في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقرير مؤشر النزاهة في حوكمة قطاع الدفاع للشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذا المؤشر، كما هو معروف، يقيس مخاطر الفساد في قطاع الدفاع على بلدان هذه المنطقة. وعلى الرغم من أن قطاع الدفاع في لبنان حلّ ثانياً في لائحة الدول الأكثر شفافية بعد تونس، إلا أنه لايزال يتبدى فيه قدر كبير من أخطار الفساد.

استندت نتائج منظمة الشفافية الدولية إلى خمسة مصادر للمخاطر في قطاع الدفاع: السياسة، والمال، والعمليات، والمشتريات، وإدارة العناصر العسكرية. وأظهرت هذه النتائج أن التصدّي للفساد في لبنان ليس محدوداً بالمؤسسة العسكرية، بل هو يرتبط أولاً بمناحي الفشل الأوسع في الحوكمة الوطنية. وينجم عن ذلك أن النقص العام للشفافية في البلاد، يفرض تجاذباً على قطاع الدفاع، ويؤدّي إلى مركّب فساد خطر على المستويات السياسية والمالية والمؤسسية.

في المجال السياسي، يفتقد لبنان إلى استراتيجية دفاع وطني. وهذا وفقاً لآرام نركيزيان، المستشار البارز في برنامج العلاقات المدنية – العسكرية في الدول العربية في مؤسسة كارنيغي، يقوّض قدرة البلاد على بلورة الرؤية الموحّدة حول الدفاع التي تمليها المصالح والأهداف التي تُحددها البيئة الاستراتيجية للبنان، وتوافر التمويل، والدعم الدولي للجيش اللبناني. لكن، وبدلاً من هذه الاستراتيجية، وضعت المؤسسة العسكرية خطتي تطوير قدرات (إحداهما غطّت السنوات 2013-2017 والأخرى 2018-2022) ركزتا بشكل ضيّق، على حد تعبير مصدر قدّم المشورة حول هاتين الخطتين، على متطلبات تطوير القوة.

يُفترض أن يكون مجلس الوزراء اللبناني هو الطرف الذي يُحدّد السياسة الدفاعية والأمنية والذي يُقر، بموافقة الرئيس، التعيينات والترقيات في المراتب العسكرية العليا. أما مجلس النواب فيكتفي تقريباً بإضفاء دمغة ختمه على قرارات الحكومة في الشؤون الدفاعية، إذ نادراً ما تُناقش لجنة الدفاع البرلمانية المسائل العسكرية الحسّاسة. على سبيل المثال، لم تُستشر هذه اللجنة حول الخطة الأولى لتطوير القدرات التي طرحها الجيش على المانحين الأجانب والخاصة بدعم المؤسسة العسكرية في مؤتمر روما 1 في العام 2005. ونتيجة لذلك، اقتصر دور اللجنة أساساً على مناقشة القرارات حول الأمن الداخلي والقضايا المتعلّقة بالبلديات. وهذا يقوّض نظام الضوابط والموازين بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

علاوة على ذلك، يُواجه لبنان تحديات على المستوى المالي. ففي العام 2017، أقرّت البلاد أول موازنة منذ 2005، شملت الميزانية العسكرية. وخلال السنوات الـ12 الأخيرة، كان تأخير إصدار الموازنات أمراً شائعاً، سواء بسبب الدعوات إلى خفض الإنفاق، أو إلى فقدان النصاب، ما كان يعيق إقرار الموازنة في موعدها السنوي. لكن، وعلى الرغم من أن إقرار موازنة الدولة في العام 2017 كان خطوة إيجابية، إلا أن التدقيق بما أنفقته الدولة في الواقع (بما في ذلك الانفاق العسكري) لم يتم، وبالتالي لايزال لبنان غير متسّق حيال مسألتي ما يُنفق بالفعل حكومياً، وما كان يُتوقع أن يُنفق.

