ناصر السعيدي | رئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه، ووزير اقتصاد لبناني سابق

يتعيّن على الحكومة اللبنانية أولاً التركيز على برنامج اقتصادي كلي وضريبي ومالي ومصرفي. فمؤشرات الاقتصاد الكلي الأساسية في لبنان تشير إلى وجود أزمة اقتصادية ومالية ومصرفية حادة، فضلاً عن تلك المتعلّقة بالعملة والحساب الجاري، وتتمثّل في: عجز مالي متصاعد يصل إلى 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي؛ ودين سيادي يوازي 160 في المئة أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي؛ وتضخّم يناهز 30 في المئة؛ وتراجع قيمة الليرة اللبنانية في السوق الموازي بنحو 40 في المئة؛ فضلاً عن وجود احتياطيات عالمية مصرّح عنها رسمياً بقيمة 31.5 مليار دولار، في حين قدّر مورغان ستانلي الاحتياطيات الصافية بـ11.5 مليار دولار أواخر العام 2019.

تتمثّل الخطوة الفورية الأولى المطلوبة في تشكيل خلية أزمة وزارية (وليس تأسيس "لجنة" أخرى)، تُكلَّف بوضع خطة إصلاح اقتصادي كلي وضريبي ومالي ومصرفي، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليشمل عملها إعادة هيكلة الديون السيادية وديون المصرف المركزي. هذه الخلية يجب أن تعمل بشكل سريع، في غضون الأسابيع الأربعة المقبلة، على تأسيس صندوق سيولة واستقرار اقتصادي يحظى بتمويل متعدد الأطراف، من صندوق النقد والبنك الدولي إلى جانب المشاركين في "مؤتمر باريس 4"، يصل إلى نحو 25 مليار دولار، من أجل إرساء استقرار الاقتصاد ودعم النمو الذي يعزّز الاستثمار في البنية التحتية (بالشراكة مع القطاع الخاص)، والإصلاح المالي، ودعم ميزان المدفوعات، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي (بما في ذلك المصرف المركزي) وإعادة هيكلة الديون، من خلال توفير ضمانات على رأس المال الأساسي لديون مُعادة هيكلتها وذات استحقاقات أطول أجلاً.

ثانياً، يجب أن تومّن الحكومة شبكة أمان اجتماعي. فقد أدّى الانحدار الحاد في النشاط الاقتصادي (بفعل غياب الحكومة والنشاط الاقتصادي وثقة المستهلك والتظاهرات المتزايدة) إلى ارتفاع عمليات التسريح ومعدل البطالة، وإقفال شركات وإفلاس أخرى، وتراجع المداخيل، وهبوط حاد في استهلاك الأُسر، الأمر الذي دفع بالعديد من الناس إلى أشداق الفقر. وقدّر البنك الدولي وصول معدل الفقر المدقع، أي الأشخاص الذي يعيشون تحت خط فقر الغذاء، عند نسبة 20 في المئة من السكان (760 ألف نسمة)، في حين يعيش 41 في المئة من السكان (1.500.000) ما دون خط الفقر. ولذا، على الحكومة إنشاء شبكة أمان اجتماعي هادفة (عبر التحويلات النقدية بشكل أساسي) لدعم كبار السن وفئات المجتمع الأضعف خلال مسار الإصلاح الموجع، بهدف الحدّ من انعدام المساواة والفقر على المدى المتوسط.

ثالثاً، يجب أن تعمل الحكومة على تأسيس برنامج لمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة. فالفساد المستشري والرشوة والمحسوبية، جميعها خلايا سرطانية تنهش وتدمّر الاقتصاد اللبناني والنسيج الاجتماعي والسياسي. يشار هنا إلى أن لبنان يحتّل المرتبة السابعة والثلاثين من أصل 180 على لائحة الدول الأكثر فساداً. وقد تركّزت مطالب المتظاهرين، بصورة مبررة، على قضايا الفساد لدى كبار المسؤولين. يتعيّن على الحكومة الجديدة إعطاء الأولوية لمحاربة الفساد على المستويات كافة، من خلال تعيين وتمكين مدعٍ عام ووحدة خاصة لمكافحة الفساد، وتطبيق برنامج مكافحة الفساد يُعنى بالضرائب وتحصيل الإيرادات، وكذلك إصلاح قانون وإجراءات المشتريات الحكومية. علاوةً على ذلك، يجب على الدولة استرداد الأصول التي استولى عليها سياسيون وشركاؤهم بشكل غير قانوني وجنائي.

