بلغت الانتفاضة اللبنانية مرحلة دقيقة. فالمتظاهرون معلّقون بخيط رفيع بين الفرح العامر الذي تملّكهم لحظة نزولهم إلى الشارع في تشرين الأول/أكتوبر الفائت، من جهة، وبين الحاجة الماسّة إلى التفكير في المسار الذي يجب أن يسلكه الحراك في المستقبل، من جهة أخرى.

مع تسارع خطى الانهيار المالي في البلاد، بات الناس يفقدون وظائفهم ويفكّرون في أشكال احتجاجية جديدة، لذا أصبح التجديد ضرورة ملحّة. الناس حالياً منهمكون بتأمين مقوّمات العيش ولايركّزون كثيراً على التظاهر، فيما الأولوية اليوم هي لتشكيل حكومة قادرة على التعامل مع المجتمع الدولي. لكن المساعي الرامية إلى تغيير لبنان نحو الأفضل لن تكبو، وعلى الحراك الاحتجاجي أن يعيد تشكيل نفسه ليواصل تحدّي الطبقة السياسية على المدى الطويل.

تتمثّل إحدى الطرق الأكثر فعالية لتحقيق ذلك في التركيز على الانتخابات البلدية التي تجري كل ست سنوات. وهذا ما أدركه جيداً ناشطو المجتمع المدني في الانتخابات البلدية الأخيرة العام 2016. إذ قد يفسح الانخراط في السياسة المحلية مجالاً وازناً للأشخاص الذين يشعرون بالسخط من الوضع القائم، وذلك لأسباب عدّة:

أولاً، تؤثّر المجالس البلدية في حياة المواطنين اليومية. فقد أظهرت الانتفاضة بشكل واضح أن اللبنانيين ثاروا بهذا الشكل الكبير لأنهم شعروا أن حياتهم باتت أشبه بإهانة، وأن الناس يدفعون أثماناً متزايدة لقاء خدمات متردّية. ثمة أمور كثيرة تقع ضمن نطاق صلاحيات المجالس البلدية، بدءاً من إدارة النفايات، ومروراً ببناء مساحات خضراء للأطفال، ووصولاً إلى تركيب فلاتر للحد من انبعاثات المولّدات السامة. إعطاء المواطنين الوسائل اللازمة لتحسين حياتهم اليومية بشكل ملموس، قد يكون الطريقة الفضلى لإقناعهم بالتصويت لشخصيات بديلة من شأنها أن تحلّ محل السياسيين الطائفيين.

ثانياً، ألّا يتمّ انتخاب أعضاء المجالس البلدية على أساس طائفي، على الرغم من حرص بعض المدن على احترام التوازن الطائفي لضمان أن تبقى المجالس أكثر تمثيلاً لجميع المكوّنات. لماذا يُعتبر هذا الأمر مهماً؟ لسبب أساسي هو أن المجالس البلدية، عندما تكون أقل طائفية وأقل تأثّراً بالاعتبارات الطائفية، فهذا يعني على الأرجح أنها أقل تأثّراً بالقادة الطائفيين والأحزاب الطائفية. والأهم، ونظراً إلى أن المجالس البلدية تتّسم بطائفية محدودة وحسب، يعتبر القادة الطائفيون عموماً أن الانتخابات البلدية لا تشكّل تحدياً كبيراً لنفوذهم الطائفي، ما يعطي المجالس البلدية هامشاً أكبر لممارسة نشاطها بحرية.

ثالثاً، وفي سياق متّصل، بما أن الانتخابات البلدية لاطائفية، فهي أقل تأثّراً أيضاً بغرائز الناخبين الطائفية. ففي الانتخابات البرلمانية مثلاً، يُعتبر الناخبون أكثر ميلاً للتصويت على أساس انتمائهم الطائفي، لأنهم يعتبرون الامتناع عن ذلك خسارة لجماعتهم الطائفية الأوسع. لذلك، لم يصوّت عددٌ كبير من الأشخاص نسبياً لمرشّحي المجتمع المدني في الانتخابات البرلمانية العام 2018. أما على مستوى البلديات، فهذه الاعتبارات أقل تأثيراً، ما يتيح للمرشحين المستقلّين أن يحظوا بدعم أوسع في صفوف الناخبين.

