في 6 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قراره سحب القوات الأميركية من سورية، معلناً الانتصار على الدولة الإسلامية. مهّد الإعلان المثير للجدل الطريق أمام التوغّل العسكري التركي في شمال سورية الذي أفضى إلى طرد القوات الكردية التي تعتبرها الحكومة التركية إرهابية، من المنطقة الحدودية التركية-السورية.

لكن، تحت تأثير الضغوط من الحزبَين في الولايات المتحدة، سرعان ماتراجع ترامب عن قرار الانسحاب من سورية. وهذه كانت المرة الثانية التي يُقدم فيها على مثل هذه الخطوة في أقل من عامٍ واحد. والتبرير الذي ساقه ترامب هذه المرة هو أن القوات الأميركية سوف تسعى إلى السيطرة على النفط السوري الذي يتركّز الجزء الأكبر منه شمال شرق البلاد.

قال الرئيس في تصريح له في البيت الأبيض في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر: "نحتفظ بالنفط... تركنا قوات هناك من أجل النفط فقط". عند الإعلان عن الانسحاب، كان عديد القوات الأميركية في سورية يبلغ نحو ألف جندي. وقد كشف البنتاغون لاحقاً عن خطط للاحتفاظ بحوالي 600 جندي في سورية.

ركّزت معظم التعليقات، حتى تاريخه، على الجوانب القانونية والأخلاقية المرتبطة بنهب الموارد العائدة لبلدٍ آخر. لكن هل السيطرة على النفط السوري مُجدية اقتصادياً للولايات المتحدة؟ قبل الحرب، كانت سورية تنتج القسم الأكبر من المشتقات النفطية التي تحتاج إليها. وفي التسعينيات، بلغ الإنتاج الذروة مع 600000 برميل في اليوم. ثم سجّل الإنتاج النفطي تراجعاً مطّرداً مع تقلّص القدرة الإنتاجية. وقبل اندلاع الانتفاضة في العام 2011، كانت سورية تنتج فقط 375000 برميل في اليوم.

مع عسكرة النزاع السوري، أصبح النفط مورداً مربحاً لتمويل اقتصاد الحرب. كانت الدولة الإسلامية تسيطر، قبل هزيمتها في الميدان في 2017-2019، على معظم الحقول النفطية في سورية. وكانت المشتقات النفطية العائدة للدولة الإسلامية تقطع مسافات طويلة وتجتاز عدداً كبيراً من الخطوط المناوئة. كانت هذه الإيرادات ضرورية لتأمين استمرارية التنظيم.

في أواخر العام 2017، سيطرت قوات سورية الديمقراطية الخاضعة للأكراد علىمعظم الحقول النفطية بمساعدة التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية. ومنذ ذلك الوقت، يُستهلَك الجزء الأكبر من النفط في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية، وتُشكّل العائدات مصدراً أساسياً لتمويل الميليشيات التابعة للأكراد.

لكن السيطرة على النفط السوري، بحسب ماتعهّد به ترامب، ليست مجدية اقتصادياً. فلنفترض أن شركة نفطية أميركية قررت الاستثمار في ترميم البنى التحتية للقطاع النفطي السوري، فهذا يتطلب مالاً ووقتاً. ولنفترض أيضاً أنها أعادت مستوى الإنتاج إلى ماكان عليه قبل الحرب، أي 375000 برميل في اليوم، فهي لن تُعوِّض عن كلفة التدخل الأميركي التي بلغت 13 مليار دولار في العام 2018 ووصلت إلى 15.3 مليار دولار في العام 2019. وبما أن سعر البرميل هو 60 دولاراً، على الشركة أن تزيد الإنتاج من المستوى الحالي، أي 30000 برميل في اليوم، إلى 593000 برميل في اليوم كي تتساوى الإيرادات مع تكاليف التدخل الأميركي. وهذا من دون احتساب تكاليف استخراج النفط، والجعالات التي يجب تسديدها للهيئة السورية المعنية، والعلاوات التي ينبغي دفعها للموظفين تعويضاً لهم عن العمل في بيئة محفوفة بالمخاطر، فضلاً عن تكاليف أخرى.