يمكن لاسترداد الأموال المنهوبة أن تشكّل استراتيجية مُنتجة للثروة، في حال تمّ تنفيذها بصورة صحيحة وبشفافية تامة. لكن، سيحتاج لبنان أيضاً إلى تعاون دولي وبناء القدرات المناسبة لدعم استرداد الأموال. كما لابدّ من إلغاء قانون السرية المصرفية للعام 1956، والكشف عن الأموال والأصول التي اختلسها السياسيون والمقربون منهم والموظفون الحكوميون.


 

منى علمي | زميلة أولى غير مقيمة في المجلس الأطلسي ومركز تريندز للبحوث والاستشارات، حيث تغطي سياسات الشرق الأوسط والقضايا الاقتصادية

تلوح في الأفق خلال الأشهر المقبلة تحديات كبيرة أمام الحكومة اللبنانية الجديدة. ولا شكّ في أن أولوياتها الرئيسة الثلاث تتمثّل في معالجة الأزمة الاقتصادية، وتبنّي سياسة خارجية تكون مطمئنة أكثر للمجتمع الدولي والدول الخليجية العربية، إضافةً إلى التوفيق بين الأجندات السياسية المتنافسة داخل مجلس الوزراء لتفادي إصابة الدولة بالشلل.

في بادئ الأمر، تتطلّب معالجة الانهيار الاقتصادي أن تؤمّن الحكومة الجديدة السيولة التي هي بأمس الحاجة إليها لتمويل الاحتياجات الأساسية للدولة، خلال العام المقبل، والتي يقدّرها خبراء الاقتصاد بنحو 5 مليارات دولار كحدّ أدنى. وسيتعيّن على مجلس الوزراء أيضاً اتخاذ تدابير للحدّ من تراجع قيمة الليرة اللبنانية، وتخفيض التزامات الديون على الدولة فضلاً عن إعادة هيكلة مُحتملة لها، ورسم إطار قانوني واضح للقيود على حركة الرساميل، علماً بأن القطاع المصرفي فرضها حتى الآن بطريقة اعتباطية وغير قانونية. كما لابدّ من تنفيذ الإصلاحات المُحددة في مؤتمر سيدر الذي عُقد في باريس في نيسان/أبريل 2018 لمساعدة لبنان، بما فيها تلك المتعلّقة بمكافحة الفساد، من أجل تقديم الأموال التي وعدت بها الجهات المانحة الدولية.

وبالتالي، يُعتبر تبنّي سياسة خارجية أكثر إرضاءً غاية في الأهمية خلال المرحلة المقبلة، إذ تحتاج الحكومة الجديدة إلى كل المساعدات التي يمكنها الحصول عليها، من الدول العربية بشكل خاص. أخيراً، سيتعيّن على الحكومة التنسيق بين الأصوات المتنافرة داخلها لتجنّب إغراق البلاد في حالة شلل. فوصول الحكومة إلى طريق مسدود لن يؤدّي سوى إلى تسريع انهيار الاقتصاد وزيادة اللااستقرار السياسي.


 

دانيال قزّي | مدير ورئيس سابق لمجلس إدارة أحد المصارف اللبنانية

ينبغي على الحكومة أن تسنّ قانوناً واضحاً وشفافاً يقضي بفرض قيود على عمليات السحب والتحويل، ليحل محل الإجراءات التعسّفية التي تطبّقها المصارف راهناً، والتي تُعتبر لامركزية للغاية إذ تختلف بين فرع وآخر، وتشوبها المحسوبيات. والأسوأ أن يتم تطبيق هذه القيود بمفعول رجعي على الأشخاص المكشوفين سياسياً، أو المرتبطين معهم، اعتباراً من 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، أي من تاريخ اندلاع الثورة.

