ديانا بوتو | محامية فلسطينية كندية ومستشارة قانونية سابقة للفريق الفلسطيني المُفاوض

بالتأكيد، لن تساهم خطة ترامب في إحلال السلام. ففي جوهرها، هذه الخطة من ابتكار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومتشدّدي اليمين المتطرّف، وهي تهدف إلى إخضاع الفلسطينيين، كما أنها لاتستند إلى مبدأ المساواة أو القانون الدولي. والمُقلق أنه في حين لم يتم في السابق التطرّق أبداً إلى مسألة سحب الجنسية من الفلسطينيين في إسرائيل، إلا أن ذلك يشكّل اليوم أحد مكوّنات الخطة، التي ستجرّد حوالى 300 ألف فلسطيني من جنسيتهم الإسرائيلية، تاركةً الفلسطينيين في إسرائيل معلّقين في حبال الهواء.

لهذه الخطة سببان رئيسان: أولاً، مثلها مثل "الهدايا" المختلفة التي قدّمها الرئيس دونالد ترامب إلى إسرائيل - كنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، ووضع حدّ للمساعدات المقدّمة إلى السلطة الفلسطينية، ووقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، وإغلاق المكتب التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن العاصمة، والإعلان أن المستوطنات الإسرائيلية ليست غير قانونية - هدفت هذه الخطة إلى جعل مسألة قيام أي رئيس أميركي مستقبلي بعكس "الحقائق القائمة على الأرض" أمراً مستحيلاً عملياً. فمثلاً، من سيعيد نقل السفارة إلى تل أبيب؟

ثانياً، كان التوقيت ملائماً لمساعدة نتنياهو على تأمين فوزه في الانتخابات من أجل تفادي قضاء عقوبة في السجن. فقد واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي صعوبات خلال الجولتين الانتخابيتين الماضيتين، غير الحاسمتين، ويأمل أن تضمن له هذه الخطة بعض الأصوات أو المقاعد من اليمين المتطرّف في إسرائيل. وسيستخدم نتنياهو الخطة للبدء في ضمّ الضفة الغربية في أقرب وقت ممكن، ما يمنحه الدعم الأميركي الذي يحتاج إليه للمضي قدماً، سواء قبل أو بعد الانتخابات الإسرائيلية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الخطة ليست استعمارية من حيث نهجها وحسب– حيث يقرّر ترامب وصهره جاريد كوشنر، والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، ونتنياهو ما هو الأفضل لنا – لكنهم يقولون لنا أيضاً في الوقت نفسه أنه: من بين 13 مليون فلسطيني في جميع أنحاء العالم، لم يتمكّنوا من العثور على فلسطيني واحد للتوقيع على الخطة، إذ إنه ما من فلسطيني يمكن أن يؤيد إخضاعنا جميعاً.


 

مخيمر أبو سعدة | محلل سياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة

دقّت خطة إدارة ترامب للفلسطينيين والإسرائيليين من جانب واحد المسمار الأخير في نعش المفاوضات، التي كانت تُجرى حول قضايا الوضع النهائي، أي القدس، واللاجئين، والمستوطنات الإسرائيلية، والحدود النهائية. ما فعلته الخطة فعلياً هو أنها خصّت الفلسطينيين بكيان سياسي غير قابل للحياة، من دون أن يتمتّع بالسيادة أو السيطرة على حدوده، وفوق كل شيء ليس له سيطرة على المسجد الأقصى. واقع الحال أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا يمكن أن يتحقّق من خلال خطة أحادية ومتحيّزة كهذه.

أعتقد أن الهدف الأساسي من هذه الخطة يتمثّل في تحويل انتباه الرأي العام الأميركي عن عملية عزل الرئيس دونالد ترامب في مجلس الشيوخ، وحشد المزيد من الدعم من المسيحيين الإنجيليين الأميركيين والناخبين المحافظين للمساعدة على إعادة انتخاب ترامب هذا العام. كما أعتقد أن توقيت إطلاق الخطة، الذي يُصادف قبل خمسة أسابيع من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، يهدف إلى تعزيز فرص فوز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه في الوقت نفسه اتّهامات بالفساد والرشوة، ولايزال غير قادر على تشكيل حكومة ائتلافية.

خطة ترامب لن تُرسي السلام في المنطقة، بل على العكس ستؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط المضطربة والمتصدّعة أساساً، وقد يسفر عن تدهور في العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية والإسرائيلية- الأردنية.


 

آرون ديفيد ميلر | باحث أول في برنامج الشؤون الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

لماذا تمّ الإعلان عن خطة السلام الأميركية الأكثر تفصيلاً في تاريخ دبلوماسية عملية السلام في هذا التوقيت بالذات؟ أي قبل خمسة أسابيع من إجراء الانتخابات الإسرائيلية الثالثة خلال عام، ومن دون خوض أي مناقشات حقيقية والتشاور مع الفلسطينيين؛ فيما تجري في الوقت نفسه محاكمة لعزل الرئيس الأميركي، وتتقدّم الاستعدادات للانتخابات التمهيدية الديمقراطية في الولايات المتحدة؟ ثمّ أن المسؤولين الأميركيين كانوا يدركون تمام الإدراك أن الفجوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين هائلة وانعدام الثقة بين الطرفين واسع كاتّساع الأخدود العظيم.