لايرى كبار المسؤولين الأميركيين، إنما أيضاً عمالقة النفط، أسباباً كافية تبرّر مخططات ترامب لوضع اليد على النفط السوري. فالبنتاغون مثلاً لم يُعبّر عن تطلّع من هذا القبيل. وفي هذا السياق، قال وزير الدفاع مارك إسبر رداً على سؤال عن الترجمة العملية لمسألة "احتفاظ" الولايات المتحدة بالنفط أو "سيطرتها عليه": "أفسّر ذلك بأنه يهدف إلى منع [الدولة الإسلامية] من الوصول إلى حقول النفط، وإلى ضمان أمن الحقول...".

أما في مايتعلق بشركات النفط، فليس مستغرباً أنه لم تُبدِ أي شركة بينها اهتماماً بالفكرة التي طرحها الرئيس. فقد صرّح ترامب في هذا الإطار: "ماأنوي فعله، على الأرجح، هو عقد صفقة مع إكسون موبيل أو إحدى شركاتنا الكبرى للذهاب إلى هناك [سورية] والقيام بالأمور كما يجب".

لكن ما لم يقله ترامب هو أن الأهداف الأميركية في سورية تذهب أبعد من الذريعة الرسمية التي يسوقها من خلال حديثه عن رغبة بلاده في السيطرة على النفط السوري. فوجود الولايات المتحدة هناك يمنحها نفوذاً في مقابل إيران والنظام السوري وروسيا، وهذا هو أحد الأسباب وراء المعارضة الشديدة التي يُبديها الحزبان الجمهوري والديمقراطي للانسحاب الأميركي الكامل من سورية. فالإبقاء على هذا الوجود يُعتبَر أمراً حيوياً بالنسبة إلى واشنطن، على ضوء التعاون الوطيد والمتزايد بين روسيا وتركيا في شمال شرق سورية. وفي سياق الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب، يُشكّل الدور الكردي في الحؤول دون صعود الدولة الإسلامية من جديد، سبباً إضافياً في هذا الإطار. ويُعتبَر الانتشار الأميركي، ولاسيما حول حقول النفط، محورياً من أجل إفساح المجال أمام الحليف الكردي ليستمر في الإفادة من العائدات النفطية.

واقع الحال هو أن كلفة الإبقاء على هذه الأهداف المتوخاة على صعيد السياسات في المنطقة، متدنّية نسبياً. ويُعتبَر التدخل الأميركي في سورية فاعلاً لناحية التكاليف والمنافع. فحجم البعثة صغير جداً، ويُشار في هذا الصدد إلى أنه عند الإعلان عن سحب القوات الأميركية من سورية، كان عديد الجنود الأميركيين في البلاد والذي يبلغ زهاء ألف جندي، يُشكّل مانسبته 0.5 في المئة فقط من مجموع عديد القوات الأميركية المتمركزة في الخارج. وقد لقي ثمانية جنود أميركيين فقط مصرعهم منذ الانتشار في العام 2014، فالوطأة الأكبر في القتال ضد الدولة الإسلامية تَحمّلها الأكراد، حلفاء الولايات المتحدة، الذين خسروا 1100 مقاتل في المعارك.

القرار الذي اتخذه ترامب بسحب القوات الأميركية هو واحدٌ من قرارات كثيرة في الشأن السوري دفعت بالحلفاء والخصوم على السواء إلى إعادة النظر في مستقبل الدور الأميركي في البلاد. أما في مايتعلق بالاستثمار في النفط السوري، فقد كانت مجرد ذريعة لتبرير قرار الرئيس الأميركي بالعدول عن الانسحاب، علماً بأن هذا الاستثمار هو في الواقع غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية.

* كرم شعار هو محلل بارز سوري الأصل في وزارة الخزانة النيوزيلندية. الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظره الشخصية.