على المستوى المؤسساتي، أمام الجيش مجموعة من المخاطر التي تواجهه عليه تخفيفها أو الحد منها. فمع أن أولئك الذين أجرى معهم مؤشر الشفافية الدولية مقابلات، أكدوا أن القواعد والتنظيمات طُبّقت بحذافيرها، إلا أنه لايزال يتعيّن على الجيش تحسين تواصله مع الرأي العام في مجال توفير المعلومات، أو توضيح التزامه بالقوانين التي تضبط المحاسبة. وتُبرّر مديرية التوجيه في الجيش اللبناني نقص الشفافية هذا بالقول إن القوانين الراهنة تضمن أصلاً المحاسبة وتعزز ممارسات مكافحة الفساد. لكن، لايزال من الصعب التحقق من ذلك.

مثلاً، حالات الإجراءات العقابية ضد عناصر عسكرية لا تذاع علناً على نحو متّسق. وفي حين لاتزال هذه قضية حسّاسة للغاية، إلا أنه في مقدور الجيش تدارس إمكانية إصدار بيانات توثيقية حول الخطوات التأديبية، من دون التشهير بأسماء بالعناصر العسكرية. هذا ما يجري، على سبيل المثال، في التقارير السنوية التي تُصدرها كلٌ من هيئة مكافحة الفساد في تونس، ووزارة الدفاع الأميركية في "موسوعة الفشل الأخلاقي"، أو التقارير السنوية لمكتب خدمة التوريد العسكري في الدنمارك. كل هذه التقارير تتحدث عن خروقات في قطاع الدفاع.

أخيراً، يمكن للقيادة العسكرية أن تفعل أكثر في مجال مأسسة الآليات الخاصة باتقاء الفساد. فبعد سنوات من التدريب على يد طرف ثالث لمواجهة الفساد، يمكن إدماج العناصر الأساسية لأفضل الممارسات الدولية المتعلّقة بمثل هذه التدريبات ببرامج التعليم العسكرية الموجود حالياً. هذه البرامج يمكن أن تركّز على العناصر العسكرية المنوط بها المهام التي تتطلّب تدريباً على مكافحة الفساد، وذلك بهدف تقليص مخاطر الممارسات المحظورة التي قد تتسلّل إلى باقي المؤسسة العسكرية.

لقد شدّد مؤشر النزاهة في حوكمة قطاع الدفاع على بعض أبرز العقبات الجلية التي تعيق الشفافية في نظام لبناني يقوم على شبكات الزبائنية الطائفية. وبالتالي، ولكي تتم استعادة المحاسبة الوطنية، يحتاج لبنان إلى حكومة قادرة على تحقيق ولو قدرٍ من التقدّم المحدود في صياغة سياسة خارجية تنطوي على خطوات أولى نحو استراتيجية دفاعية واضحة. كما سيكون على هذه الحكومة أن تُمأسس إقرار الموازنات الوطنية في موعدها، والتدقّيق في حسابات الدولة، وإعطاء الأولوية للكفاءة والاستحقاق، وليس للانتماءات الطائفية، في التعيينات.

بالطبع، إصلاحات من هذا النوع لن تكون سهلة، ولو كان الأمر كذلك لجرى تبنّيها قبل عقود. مع ذلك، ستكون هذه الإصلاحات حاسمة وضرورية إذا ما أراد لبنان تقليص مخاطر الفساد في قطاع الدفاع، وترقية الشفافية، وتعزيز ثقة الشعب بمؤسسات الدولة والجيش.

وفي هذا الإطار، تأتي نتائج ومحصلات منظمة الشفافية الدولية في مرحلة حاسمة ومفصلية أكثر من كل المراحل السابقة، في مجال العلاقة بين الدولة والمجتمع. ففي حين تُواصل البلاد التخبّط في معمعة أزمة اقتصادية واجتماعية متواصلة، يجد الجيش نفسه يؤدّي دور الحَكَم بين الشعب وبين دولته. لذا، تحسين الشفافية في قطاع الدفاع يرتدي اليوم أهمية أكثر من أي وقت مضى.