جوزيف ضاهر | أستاذ في جامعة لوزان، سويسرا، وأيضاً أستاذ مشارك بدوام جزئي في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، إيطاليا، حيث يعمل على مشروع زمن الحرب ومرحلة ما بعد النزاع في سورية

أرسلت تركيا تعزيزات عسكرية إلى محافظة إدلب وحذّرت القوات المسلحة السورية بأن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة"، محاولةً إيقاف تقدّمها وإرغامها على الانسحاب. لكن تركيا تواجه وضعاً صعباً، إذ تريد الحؤول دون حدوث تدفّق جديد للاجئين من إدلب إلى أراضيها.

سيحقق الجيش التركي على الأرجح تفوّقاً عسكرياً واضحاً في أي مواجهة واسعة النطاق مع الجيش السوري، لكن أنقرة لاتريد تأجيج التوترات أو وضع علاقتها مع روسيا على المحك. فموسكو هي الطرف الوحيد القادر على تقويض الخطوات العدائية السورية المحتملة ضد المصالح التركية في أي وقت. كذلك، تريد تركيا الحفاظ على علاقتها الوثيقة مع روسيا بسبب العزلة الدولية العميقة التي تعاني منها، ولاسيما عزلتها عن قوى الغرب والشرق الأوسط، بسبب مغامرتها في ليبيا وتنافسها على مستوى الطاقة حول الموارد الهيدروكربونية في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

يُضاف إلى ذلك أن الرئيسين التركي والروسي دشّنا في وقت سابق من هذا العام أنبوب الغاز "توركستريم"، الذي سينقل الغاز الطبيعي الروسي إلى جنوب أوروبا عبر تركيا. إذن، همّ أنقرة الأول هو الحفاظ على علاقتها مع موسكو.

استعادت قوات النظام السوري، المدعومة روسياً، السيطرة على مدينة سراقب التي ترتدي أهمية استراتيجية، لأنها تشكّل نقطة التقاء بين الطريقين الدوليين المعروفين بـM5 وM4 اللذين يربطان حلب بكلٍّ من العاصمة دمشق واللاذقية. السيناريو الذي سيفضي إليه ذلك على الأغلب هو التوصّل إلى نوع من هدنة يتم التفاوض بشأنها بين تركيا وروسيا. ثم ستنتظر قوات النظام أسابيع عدّة، لا بل أشهراً، قبل شنّ هجوم جديد في إدلب، يتم مجدّداً بدعم روسي.

نظراً إلى تراجع النفوذ التركي بعد أن استعاد النظام سيطرته على مناطق جديدة في إدلب، تعكس الدعوات التركية إلى إبرام اتفاق سوتشي جديد مع روسيا وإيران، إلى حدٍّ ما، الخيارات المحدودة المُتاحة أمام أنقرة في سورية.


 

بيسان الشيخ | كاتبة وصحافية ومستشارة إعلامية مقيمة في اسطنبول، ومراسلة سابقة في صحيفة "الحياة"

"لا اتفاق مع الجانب الروسي حول إدلب"، هذا ما قاله وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لمن كانوا يأملون ببعض النتائج الملموسة من اللقاء الروسي- التركي الذي استغرق ثلاث ساعات، وكان يفترض أن يُحيي المسار السياسي المتعثّر. ولكن لِمَ قد يتوقع أحد وقف العمل العسكري الذي يقوده النظام السوري عند هذا الحد ومنع قضم المزيد من الأراضي في إدلب، إذا كان الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه أمهل قوات النظام السوري حتى نهاية شباط/فبراير الجاري للانسحاب إلى ما قبل حدود خفض التصعيد؟

صحيحٌ أن أردوغان توعّد القوات السورية بأن "يتكفّل الجيش التركي بإجبارها على الانسحاب"، وأن "القوات (التركية) الجوية والبرية ستتحرك في كل مناطق عملياتنا في إدلب وسوف تقوم بعمليات عسكرية اذا ما اقتضت الحاجة". لكن عملياً لم يحدث شيء من هذا. لا بل مُنعت الفصائل السورية المدعومة تركياً من القتال أو تقديم أي مؤازرة للقرى والبلدات التي حاولت مقاومة تقدّم الجيش إليها. ولسخرية القدر أن ذلك تزامن مع إعلان أنقرة إرسال المقاتلين السوريين إلى ليبيا، ما يعزّز فرضية تخلّي تركيا عن دور "الضامن" في سورية لصالح دور "الغازي" في ليبيا.

