرتفعة لعمليات اقتراض الحكومة، جنباً إلى جنب مع معدلات فائدة عالية، إلى "استبعاد" القطاع الخاص، وإلى هبوط حاد في الاستثمارات والائتمان المحلي للقطاع الخاص. وهذا أدّى إلى نمو اقتصادي تعيس، ثم الآن إلى ركود.

بالمثل، رفع مصرف لبنان معدلات الفائدة على الدولار الأميركي لاجتذاب الودائع من الجاليات اللبنانية في الخارج ومن مستثمرين أجانب، للمساعدة على تمويل العجز المزدوج، أي عجوزات الحسابات الجارية المتواصلة وعجوزات الميزانية. وقد رفعت معدلات الفائدة العالية الكلفة الإجمالية لاقتراضات الحكومة، وأدّت إلى "استبعاد" القطاع الخاص: فالاقتراض الحكومي كان يُموَّل على نحو متزايد من المصرف المركزي. في المقابل، فضّلت المصارف أن تضع الودائع في مصرف لبنان بدلاً من المخاطرة في إقراض القطاع الخاص أو الحكومة، وحصدت معدلات على ودائعها من الدولار تفوق المعدلات العالمية بنحو 600 إلى 700 نقطة أساسية. إذ كان يُدفع إلى المصارف 8 في المئة وأكثر، فيما كانت المعدلات العالمية 1 في المئة.

بحلول العام 2016، بدأ ينحدر تدفّق التحويلات والتدفقات الرأسمالية الداخلة التي خدمت لتمويل العجز المزدوج اللبناني المالي والحساب الجاري. وقد حاول مصرف لبنان تدعيم احتياطياته الدولية والحفاظ على سعر صرف مُغالى في تقييمه، من خلال زيادة الاقتراض من المصارف عبر ما يُسمى خطط "الهندسة المالية" وعمليات السواب (المبادلة). كما أنه انخرط في خطوات إنقاذ كاسحة للمصارف المحلية- بما يزيد على 5 مليارات دولار- التي عانت خسائر كبيرة من جراء عمليات خارجية في تركيا وسورية والسعودية وبلدان أخرى.

في حين أن عمليات الإنقاذ هذه في الولايات المتحدة وأوروبا خلال الأزمة المالية العالمية في 2007-2008 قامت بها الحكومات كجزء من عملياتها المالية، في مقابل حق الملكية (equity) ومن خلال فرض شروط، لم يفرض مصرف لبنان مثل هذه الشروط. وقد أسفرت الهندسة المالية، والسواب، وعمليات شبه مالية أخرى، إلى تضخّم الميزانية العمومية، من 182 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2015 إلى 280 في المئة في تشرين الأول/أكتوبر 2019، وهو أعلى معدل في العالم. أما نمو أصول مصرف لبنان- أساساً سندات دين الحكومة اللبنانية وأذونات الخزينة- فقد تم تمويلها عبر المزيد من الاقتراض بمعدلات فائدة عالية، ما أسفر عن ضغوط سيولة متنامية للقطاع الخاص.

المحصلة النهائية هي أن مصرف لبنان كان يموّل عجوزات موازنة الحكومة ويُنقّد (تحويل إلى نقود) الدين العام من خلال الاقتراض، ويحقق أرباحاً من "أصوله" أقل مما كان يعد ويدفع إلى المصارف. كما كان يدفع على نحو متزايد عائدات مرتفعة على الودائع من أموال جديدة تأتي من مصارف محلية واقتراضات عالمية.

يونغ: فرض لبنان قيوداً على الرساميل كأمر واقع. هل الرسالة هنا هي أن صنّاع القرار يحبّذون حماية القطاع المصرفي على حساب النمو الاقتصادي؟ وإذا ما كان الأمر كذلك، هل لدى لبنان خيارات أخرى، خاصة إذا ماوضعنا في الاعتبار الآلام التي قد تحدث إذا ما انهار القطاع المصرفي؟

السعيدي: تهدف القيود غير الرسمية على الرساميل والدفعات وسعر الصرف، التي فرضتها المصارف، بموافقة ضمنية من المصرف المركزي، إلى السيطرة على هروب الرساميل، في ضوء التبدّد المتزايد للثقة حيال ديمومة مالية الحكومة وقدرة الجهاز المصرفي على مواصلة تمويل عجوزات الحكومة. بيد أن أيام العُطَل المُعلنة ذاتياً من جانب المصارف لم تُسفر سوى عن إشاعة الذعر في صفوف المودعين والمستثمرين. والواقع أن هذه الإجراءات كانت تهزم ذاتها بذاتها: فالقيود على الرساميل وسعر الصرف، جنباً إلى جنب مع القيود على الدفعات، وعلى رغم أنها ستحمي مؤقتاً المصارف والاحتياطي الأجنبي لمصرف لبنان، إلا أنّها ولّدت منحى تراجعياً في التجارة والنشاطات الاقتصادية، وستسفر عن زيادة في عدد القروض المتعثّرة، الأمر الذي سيضرّ مباشرة بالمصارف.