لابدّ من طرح هذا السؤال فعلاً، لماذا؟ أولاً، ثمة السبب العادي والتافه: إذ من غير الواضح ما إذا كانت خطة السلام الأميركية الموجّهة بشكل خارق للطبيعة لصالح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ستساعده على الفوز في الانتخابات المرتقبة في 2 آذار/مارس. لكن وكما كانت تقول جدتي عن حساء الدجاج خاصتها، إذا لم ينفع فهو لن يضرّ أصلاً، بخاصةٍ في حال أعطت الإدارة الأميركية الضوء الأخضر لعملية الضمّ الإسرائيلية قبل موعد الانتخابات في إسرائيل. في هذا السياق، تعتبر إدارة ترامب أنه سيكون من المفيد، إن أمكن، إبقاء نتنياهو في السلطة خلال فترة الانتخابات الأميركية لمساعدتها على الحصول على دعم قاعدتها المؤيّدة لإسرائيل. ولو أنها انتظرت صدور نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة، لكان ذلك سيعني تأجيل الإعلان عن الخطة إلى ما بعد منتصف العام 2020. وهذا كان سيتداخل مع التوقيت السياسي الأميركي، ولاسيما أن نتائج السباقين الانتخابيين الأخيرين في إسرائيل لايشيان بأن من المرجح التوصّل إلى حل سريع للمأزق السياسي في البلاد.

ثم هناك السبب الأهم. فالإعلان عن الخطة لم يهدف إلى إطلاق مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو حتى التوصل إلى اتفاق. فمنذ انتخاب ترامب، سعى فريق السلام الموالي بقوة لإسرائيل إلى التخلّي عن مقاربة الإدارات الثلاث السابقة وإعادة تأطير سياسة واشنطن تجاه حل الدولتين لتتلاءم على نحو وثيق مع رؤية نتنياهو لحدود إسرائيل. وهذا يعني دولة فلسطينية مبتورة لاتتمتع بالسيادة، والحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على كامل مدينة القدس تقريباً، وضم المستوطنات الإسرائيلية وغور الأردن لإسرائيل، وتجاهل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. كان حل الدولتين يُحتضر حين ورثه ترامب، بيد أنه قد يدفنه نهائياً وهو في سُدة الحكم.


 

حسين إبيش | باحث أول مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن العاصمة

أتى التوقيت سياسياً بامتياز. فالرئيس دونالد ترامب لا يأبه بالسياسة العامة، بل يُعنى فقط بالسياسة في معناها الأضيق. كان الهدف الأساسي من الخطة مساعدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حملة إعادة انتخابه وتجنّب السجن. فقد تمثّلت رغبة اليمين الإسرائيلي، الذي عبّرت عنه الخطة الأميركية، في ضمان بقاء نتنياهو في سُدة الحكم. وهذا ما ستنجزه الخطة على الأرجح. وهي صبّت كذلك في خدمة الظرف السياسي الذي يمرّ به ترامب، إذ ساعدته على البقاء خارج السجن، وسمحت له بالظهور كصانع سلام وصاحب رؤية، فيما يتجادل أعضاء مجلس الشيوخ حول عزله، ما عزّز تحالفه مع اليمين المسيحي المتعصّب والمتطرّف.

ثمة أيضاً اعتبار ثانوي يتمثّل في الدفع نحو إجراء يحظى بالقبول على مستوى السياسة الأميركية حيال إسرائيل، عبر إفساح المجال بشكل متزايد لتأييد ضم الأراضي، وتقويض آفاق حل الدولتين. الهدف النهائي إذاً هو حرمان الفلسطينيين من دولتهم، ووضع أسس راسخة تكون كفيلة بأن تؤيد الولايات المتحدة قيام دولة إسرائيل الكبرى، التي يسود فيها انعدام المساواة ونظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، والمحاصرة بما يمكن وصفه بـ"البانتوستان" الفلسطيني.


 

زها حسن | باحثة زائرة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، مع التركيز على السلام الفلسطيني-الإسرائيلي

لا شك أن توقيت الإعلان عن خطة ترامب للسلام الفلسطيني-الإسرائيلي حُدّد بفعل ظروف سياسية ملحّة. فالرئيس دونالد ترامب كان متورّطاً في محاكمة ترمي إلى عزله على خلفية التماس مساعدة خارجية لتقويض الحملة الرئاسية لأحد خصومه السياسيين، فيما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحضّر بدوره للمثول أمام المحكمة على خلفية قضايا متعلّقة بالفساد والرشى. إلى جانب مسألة التوقيت، ينبغي النظر إلى الخطة باعتبارها مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول حجم الأراضي الفلسطينية التي يمكن لإسرائيل ضمّها بمباركة أميركية، والأهم، باعتراف أميركي بالسيادة الإسرائيلية.

لحسن حظ الفلسطينيين، ردّ العالمان العربي والإسلامي عبر إصدار بيانات قوية، أعادت التأكيد على القانون الدولي والإجماع على إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، والذي مضى عليه 52 عاماً. والأهم أن القمة التي عقدتها جامعة الدول العربية في القاهرة ناشدت الدول العربية عدم التعاون مع أي محاولة ترمي إلى تطبيق الخطة. كذلك، اجتمعت منظمة التعاون الإسلامي المؤلفة من 57 عضواً في السعودية، وأعلنت خلال جلستها التنفيذية أن الخطة لا تلبّي الحد الأدنى من المتطلبات، و"ستؤدي إلى هدم أسس السلام"، ورفضت الخطة رفضاً قاطعاً.

يبدو أن جاريد كوشنر وفريقه المعني بالسلام في الشرق الأوسط أخطآ في تقدير حجم الدعم الذي ستقدّمه دول الخليج، معتقدين أن بإمكانهم ضمان التزام هذه الدول المالي والسياسي في تطبيق خطة ترمي إلى تصفية الطموحات الوطنية الفلسطينية. لكن، وبسبب تمادي وتسرّع إدارة ترامب، من غير المرجّح أن تحظى الخطة بتأييد يُذكر.