فمحافظة إدلب، التي كانت ذات يوم ورقة تفاوض قوية في يد أنقرة، استنفدت صلاحيتها، وأصبحت اليوم عبئاً هائلاً على من تقع إدارتها من نصيبه، ولا مصلحة لتركيا بها إلا في نطاق شريط حدودي تُبقي فيه المهجّرين داخلياً البالغ عددهم 1.7 مليون شخص، وربما تعيد استخدامهم في معارك تفاوضية لاحقة.


 

أسعد العشي | المدير التنفيذي لمؤسسة "بيتنا سوريا" المعنية بدعم المجتمع المدني

من الصعب معرفة إلى أي درجة قد تكون تركيا مستعدّة للانخراط في إدلب. فقد أقدمت خلال الشهر الفائت على نشر أكثر من 5 آلاف جندي في المحافظة. مع ذلك، كان ردّها على مقتل جنودها في قصف مدفعي شنّته قوّات النظام خجولاً. لم تتوقف المفاوضات مع روسيا إلا أنها فشلت حتى الآن في تحقيق وقف دائم لأعمال العنف. وبالتالي، تجد تركيا نفسها أمام معضلة: فهي تريد أن تتفادى، مهما كلّف الأمر، وقوع كارثة إنسانية على حدودها الجنوبية الغربية، لكنها في الوقت نفسه لاترغب في تدمير علاقتها مع روسيا.

من الصعب للغاية تخيّل ما يمكن أن تكون تركيا مستعدّة للقيام به في إدلب من دون دعم واضح من حلف شمال الأطلسي (الناتو). فمصالحها الإستراتيجية تصبّ في أماكن أخرى، ولاسيما في شمال شرق سورية، حيث تسعى إلى منع أي تقدّم لوحدات حماية الشعب، وهي فرع من حزب العمال الكردستاني، العدو اللدود لتركيا وأخطر تهديد لأمنها الوطني. لكن، في حال قرر حلف الناتو مواجهة الهجوم السوري والروسي في إدلب، ستكون تركيا على استعداد لإنشاء "منطقة آمنة" هناك لحماية المدنيين وتجنّب إمكانية حدوث موجة لجوء إلى جنوب تركيا.


 

خضر خضّور | باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تتركّز أبحاثه على الشؤون السورية

باتت إدلب جبهة مركزية في الحرب السورية. فهي تضمّ مجموعات متطرّفة تعتقد أنها تخوض حرباً مقدسة، فضلاً عن المتمردين الذين تركّز أجنداتهم المحلية على حماية أراضيهم ومجتمعاتهم. من جهة أخرى، تبقى المنطقة بالنسبة إلى مجموعات الإغاثة الدولية والسكان المحليين، المعقل الأخير غير الخاضع إلى سيطرة نظام الأسد.

في الوقت نفسه، تعتبر تركيا إدلب منطقة حدودية نوعاً ما. فبعد المحاولات العسكرية الهادفة إلى إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد، وجب على أنقرة تغيير مسار عملها بعد التدخّل العسكري الروسي في العام 2015. وعقب إدراكها واقع الوجود الروسي الحالي على الحدود التركية مع سورية، عدّلت أنقرة النهج الذي تعتمده وبات يركّز في الدرجة الأولى على حماية الحدود.

والآن سيقوم الجيش السوري، بدعم روسي وقبول تركي، بربط المناطق الحضرية الواقعة شمالي غرب سورية – أي معرة النعمان، وسراقب، ومدينة إدلب، وجسر الشغور - بالمناطق الساحلية والجنوب السوري. وبذلك، يكون حديث تركيا عن إنشاء "منطقة آمنة" على طول 30 كيلومتراً داخل سورية قد بات واقعاً. لكن بدلاً من أن تكون منطقة آمنة، ستكون هذه في الواقع بالنسبة إلى تركيا امتداداً للمنطقة الحدودية.