رابعاً، على المستوى البلدي، غالباً ما يبرز حسّ من التضامن المحلي وشعور بالانتماء يجعل من نتائج الانتخابات غير قابلة للتنبؤ إلى حدّ كبير. وتعني فورية الاقتراع واعتزاز الفرد بحيّه أو بلدته أو قريته أن الناخبين سيُبدون على الأرجح حساسية أكبر حيال الرسائل الشخصية التي يبعثها المرشّحون الذين يسعون إلى إقناعهم بأنهم يستطيعون إدخال تحسينات على ظروف معيشتهم. يمكن لذلك أن يتجاوز الولاءات الحزبية أو السياسية، وإذا تمّ استخدامه بشكل صحيح يمكن أن يكون له تأثير كبير على خيارات الناخبين.

لا بدّ من أن تبدأ الحركة الاحتجاجية التحضير للانتخابات البلدية في المدن والبلدات الكبرى في لبنان، التي تُعدّ أهدافاً أساسية للعام 2022. فبيروت، وطرابلس، وصيدا، وصور، والنبطية، وبرج حمود، وبنت جبيل، وزحلة كلّها أماكن في حاجة إلى تعزيز أو إعادة إحياء على المستوى البلدي. لكن السؤال هنا: لماذا المدن والبلدات الكبرى؟ لأنه من الأصعب على الحكومة حرمان مثل هذه الأماكن من الأموال، حيث ترى في المجالس البلدية المستقلة خطراً على سيطرة القادة الطائفيين. وعلى القدر نفسه من الأهمية، ستؤدي الإدارة الناجحة للبلدية في التجمعات الأكبر إلى تعزيز مصداقية الشخصيات المستقلة لإدارة المؤسسات الوطنية، حين يحين الوقت كي يصوّت الناخبون في الانتخابات البرلمانية.

انتخابات العام 2022 لاتزال بعيدةً بعض الشيء. بيد أن ذلك يمنح مجموعات المجتمع المدني المستقلة الوقت لتحضير الأسس للانتخابات البلدية. علاوةً على ذلك، وبالنظر إلى الميزة النسبية التي تتمتّع بها هذه المجموعات في فهم الحقائق على الأرض وفي بناء الشبكات داخل المجتمع، يمكننا الاستفادة من هذا الوضع بشكل جيد هذه المرة. وينطبق هذا على وجه الخصوص في بيروت، التي تشمل أغنى البلديات والأكثر غموضاً. يمكن أن يبدأ المستقلّون المعنيون الآن البدء برصّ صفوفهم والتحضير، ربما من خلال العمل كحكومة ظل في العاصمة، وإبقاء المجلس الحالي تحت الرقابة المستمرة والعامة، والاجتماع في الوقت نفسه مع البيروتيين وسؤالهم كيف يرغبون حقاً في رؤية مدينتهم تتحسّن.

ستكون المعركة لاستعادة لبنان معركة طويلة. وسيستمر القادة الطائفيون وأتباعهم في القتال للحفاظ على أنفسهم. لكن، في الوقت الذي نتّجه فيه نحو انهيار مالي كبير والإفلاس الجلي للنظام القديم، حان الوقت الآن للاستفادة من مزاج وطني يسود في البلاد ويُبدي استعداداً لتقبّل قادة أكثر كفاءة يهتمّون بمصالح السكان فعلاً.

الأفضل عدم تحدّي القادة الطائفيين في وقت مبكر، مايجعل القوى المستقلة تحظى بالوقت لتنظيم وبناء قاعدة دعم. لهذا السبب، يجب أن ينصبّ التركيز الأساسي على الانتخابات البلدية، حيث يمكن للبنانيين تثمير حيوية الجمهور المحلي.