انتُخب عبد المجيد تبون رئيساً للجزائر في 12 كانون الأول/ديسمبر في خضم التظاهرات الضخمة التي تشهدها البلاد على نحو متواصل منذ عامٍ تقريباً. لكن، بعد مرور أكثر من شهر على تسلّمه سُدة الرئاسة، يبدو واضحاً أن الرئيس الجديد وحكومته يفتقران بشدّة إلى الشرعية، ولاسيما أن معدل الامتناع عن التصويت في الانتخابات ناهز 60 في المئة.

حاول كلٌّ من الجيش وتبون، اللذين هما موضع تنازع، إضفاء الشرعية على العهد الرئاسي الجديد من خلال طرق عدة. فالتظاهرات السلمية الحاشدة لم تتوقّف بعد الانتخابات، بل لايزال الطلاب ينزلون إلى الشارع أيام الثلاثاء، وعامة العشب أيام الجمعة. يتهم هؤلاء المتظاهرون تبون بأنه أحد أزلام المنظومة السياسية القائمة، وجزء من "العصابة"، أي الحلقة الضيقة من السياسيين والأوليغارشيين المرتبطين بالأنظمة السابقة، كما أن نجله يقبع في السجن على خلفية تورّطه في فضيحة تهريب الكوكايين.

ردّاً على هذه الاتهامات، وضع تبون في صُلب أولويات حكومته "أخلقة الحياة السياسية" وتكريس مبدأ "الفصل بين المال والسياسة". كما تعهّد بالاستمرار في مكافحة الفساد كما فعل حين تبوأ منصب رئيس الوزراء لفترة وجيزة في العام 2017، ووضع آليات من شأنها تفادي حصول أي تضارب للمصالح في القطاع العام. يُشار إلى أن هذا البند يُعتبر سمة أساسية من "الجمهورية الجديدة" التي تعهّد تبون ببنائها.

فيما تواجه الجزائر شللاً اقتصادياً طويل المدى، يسعى تبون إلى تنويع هذا الاقتصاد غير المنتج وشديد الاعتماد على المواد الهيدروكربونية والواردات. وهو تعهّد ببناء نموذج اقتصادي متحرّر من العوائق البيروقراطية، وقادر على الحدّ من البطالة وتوفير الأمن الغذائي. وأكّد أيضاً على ضرورة تحسين الخدمات الاجتماعية لمساعدة الشريحة الأفقر من السكان، الذين يشكّلون نسبة 30 في المئة من الجزائريين وفقاً لتبون. ووعد كذلك بإلغاء الضريبة على أجور الفئات الأكثر حرماناً في المجتمع.

أعلن تبون أنه سيلبّي أحد أبرز مطالب الحراك الشعبي عبر تعديل الدستور، متعهّداً بصياغة دستور يرمي إلى تعزيز حقوق المواطنين وحرياتهم، ومكافحة الفساد، وتوطيد الفصل بين السلطات، ومنح صلاحيات أوسع للبرلمان، وضمان المساواة بين جميع المواطنين (بما في ذلك احتمال تعديل المادة 51 التي تحرم حملة الجنسيتين من حق المشاركة في الحياة السياسية).

في 8 كانون الثاني/يناير، أنشأ الرئيس لجنة خبراء مؤلّفة بشكل أساسي من أساتذة قانون، كُلِّفت بصياغة اقتراحات في غضون شهرين. وستجري اللجنة مشاورات واسعة مع الفاعلين في الحياة السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ثم تُحال التعديلات المقترحة إلى البرلمان للمصادقة عليها. وبعد الموافقة عليها، ستُطرح هذه التعديلات إلى استفتاء شعبي. لكن المتظاهرين يعتبرون أن التعديلات لاينبغي أن تعدّها لجنة خبراء، بل يعتبرون هذا الأمر من بين حقوق الشعب السيادية.

ظهرت جهود تبون الرامية إلى إضفاء الشرعية على نفسه من خلال التعيينات الوزارية. فهو اختار شخصية من الوسط الأكاديمي لتتبوأ منصب رئيس الوزراء، وعيّن على رأس العديد من الوزارات أساتذة جامعيين سابقين وشخصيات من المجتمع المدني. كذلك، يريد تبون بلورة شكل جديد من الحوكمة، أو إعطاء الانطباع بأنه يريد ذلك. فقد طلب الرئيس الجزائري الجديد نزع لقب "الفخامة" عنه، كما كان يُكنّى أسلافه، ووعد بعقد مؤتمرات صحافية بشكل منتظم كي يتّسم حكمه بالشفافية.

