ماذا حدث؟

في 10 كانون الثاني/ يناير، تنحّى رئيس الحكومة المُكلّف حبيب الجملي، بعد أن فشل في نيل تصويت على الثقة بحكومته المُقترحة. إذ لم يصوّت سوى 72 من أصل 217 نائباً في البرلمان لصالح حكومته، وهو أقل كثيراً من الأصوات الـ109 المطلوبة للفوز بالثقة.

كانت تونس قد شهدت تشكيل عشر حكومات خلال السنوات الثماني الأخيرة منذ انتفاضة 2010- 2011، بيد أن هذه كانت المرة الأولى التي يفشل فيها البرلمان في المصادقة على حكومة مقترحة.أمام الرئيس قيس سعيّد الآن عشرة أيام، وفق منطوق الدستور، للتشاور مع الأحزاب السياسية والمجموعات الإئتلافية والبرلمانية لتحديد الشخصية التي يعتبرها "الأكثر قدرة " على تشكيل الحكومة. وسيكون أمام هذه الشخصية شهراً واحداً لمحاولة تشكيل الحكومة.


 

لماذا هذا التطور مهم؟

ستجد تونس نفسها، إذا مابقيت من دون حكومة، في وضعية معلّقة وعاجزة عن إحراز تقدم في مجال الإصلاحات الاقتصادية الحاسمة التي يجب أن تعالج مشاكل ارتفاع التضخم والمعدلات المتفاقمة من البطالة، وتباطؤ النمو الاقتصادي. وعلى رغم أن البرلمان موجود وقادر على القيام بمهامه العادية، إلا أن عملية تشكيل الحكومة قد تستهلك الكثير من وقت النواب في الشهر المقبل، ما سيفرز عقبات أمام إنجاز أي عمل تشريعي حقيقي.

علاوة على ذلك، يدفع حجب الثقة تونس إلى مرحلة تتسم بالغموض بالنسبة إلى كلٍ من سعيّد والبرلمان معا. إذ ليس من الواضح بعد الوجهة التي قد يسير فيها الرئيس، خاصة وأنه غير حائز شخصياً على حزب سياسي، وبالتالي ليس لديه قاعدة طبيعية في البرلمان. الحزب الذي لديه ثاني أكبر عدد من المقاعد وبالتالي قد يكون خيار سعيّد هو حزب قلب تونس برئاسة نبيل القروي. كان هذا الأخير، كما هو معروف، قابعاً في السجن خلال معظم الحملة الانتخابية بتهم تتعلق بالفساد، وهو خسر الانتخابات الرئاسية أمام سعيّد. وإذا ما كُلِّفَ القروي أو أحد قادة حزبه بتشكيل الحكومة، ستسري حالة غضب عارمة في صفوف التونسيين الذين رفضوا بهامش كبير القروي خلال الحملة الانتخابية. وفي الوقت نفسه، تكشف تجربة الجملي أن تكليف مستقل تشكيل الحكومة قد لا تكون خطوة موفقة أيضاً. وعلى رغم أن الجملي شغل سابقاً منصب نائب وزير لشؤون الزراعة في حكومة النهضة العام 2011، إلا أنه اعتُبر مستقلاً وقُدِّمت الحكومة التي اقترحها للبرلمان على أنها حكومة مستقلين وتكنوقراط، بهدف تجنّب الاستقطاب السياسي ومنع النواب من الاعتراض على هذه التشكيلة الوزارية. لكن، يظهر أن أحداً لم يشعر بالحبور حيال خيارات الجملي، بما في ذلك حزب النهضة الذي عيّنه. فالبعض في النهضة أحسّ بالاحباط لأن هذه الحكومة لم تعكس انتدابه بوصفه الحزب الذي حصد غالبية المقاعد في البرلمان والمخوّل بالتالي قيادة الحكومة. أما من هم خارج حزب النهضة، فقد شكوا بأن هذا الأخير يناور ويخادع من خلال تعيين وزراء وُصفوا بأنهم مستقلون، لكنهم في الواقع من حلفاء النهضة.


 

ما المضاعفات على المستقبل؟

إذا ما فشل خيار سعيّد الثاني في تشكيل الحكومة، ستكون تونس مضطرة لإجراء انتخابات تشريعية جديدة، ما يزيد في تأخير عملية الحوكمة ويفرض ضغوطاً على سلطة الانتخابات الوطنية المُرهقة أصلاً، والتي لم يتسنّ لها بعد التقاط الأنفاس من انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية. إضافة إلى ذلك، يشعر التونسيون بالتعب الانتخابي، بعد أن قصدوا مراكز الاقتراع بأعداد متناقصة ثلاث مرات منفصلة في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/نوفمبر. وهم قد لايهتمون، تبعاً لذلك، بالمشاركة في اقتراع آخر قريب.

إلى ذلك، إذا ما تعيّن على البلاد أن تخوض انتخابات برلمانية جديدة، من غير الواضح ما إذا كانت النتائج ستكون مُغايرة. وهذا يعني أن هذه ستكون بداية الدوران في حلقة مفرغة من الانتخابات المُبكرة. ثم أن تونس ليست في مرحلة تحمّل الدخول في حمأة انتخابات جديدة، بعد أن أدّت الانتخابات الأخيرة إلى تشكيل برلمان يتكوّن من 31 حزباً سياسياً ولوائح مختلفة. ومن دون تغيير للقانون الانتخابي على نحو إيجابي لرفع المقبولية الشعبية، يرجّح أن يكون للبلاد برلمان آخر متشظٍ، وبالتالي ستعاني من الصعوبات نفسها في تحقيق وفاق حول الحكومة، ما يجعل أي رئيس حكومة مكلّف أمام مهمة مستحيلة تقريباً لتشكيل حكومة قادرة على نيل أصوات كافية من الاحزاب واللوائح البرلمانية.

أخيرا، سيكون لفشل الجملي مضاعفات على مستقبل النهضة نفسه. فالحزب كان يخسر النفوذ على نحو مستمر (من 98 مقعداً العام 2011 إلى 69 مقعداً العام العام 2014، وإلى 52 مقعداً فقط العام 2019). وعجز الحزب عن تشكيل حكومة الآن، قد يدفع المزيد من الناخبين إلى فقدان الثقة بقدرته على ممارسة السلطة. وإذا ما كلّف سعيّد شخصية من المعسكر المناويء للنهضة بتشكيل الحكومة الجديدة، فهذا سيقذف بالحزب إلى موقع غير مريح، حيث أنه يملك غالبية المقاعد في البرلمان فيما هو في الوقت نفسه يراوح مكانه بلا حول أو قوة نسبياً.