حارث حسن | باحث أول غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تركّز أبحاثه على العراق

قد لايؤدّي مقتل سليماني تلقائياً إلى انحسار كبير في النفوذ الإيراني في العراق، لكنه سيُغيّر حكماً نوعية هذا النفوذ والطرائق التي يُمارَس بها. كان سليماني استثنائياً على مستويَين: أولاً، كان محط ثقة من المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، وكان حائزاً على تفويض واسع للتصرف على نحوٍ مستقل من دون الخضوع لقيود الآلية البيروقراطية. وثانياً، كانت تجمعه روابط شخصية قوية بالقادة العراقيين السياسيين وشبه العسكريين، تمكّن من بنائها من خلال تدخله المباشر على امتداد عقود عدّة في الأزمات السياسية والعمليات الميدانية.

حرص سليماني على أن يصنع لنفسه بعناية صورةً مبالغاً فيها أظهرته بأنه رجلٌ لاغنى عنه، وساهمت هذه الصورة في تحديد مدركات الأفرقاء المحليين وتوقعاتهم. إنه لم يكن مجرد موظّف في آلة النفوذ الإيراني، بل كان جزءاً تأسيسياً في هذه الآلة. وسيكون من الصعب ملء الفراغ الذي تركه، ولاسيما أن الرجل الأقرب إليه والأكثر شبهاً به، أبو مهدي المهندس، لقي مصرعه هو أيضاً في الهجوم نفسه. ويمكن أن يُفضي هذا الوضع إلى مزيد من التنافس بين المؤسسات الإيرانية في العراق، خصوصاً بين فيلق القدس ووزارة الاستخبارات (التي كانت توجّه انتقادات إلى النهج الذي يعتمده سليماني)، وإلى احتدام الخصومة بين مختلف الميليشيات المتحالفة مع الحرس الثوري الإسلامي الإيراني والتي تسعى إلى الإفادة من أي عملية محتملة قد تجري لإعادة ضبط آلة النفوذ الإيرانية في العراق.


 

زها حسن | باحثة زائرة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

ماكُشِف مؤخراً عن أن إسرائيل قدّمت المعلومات الاستخبارية التي ساعدت الولايات المتحدة على استهداف الشخصية السياسية الثانية الأكثر نفوذاً في إيران، قائد فيلق القدس قاسم سليماني، يزيد من منسوب الضغوط على حركتَي حماس والجهاد الإسلامي، وكلتاهما تدوران في فلك إيران، من أجل الثأر من خلال شن هجمات على أهداف إسرائيلية. وبالتالي، لن تكون اتصالات التعزية وخيَم العزاء على غرار تلك التي أقيمت في غزة بعد مقتل سليماني،كافية.

وهذا يطرح مشكلة لحركة حماس. فالحركة تتطلّع قدماً إلى إبرام هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل بوساطة مصرية، بما يتيح توسيع منطقة صيد الأسماك التابعة لها، ومزاولة التجارة كما كانت تفعل في السابق، والشروع في بناء خط أنابيب الغاز وغير ذلك من مشاريع البنى التحتية الضرورية. أما إذا لبّت حماس الدعوة الإيرانية للانتقام، فستقع مواجهة عسكرية جديدة غير متكافئة مع إسرائيل، وتصبح الحياة في غزة أشد استعصاء مما هي عليه الآن.

تجد حماس صعوبة في عدم الرد، وليس السبب فقط أن القتيل هو سليماني. بل السبب أيضاً هو الطريقة التي قُتِل بها. فـصاروخ هيلفاير الأميركي الصنع الذي قُتِل به سليماني تستخدمه إسرائيل في الأراضي المحتلة منذ سنوات. وفي العام 2014، خلال القصف الإسرائيلي لغزة في إطار ماسُمّي بعملية "الجرف الصامد"، أطلقت القوات الإسرائيلية صواريخ هيلفاير على مدرسة تابعة للأمم المتحدة تؤمّن ملاذاً لنحو 3000 فلسطيني، ماأسفر عن مقتل 20 مدنياً ودفعَ بإدارة أوباما، في خطوة نادرة، إلى إدانة الهجوم، وعمدت مؤقتاً إلى تعليق تسليم صواريخ هيلفاير جديدة إلى إسرائيل. هذا الهجوم هو الآن موضوع قضية مرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

لقد سبق لحركة حماس أن انتقدت السلطة الفلسطينية لالتزامها التعاون الأمني مع إسرائيل، كما عابت على حركة الفتح التي تتولى الحكم تخلّيها عن سلاحها، ولذلك لايمكنها أن تبدو في صورة مَن يهادن في ردّه على مقتل سليماني بهدف الحفاظ على إمكانية التوصل إلى هدنة مع إسرائيل.

قبل عامٍ، وعلى إثر قيام إسرائيل بشن قصف مكثّف على أهداف إيرانية في سورية، تعهّد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بأن الجمهورية الإسلامية سوف تستخدم وكلاءها كي تفتح "نار جهنم" على إسرائيل. شئنا أم أبينا، ربما حان الوقت كي تفي حماس بذلك الوعد.


 

أحمد ناجي | باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على اليمن

على الرغم من أن مقتل قاسم سليماني سدّد ضربة قوية لإيران وتدخّلها في الشرق الأوسط، إلا أنه أتاح لطهران وحلفائها أن يهمّشوا إلى حد ما مطالب التيارات الشعبية التي تريد التغيير في إيران والعراق ولبنان واليمن. فقد استخدموا مقتله لتأليب المزاج العام على "العدو الخارجي"، مايؤدّي إلى إضعاف الدعوات للإصلاح في الداخل.