كانت للرئيس الجديد أيضاً تصريحات متعلّقة بالهوية الوطنية والنظام والأمن في محاولة لترسيخ مصداقيته، حتى أنه لجأ إلى الاستشهاد بحرب الاستقلال الجزائرية لتعزيز الحسّ القوي بالهوية الوطنية. وخلال تنصيبه، ربط تبون بين جيل تشرين الثاني/نوفمبر 1954، وهي فترة اندلاع حرب التحرير، وجيل 22 شباط/فبراير 2019 حين اجتاحت احتجاجات شعبية جميع أنحاء الجزائر اعتراضاً على ترشُّح الرئيس آنذاك عبد العزيز بوتفليقة لولاية جديدة. ويرى أن المتظاهرين اليوم يشكّلون استمرارية للجيل الأول من الجزائريين الذين ناضلوا في سبيل الاستقلال.

أثنى الرئيس أيضاً على إنجازات الجيش الوطني الشعبي، واصفاً إياه بـ"العمود الفقري للأمة" الذي "حمى الحراك"، أي الحركة الاحتجاجية. يشار هنا إلى أن سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجديد، لجأ إلى استخدام أسلوب الخطاب نفسه، مديناً "المؤامرات الخطيرة" المُفترضة التي نظّمتها "القوى المظلمة" و"الأيادي الأجنبية". وألمح بقوله هذا إلى دول، على غرار الولايات المتحدة وفرنسا والمغرب، تساعد قوى داخلية كالإسلاميين والانفصاليين البربر بهدف زعزعة استقرار الجزائر.

وصل المطاف بالسلطات إلى حدّ ادّعاء أنها قامت بإحباط "مخطط تخريبي" تقف خلفه "الحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل"، المعروفة اختصاراً باسم "الماك" (MAK)، قبل الانتخابات الرئاسية. وكان الهدف نشر سردية مفادها أن حركة "الماك" هي جماعة منظّمة تنظيماّ جيداّ وعنيفة ومستعدّة لاستغلال الحركة الاحتجاجية لإشاعة الفوضى. ومنعت السلطات هذه الحركة من تنظيم مسيرة سنوية بمناسبة رأس السنة في 12 كانون الثاني/يناير، كما أمرت الحكومة في اليوم التالي بإعداد مشروع قانون يمنع نشر عبارات الكراهية والإقليمية عبر الإنترنت. سعت السلطات، من خلال هذه الأساليب، إلى تبرير القمع وإعادة إحياء الوحدة الوطنية بشكل مصطنع من خلال تحديد هوية الأعداء المزعومين داخل الجزائر وخارجها.

على ضوء التطورات الأخيرة في ليبيا المجاورة، سعى الجيش أيضاً إلى إبراز دوره كـ"حامي سلامة الحدود". في هذا الإطار، تعزّز الدور الذي يلعبه تبون في المساعدة على إيجاد حلّ للنزاع الليبي الأسبوع الفائت حين استقبل رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو. كما شارك في مؤتمر برلين حول ليبيا في 17 كانون الثاني/يناير، بعد تلقيه دعوة رسمية من المستشارة الألمانية أنيجلا ميركل. وخلال المؤتمر، صرّح تبون أن الجزائر على استعداد لاستضافة محادثات بين "الإخوة الليبيين".

تعكس هذه الزيارات وانخراط الجزائر في تسوية ليبية محتملة رغبة السلطات الجزائرية في تعويض الوقت الضائع بعد سنوات من الركود الدبلوماسي. وتُعتبر مثل هذه الأنشطة أداة لصنع الشرعية المحلية للنظام فضلاً عن المصداقية الدولية.

مع ذلك، لاتُعتبر الجهود التي يبذلها الرئيس تبون مختلفةً كثيراً عن جهود سلفه. فعندما وصل بوتفليقة إلى السلطة في العام 1999، أدّى ارتفاع إيرادات النفط إلى تحسُّن مستويات المعيشة وخضوع فئة رجال الأعمال إلى الرئيس ومحيطه. أما اليوم، فيصعب إعادة إنتاج هذا السيناريو ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية المعاكسة، بل أيضاً لأن الجزائريين ماعادوا مستعدّين لقبول نموذج قيادة لم يُنتج شرعية بل حصد دعماً من خلال التبعية.

علاوةً على ذلك، سيؤدي عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية والاقتصادية تجاه السكان وتنفيذ التغييرات السياسية النظامية التي يدعو إليها الجزائريون إلى تفاقم أزمة الشرعية. فقد ولّى الزمن الذي سمحت فيه الانتخابات والاستفتاءات الدورية للأنظمة بالحفاظ على واجهة ديمقراطية وتوليد شرعية. في النهاية، لن يكون قيام القيادة بإضفاء المثالية على الشعب في تصريحاتها، وفي الوقت نفسه إظهار الازدراء للمطالب الشعبية في الممارسة العملية بالأمر الذي سيقبله الجزائريون ببساطة بعد الآن.

* رياض بنيدجي صحافي في مجموعة الصحافة "إبرا" (EBRA) في باريس