ينبغي كذلك عدم التخلّف عن سداد سندات الخزينة بالعملة الصعبة (اليوروبوندز). ففي المستقبل، حين نبدأ النهوض من تحت أنقاض هذه المرحلة، سنكون في حاجة إلى الجهات الخارجية التي أقرضتنا المال في الماضي. يتعيّن على الحكومة أيضاً إطلاع الشعب اللبناني على الحقيقة حول ودائعهم، من بين جملة أمور أخرى، والإعلان عن خطة واضحة لتبرير الغموض السائد الذي يفاقم اللااستقرار في الأسواق والشارع. وعندما تتّضح صورة الأنباء السيئة للمواطنين، سيصبح بإمكانهم التعامل معها بسهولة أكبر، ولاسيما أن الشائعات والتخمينات هي التي تحرّك ردود الفعل الراهنة.

كما يتعيّن إصدار قانون "قصّ الشعر" بشكلٍ يقتصر فيه الضرر على نسبة 0.3 في المئة من المودعين – أي حوالى 6000 شخص يتخطّى مجموع ثرواتهم 10 ملايين دولار. وهذه القيمة تعادل الفوائد المفرطة التي حصلوا عليها والتي تتجاوز النسبة المنطقية (لنقل 7 في المئة). فهذه الفوائد لم تنتج من مؤسسة شرعية مدرّة للربح، بل من رأس المال الأساسي للمستثمرين الجدد، تماماً مثل مخطّط بونزي.


 

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

ثمة ثلاث خطوات لابدّ من اتّخاذها بشكل متوازٍ. أولاً، يتعيّن على الحكومة تأليف لجنة طوارئ اقتصادية تتمتّع بصلاحيات واسعة، وتضمّ وزارات رئيسة، وخبراء لبنانيين بارزين مستعدّين للعمل الجديّ لصياغة خطة إنقاذ. مثل هذه الخطة يجب أن تركّز على مزيج من السياسات التي تلائم الحالة اللبنانية، وتستند إلى تقاسم عادل للأعباء والمحافظة على الثروات، وبخاصةٍ ثروة الطبقتين المتوسطة ودون المتوسطة. الهدف من ذلك كبح جماح ركود متنامٍ قد تبلغ نسبته رقماً مزدوجاً، في حال لم يتمّ اتّخاذ أي تدابير لإبطاء وتيرة التداعيات المدمّرة على اللبنانيين، ولاسيما ارتفاع معدلات الفقر. لابدّ أن تشمل الخطة أيضاً ضبط تراجع قيمة الليرة، ومعالجة القيود المفروضة على حركة الرساميل، والدعوة إلى التوقف مؤقتاً عن سداد الديون. كما يجب أن تتضمّن الحفاظ على الاحتياطيات المالية المتبقية لدعم شراء السلع الأساسية والنفقات الرئيسة الأخرى، ووضع برنامج حماية اجتماعية وخطة فعّالة وسليمة بيئياً لمعالجة قطاع الكهرباء.

ثانياً، يتعيّن على لبنان السعي إلى الحصول على دعم خارجي، استناداً إلى خطة إصلاح وإنقاذ اقتصادية. فهو بحاجة إلى تمويل فوري، ربما من صندوق النقد الدولي والجهات المانحة الغربية، كي لا تخرج دوامة الانهيار الاقتصادي عن السيطرة تماماً.

ثالثاً، على الحكومة معالجة حالة فقدان الثقة بينها وبين المواطنين، وذلك من خلال دعم استقلالية النظام القضائي، والشروع في العمل على صياغة قانون انتخابي جديد. فألم اللبنانيين الناجم عن عقود من سوء إدارة موارد البلاد لا يمكن تخفيفه إلا من خلال عملية سياسية موثوقة تقنعهم بأن ما ارتُكب في الماضي لن يتكرّر أبداً.