كجزء من المحور الإيراني، دعت حركة الحوثيين في اليمن إلى الثأر لمقتل سليماني، وفقاً للقيادي في الحركة محمد الحوثي الذي صرّح قائلا: "الرد المباشر والسريع ضد المواقع العسكرية [للولايات المتحدة] في المنطقة هو الحل المناسب"، ثم نُظِّمت تظاهرة كبرى في صنعاء لإدانة الحادثة. علاوةً على ذلك، سلّط مقتل سليماني الضوء على مدى عمق العلاقات بين الحوثيين وإيران.

قد يمارس ذلك تأثيراً على المفاوضات الجارية بين السعودية والحوثيين، إذ إن إيران قد تطلب من الحوثيين مواصلة نزاعهم مع المملكة بغية ممارسة ضغوط عسكرية عليها – علماً بأن تحقيقاً أجرته الأمم المتحدة مؤخراً كشف أن الهجوم على منشأة أرامكو النفطية في أيلول/سبتمبر الماضي لم يُشَن من اليمن، على الرغم من تبنّي الحوثيين المسؤولية عنه. لكن، إذا استمرت المحادثات مع السعوديين، فقد يستخدم الحوثيون حادثة سليماني لتحسين شروطهم والسعي إلى التوصل إلى اتفاق أفضل.


 

خضر خضور | باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على سورية

اعتباراً من العام 2012، ومع تحوّل سورية خطاً أمامياً في النزاع الإقليمي والصراعات على النفوذ، عمل قاسم سليماني وزملاؤه مع الحرس الجمهوري في سورية لبناء القوات شبه العسكرية في البلاد. وقد تمكّن نظام الأسد، من خلال هذه المجموعات، من استنباط صيغة ناجحة لمواجهة قوى المعارضة، فاستعادت القوات شبه العسكرية السيطرة على مناطق أساسية من أيدي المقاتلين الثوّار، ومنها شرق حلب في العام 2016، وجنوب سورية في العام 2018، وأجزاء عدة من شرق سورية. إذن، كان سليماني شخصية محورية في أوج النزاع من 2012 إلى 2018. ومع أنه لم يتولَّ مباشرةً قيادة الميليشيات، إلا أنه كان مهندساً أساسياً لصعودها. فقد كان بمثابة المبعوث المباشر للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وكان له مدخل مباشر أيضاً إلى الرئيس السوري بشار الأسد.

على الرغم من الدور المحوري الذي أدّاه سليماني في هندسة استراتيجية النظام، إلا أنه من غير المرجّح أن تكون لوفاته تداعيات كبيرة على الحسابات الاستراتيجية الفورية. فالميليشيات التي ساهم في بنائها فقدت دورها في المناطق حيث رسّخ النظام سلطته، علماً بأنها لاتزال ناشطة إلى حد كبير في شرق سورية. فضلاً عن ذلك، قلةٌ من هذه الميليشيات كانت موالية مباشرةً لسليماني، أو ربما لم يكنّ أيٌّ منها ولاءً مباشراً له. بل كانت موالية للأسد، والمشروع الإيراني في المنطقة عموماً، ولمختلف القادة المحليين. كان لسليماني دورٌ قوي في مساعدة نظام الأسد على الصمود في مواجهة الحرب الأهلية. لكن في حين أن مسار الأحداث في المستقبل قد يتأثر بشخصية خلفه ومؤهلاته ورؤيته الاستراتيجية، يبدو الآن أن المنظومة التي ساهم القيادي الراحل في إرسائها سوف تصمد لفترة طويلة بعد وفاته.


 

مهند الحاج علي | مدير الإعلام والاتصالات وباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، مؤلف "القومية والرابطة العابرة للقومية والإسلام السياسي: هوية حزب الله المؤسسية" (Nationalism, Transnationalism, and Political Islam: Hizbullah’s Institutional Identity) (بالغريف مكميلان، 2018)

سيكون لمقتل قاسم سليماني تأثير على مكانة إيران وحزب الله ودورهما الإقليميين، وكذلك على النفوذ الروسي والتركي المتنامي في المنطقة. لقد كانت خبرة سليماني وشبكته وصورته بمثابة رافعة للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وحتى لو افترضنا أن سليماني عمد إلى مأسسة العلاقة مع جزء كبير من الشبكة الإقليمية الإيرانية، سوف يكون لمقتله تأثير بسيكولوجي عميق على البنية بأكملها. وقد قال نعيم قاسم، نائب أمين عام حزب الله، في تصريح له من طهران إثر مصرع سليماني، إن مقتله يُرتِّب مزيداً من المسؤوليات على عاتق حزب الله. وعلى الأرجح أن ذلك سيُترجَم باضطلاع الحزب بدور إقليمي أوسع نطاقاً في المرحلة المقبلة. هذا فضلاً عن أن مقتل سليماني يمنح موسكو هامش تحرك أكبر في المنافسة الروسية-الإيرانية في الملف السوري. وغالب الظن أن روسيا سوف تسعى إلى مزيد من التحجيم لما تبقّى من الميليشيات الإيرانية والنفوذ الإيراني في سورية.