علاوةً على ذلك، تُرِكَ أمر فرض القيود للتقدير الاستنسابي الاعتباطي للمصارف، التي أطلقت لايقيناً حاداً إزاء المعاملات المصرفية والدفعات، ما أدى إلى تجفيف التحويلات وتدفقات الرساميل، وإلى إضعاف موقع الأصول الأجنبية الصافية للنظام المصرفي. وتُظهر الأدلة الدولية أنه في حين أن القيود على الرساميل يمكن أن تكون فعّالة كجزء من حزمة سياسية، إلا أنها ليست بديلاً عن برنامج إصلاح اقتصادي كلّي ومالي ونقدي منظّم جيداً، لبنان في أمّس الحاجة إليه.

يونغ: اليوم هناك تقلّص في السيولة، وهذه لها مضاعفات خطيرة على بلاد تعتمد إلى حد كبير على السلع المستوردة. والآن، حين نضع بعين الاعتبار أن احتياطي المصرف المركزي أقل كثيراً مما أُعلن عنه في البداية، هل لدى لبنان أي خيار آخر سوى التوجّه إلى المجتمع الدولي للحصول على مثل هذه السيولة؟

السعيدي: حين نضع في الاعتبار المستوى الكبير للدين السيادي ودين المصرف المركزي (بإجمالي قدره 150.183 مليار ليرة لبنانية، منها 82.249 ملياراً دين المصرف المركزي كما كان في الربع الثاني من العام 2019)، والانكشاف المباشر للنظام المصرفي، حيث 70 في المئة من أصول المصارف موجودة في أوراق الحكومة والمصرف المركزي، سندرك أن لبنان في حاجة بالفعل لأن يتوجّه إلى المجتمع الدولي. إضافة إلى ذلك، سيتعيّن أن يُعاد التفاوض حول التزامات مؤتمر "سيدر" الموعودة التي قدّمتها مجموعة من المانحين والمستثمرين في نيسان/أبريل 2018، وأن تعدّل لتصبح صندوق سيولة واستقرار اقتصادي متعدد الأطراف. ومثل هذا الصندوق سيكون خاضعاً إلى المشروطية المتعلقة بالإصلاحات المالية والقطاعية (الكهرباء، الماء، النقل وغيرها) والهيكلية والمالية.

يونغ: هل سيتمكن القطاع المصرفي من الصمود أمام الصدمة الراهنة؟

السعيدي: يقع القطاع المصرفي، بما فيه مصرف لبنان، في صُلب برنامج التصحيح المالي الذي ينبغي إجراؤه للاقتصاد الكلّي والنظام المالي اللبناني، نظراً إلى أنه يملك الشطر الأكبر من الدين العام. على سبيل المثال، تتطلب إعادة جدولة الدين المحلي بالليرة اللبنانية تعديل بنود الدين المتعلقة بالدفعات المستحقة في فترة 2020-2030 لتصبح ديوناً جديدة بمعدلات فائدة أدنى بكثير، وآجال استحقاق تتراوح بين خمس وعشر سنوات. وبالمثل، يمكن أيضاً إعادة هيكلة الدين بالعملة الأجنبية وتمديد آجال استحقاقه، بالاستفادة من الضمانة المقدّمة من المشاركين في مؤتمر "سيدر" الاقتصادي، الأمر الذي سيخفّض على الأرجح معدّلات الفائدة بشكل كبير. قد تؤدّي عمليات إعادة جدولة الدين وإعادة هيكلته إلى تخفيض أكلاف خدمة الدين إلى نسبة أدنى من النسبة الحالية البالغة 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وإلى توفير هامش للمناورة خلال فترة التصحيح المالي.

سيكون على المصارف وحملة الأسهم اتّخاذ إجراءات إنقاذ داخلية، تترافق مع توطيد أواصر النظام المصرفي وإعادة هيكلته. وبدوره، سيعني تطبيق هذه الإجراءات على نطاق واسع ضرورة إطلاق عملية كبيرة من إعادة الرسملة وإصدار الأسهم من أجل تحقيق تعافي النظام المصرفي والاستقرار النقدي.

