بالرغم من المأساة الإنسانية الخانقة التي يعاني منها اليمنيون منذ خمس سنوات، يبدو اليمن كجغرافية معزولة محكمة الإغلاق. أولاً، عزل التحالف العربي بقيادة السعودية، اليمن عن محيطها بعد اغلاق معظم المطارات والمنافذ اليمنية. ثانياً، خلقت الحروب الداخلية مستوىً آخر من العزلة. ذاك أن اتساع رقعة الصراع، وسيطرة أطراف محليّة متناحرة على مناطق عدة، ساهما في ظهور حدود داخليّة، أسست لسياسة فصل منظمة، تجاه سكان مناطق سيطرة هذه الأطراف.

فعلى سبيل المثال، لم يعد سهلاً الانتقال من منطقة سيطرة أنصار الله (الحوثيون) في الجزء الشمالي لمدينة تعز، إلى وسطها حيث تتمركز أطراف محسوبة على الحكومة المعترف بها دوليًا. بالرغم من أن المسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات، إلا أنها تشبه الانتقال من حدود دولة إلى أخرى. إذ أجبرت الطرق البديلة المسافرين على سلوك مسارات وعرة تتطلب ساعات طويلة. وفي الكثير من الطرق الواصلة بين المدن الشمالية نُصبت عشرات النقاط الأمنيّة والعسكريّة، تتمحور مهمتها بتفتيش مقتنيات المسافرين، وفرز هوياتهم. تبعًا لذلك، يتم السماح للأفراد بالعبور أو رفضهم. غالباً، يطلب القائمون على هذه الحواجز من المسافرين توفير مُعرّف من القيادات الميدانية المحسوبة على الجهة التي يتبعها مسلحو الحاجز الأمني، بهدف التأكد من أن المسافر ليس من الفئة المعارضة. ومن يفشل في تحقيق هذا الطلب، يُساق إلى الاعتقال.

الأمر ذاته ينطبق على مناطق أخرى، فالدخول إلى عدن لساكني المناطق الغربيّة والشماليّة صار مهمة شاقة، إذ تفرض قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المتحكمة بعدن وما حولها من المدن، مجموعة من القيود على حركة القادمين لهذه المناطق. وهذه القيود تزيد تعقيد حركة قاطني تلك المناطق، ويُستثنى منها العابرون لمطار عدن، شريطة حيازة تذكرة طيران مع التعهد بعدم البقاء في المدينة.

في الجهة الأخرى من مناطق الشمال والوسط، ينصب كل من الحوثيين والجيش التابع للحكومة الشرعية سلسلة من الحواجز العسكرية على تخوم المناطق الواقعة تحت سيطرتهم. ولعل أشهر نقاط الحدود الفاصلة هي حاجز منطقة رداع في البيضاء الذي أنشأه الحوثيين، وحاجز الفلج في منطقة مأرب التابع للحكومة الشرعية. وكلا الحاجزين، يشكلان تحديًا لحركة الناس والبضائع.

في السياق ذاته، تساهم الأطراف الإقليمية في تعميق هذا الفصل الجغرافي. ففي مطلع العام 2018، ضغطت الإمارات على محافظ أرخبيل سقطرى لتبني قرار يمنع دخول اليمنيين إلى جزيرة سقطرى اليمنية، وحصر حركة التنقل من وإلى سقطرى على السكان المحليين فقط. دفع هذا الأمر السلطات المحلية آنذاك إلى تبني مجموعة من الإجراءات، فارضة قيودًا على القادمين للجزيرة من غير سكانها الأصليين، مثل شرط توفير ضامن من سكان الجزيرة، واستخدام الطيران كوسيلة رئيسية في التنقل. والشرط الأخير وُضع كي لا تصل أعداد كبيرة من النازحين إلى لجزيرة عبر السفن التي حُصر استخدامها على السقطريين فقط. ما زالت تطبق حتى اليوم رغم الخلاف الواضح بين الإمارات والسلطات المحلية في سقطرى.

هذه الحدود التي ظهرت بداية كإجراءات لحظية من أطراف الصراع لضبط مناطق نفوذها –تطورت لتصبح أدوات عزل للمجتمعات اليمنية، تحد من حركة التنقل والحركة، وتخلق ديناميكيات جديدة في أوساط المجتمع جعلته يعيش في جزر عزل جغرافي مشتتة. ومع طول أمد المواجهات العسكرية وبروز اقتصاد الحرب كإحدى السمات الرئيسية للصراع في اليمن. أصبحت لهذه المنافذ أدوار أخرى. ففي مدينة ذمار، القريبة من العاصمة صنعاء، استحدث الحوثيون قبل عامين مركزًا جمركيًا، يفرض مبالغ كبيرة على البضائع القادمة من المناطق غير الخاضعة لسيطرتهم.

وكديناميكية شائعة في الحدود، ظهرت شبكات التهريب في المناطق القريبة من بعض الحدود الداخلية الناشئة. ويحظى نشاطها بالرواج كلما زادت القيود المفروضة على حركة البضائع من أطراف الصراع. ولتسهيل حركتها، تمارس بعض الشبكات نشاطها بالتنسيق مع القائمين على هذه الحواجز الأمنية، إذ يحصلون على جزء من العوائد التي يجنيها المهربون. ومع انتشار حركة التهريب على الحدود اليمنية، البرية والبحرية، ذات المساحات الشاسعة، نشطت هذه الشبكات الناشئة في تسهيل عبور البضائع غير القانونية، بما في ذلك شحنات السلاح والحشيش، إلى مختلف المناطق كشبكات تهريب عابرة للحدود والحواجز.

تبدو مفاعيل الحدود الداخلية التي أفرزتها الحرب عميقة التأثير على المدنييّن، فبالإضافة إلى كونها خطوط تعيق وتقيّد حركة التنقل، تساهم هذه الحدود في تغذية الهويّات المناطقيّة، وتجيّش المجتمعات المحليّة خلف هذه الهويّات على المدى القريب والبعيد معًا. أما من الناحية الاقتصاديّة، فقد أدت الحدود إلى تقلص فرص العمل، وارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية. ومع فرض سياسات اقتصادية مستندة إلى هذه التقسيمات، تتعمق المعاناة. فقرار الحكومة الشرعية بنقل البنك المركزي إلى عدن في 2016، وقرار الحوثيون قبل أسابيع بوقف التعامل بالعملة اليمنية، المطبوعة حديثًا، خلقا تأثيرات اقتصادية سلبية هائلة على المجتمعات المحلية.

ومع التحديات التي تواجهها اليمن في مناطق حدودها البرية والبحرية، بالإضافة إلى صراع النفوذ بين الدول الإقليمية حول هذه المناطق، لا تبدو تحديات الحدود الداخلية الناشئة أقل شأنًا منها، إذ أن حدود الداخل تفرض عزلة خانقة، وتقوّض الدولة والمجتمع معًا.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.