يونغ: ما المسار الذي سيسلكه لبنان في الأشهر المقبلة؟ وما الديناميكيات التي سيشهدها؟

السعيدي: ما لم تتم استعادة الثقة وتشكيل حكومة جديدة تتمتع بالمصداقية، تشير التوقعات الحالية إلى أن لبنان سيواجه ركوداً اقتصادياً عميقاً وتنامي معدّل البطالة وانخفاضاً حادّاً في الاستهلاك والاستثمار والتبادل التجاري. وسيترافق ذلك مع تراجع مستمر في قيمة الليرة اللبنانية في السوق الموازي، ما سيسرّع وتيرة التضخّم وتقهقر الأجور الحقيقية، ناهيك عن تفاقم عجز الموازنة بسبب تراجع الإيرادات. وستزداد بالتالي الضغوط الممارسة على النظام المصرفي، مع تشديد الضوابط المفروضة على النشاط الاقتصادي والمدفوعات، وتشوهات السوق.

يونغ: ما الذي يمكن القيام به في هذه المرحلة لتجنّب حصول الأسوأ؟ هل بإمكانكم وضع الخطوط العريضة لعملية واقعية يمكن أن تتبنّاها الحكومة والقطاع المصرفي خطوة بخطوة للخروج من هذه الأزمة المالية التي تسبّبا بها؟

السعيدي: يكاد الوقت ينفد. لابدّ من تشكيل حكومة تتألف من وزراء "تكنوقراط" مستقلين لاينتمون إلى الأحزاب، ويتمتعون بالكفاءة ويُشهد لهم بالنزاهة، ويملكون صلاحيات استثنائية لصنع القرارات، إضافةً إلى استعدادهم للتضحية بمستقبلهم السياسي نظراً إلى القرارات السياسية الصعبة المطلوب اتّخاذها. ستكون هذه بالفعل "حكومة انتحارية"، إذ سيتعيّن عليها، خلال أسابيع، تحضير برنامج شامل للإصلاح المالي والاقتصادي الكلي والنقدي والبدء بتطبيقه، إضافةً إلى وضع خريطة طريق سياسية واضحة تتضمن تنفيذ إصلاحات هيكلية. وفي حين لا بدّ من أن تشمل خريطة الطريق السياسية هذه إصلاحات هيكلية، على غرار إصلاح نظام التقاعد، يمكن أن تكون متعاقبة، ولا داعي لتطبيقها على الفور.

أما الأولوية الفورية، فتتمثّل في مواجهة الأزمات المتقاطعة والمتعلّقة بالعملة والمصارف والوضع الضريبي والمالي. وكي يتمتّع برنامج التعديل بالمصداقية، يتوجب وضع المالية العامة على مسار مستدام، من خلال تعديل ضريبي جذري ودائم لتخفيض قيمة الدين وعجز الموازنة، ما يتطلّب بلوغ فائض أولي ضخم نسبته 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، باستثناء مدفوعات الفوائد. يتعيّن على الدولة تغيير حجم القطاع العام وإعادة هيكلة النظام المالي من خلال إعادة جدولة وإعادة هيكلة الدين العام، بما في ذلك دين المصرف المركزي. سيحتاج لبنان إلى دعوة المجتمع الدولي إلى دعم برنامج التعديل الخاص به من خلال برنامج "سيدر" مُعاد تشكيله وصياغته. وفي إطار هذا البرنامج، ستحتاج احتياطيات المصرف المركزي إلى الدعم من خلال المبادلات الثنائية التي يجريها. كما سيتطلّب توافر تمويل خارجي متعدد الأطراف بقيمة تتراوح بين 20 و25 مليار دولار (35 -45 في المئة من إجمالي الناتج المحلي).

في نهاية المطاف، تتطلّب هذه التدابير الموجعة التزاماً سياسياً واسع النطاق وثابتاً. يبقى الخيار هنا بين تعديلات يفرضها السوق، تكون فوضوية ومؤلمة، ما يعني هبوطاً حاداً، وبين إصلاحات مفروضة ذاتياً ذات مصداقية ومستدامة. مع ذلك، ما من مؤشرات تدلّ على أن الطبقة السياسية الحاكمة وصنّاع القرار على استعداد للقيام بهذه الخيارات الصعبة، فضلاً عن غياب الشجاعة السياسية والقدرة على الإصلاح.