لورينزو كامل بروفسور مساعد في التاريخ الحديث والمعاصر للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جامعة تورين، ومدير الدراسات البحثية في معهد الشؤون الدولية (Istituto Affari Internazionali). ألّف العديد من الكتب، آخرها The Middle East from Empire to Sealed Identities (الشرق الأوسط من الإمبراطورية إلى الهويات المختومة) (منشورات جامعة إيدنبرغ، 2019)، وكذلك كتاب Imperial Perceptions of Palestine: British Influence and Power in Late Ottoman Times (التصورات الإمبريالية لفلسطين: النفوذ والسلطة البريطانيين في أواخر العهد العثماني) (دار نشر أي بي توريس، 2015)، الذي فاز بجائزة الكتاب الفلسطيني للعام 2016.

أجرت "ديوان" مقابلة معه في أوائل شباط/فبراير للوقوف على رؤيته حول طبيعة التدخلات الأجنبية في الشرق الأوسط، في مرحلة تُظهر فيها البلدان غير العربية استعداداً أكبر لتوكيد سطوتها أكثر من أي وقت مضى.

مايكل يونغ: سطّرت أخيراً مقالة قصيرة بعنوان "Soleimani and the Weight of History" (سليماني ووطأة التاريخ)، جادلت فيها أن "حياة (قاسم) سليماني متجذّرة بعمق في تاريخ وطنه ومنطقته. فهي حصيلة قرارات مخطئة، ولكن أيضاً، إن لم يكن على وجه الخصوص، نتيجة قرن من القمع، والتدخلات الخارجية، والسعي المديد بحثاً عن العدالة والكرامة". هلاّ لك أن توضح هذه الفكرة؟

لورينزو كامل: حاولت أن أبيّن أن مناقشة قضايا معقّدة، على غرار حياة سليماني، من دون توفير السياقات، لا يساعدنا كثيراً على فهم ما شهدناه في غضون الأسابيع القليلة الماضي منذ اغتياله، كما لا يساعد على استشفاف آفاق المستقبل.

انطلقت في مقالتي من ستة مفاصل تاريخية مُترابطة: الأول، هو ثورة التبغ في 1891-1892 التي أشعلت ظروف "ظهور الشيعية كحركة ثورية مناوئة للاستعمار". الثاني، الديناميكيات التي حفزت بريطانيا على تعهّد صعود رضا شاه العام 1921، ملك فارس قبل الأخير ومؤسس السلالة البهلوية، إلى السلطة. الثالث، انقلاب العام 1953 ضد رئيس الوزراء آنذاك محمد مصدق، الذي وضع خاتمة لسعي إيران إلى توكيد سيادتها على مواردها الطبيعية. الرابع، الثورة الإسلامية العام 1979، التي لاتزال أسبابها ومضاعفاتها جليّة وواضحة للعيان في التمزقات التي تغشى الشرق الأوسط. الخامس، جذور وتبعات الحرب العراقية- الإيرانية في 1980-1988. والمفصل السادس والأخير هو "الحرب على الإرهاب" التي شنّها جورج دبليو بوش العام 2001 في أعقاب هجمات أيلول/سبتمبر 2001، والتي ساعدت بطرق عدة إيران على مد نفوذها. الآن، من دون التطرق إلى كلٍ من هذه المفاصل التاريخية، سيكون من الصعب للغاية مقاربة مسألة قاسم سليماني وتدارس عملية صعوده إلى السلطة.

المحصلة النهائية في مقالتي هي أن الإيرانيين عاينوا المضاعفات العدوانية للاستراتيجيات الغربية في المنطقة، وهم يريدون في الوقت نفسه تشكيل إيران مُغايرة: إيران، وفق تعبير بيان أصدره الطلاب في جامعة أمير كبير في 12 كانون الثاني/يناير"، التي لا تندفع إلى أحضان الإمبريالية بسبب خوفها من العسف والاستبداد، ولا تُشرعن هذا الاستبداد باسم المقاومة ومنازلة الامبريالية".

يونغ: لكن اليوم، وعلى عكس الأوضاع في القرن الماضي حين جادلت شعوب الشرق الأوسط بأن طموحاتها تعرّضت إلى الإحباط على يد القوى الغربية في المقام الأول، نشهد وضعاً تُسيطر فيه أساساً القوى الإقليمية، خاصة إيران وتركيا وإسرائيل، على العالم العربي. ماذا يعني ذلك لك بالنسبة إلى العالم العربي والقوى الواقعة على أطرافه؟

كامل: "العالم العربي" متشظٍ للغاية، لكني لا أرى أنه خاضع أساساً إلى الهيمنة التركية والإسرائيلية، اللتين لديهما نفوذاً محدودا. أما بالنسبة إلى إيران، فالأمر أكثر تعقيدا. إذ أن أكبر مُسهّل لعملية تمديد النفوذ الإيراني كانت الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة. نذكر هنا، وفقاً لبيانات وزارة الخارجية الأميركية، أن العمليات الإرهابية ارتفعت في الفترة بين 2001 و2014 بنسبة 3800 في المئة (من 355 عملية في 2001 إلى 13500 العام 2014). وفي الفترة بين 2001 و2014، تضاعفت الوفيات جراء العمليات الإرهابية ستة أضعاف، نصفها في العراق وأفغانستان. معروف أن هذه الدولة الأخيرة لعبت تاريخياً دور الحاجز ضد انتشار النفوذ الفارسي، ثم الإيراني، في المنطقة. ثم جاء انهيار نظام صدام حسين ليمكّن إيران من عرض قوتها ونشر الميليشيات التي تدعمها في طول الشرق الأوسط وعرضه. بكلمات أخرى، بعض اللاعبين الذين خلقوا الظروف البنيوية الرئيسة للنهوض الإقليمي الإيراني، هم الذين يطالبون الآن المجتمع الدولي بالعمل للحد من القوة الإيرانية.

مع ذلك، لا تفسّر إيران سوى حيّز يسير من "العالم العربي" وحول مَنْ يهمين على ماذا. فالمرحلة التاريخية التي عايناها طيلة السنوات الماضية مرّت عبر أجندتين إقليمية ودولية متنافستين، كلاهما تمأسس على إيديولوجيات حرونة ومتصلّبة: الأولى هدفت إلى الحفاظ على وتعزيز الخط الجيوسياسي الإقليمي الذي يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت. والثاني يريد استعادة أو فرض نظام إقليمي جديد بقيادة الغرب أساسا.

في اللحظة الراهنة، يبدو أن "الأجندة" الثانية لها حظوظ أكبر من النجاح، كما تؤكّد ذلك العقوبات الأميركية على إيران، إضافة إلى عدد من الخطوات الاستراتيجية التي طفت على السطح خلال السنوات الأخيرة. فكّروا، مثلا، بالقرار الذي أصبح من خلاله محمد بن سلمان في الصف الأول لتسلّم العرش السعودي، وهو القرار الذي قبلته ودعمته الولايات المتحدة شريطة أن ترضخ السعودية إلى أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. أو فكّروا بالديناميكيات التي أدّت إلى فرض الحصار على قطر، أو (مؤخرا) المضاعفات الاستراتيجية لـ"صفقة القرن" التي طرحتها إدارة ترامب على الفلسطينيين والإسرائيليين.

يونغ: هناك دولة أخرى كانت نشطة في المنطقة، وهي روسيا. كيف تفسّر السلوك الروسي؟

كامل: باتت روسيا لاعباً قوياً ومهماً في كلٍ من المنطقة وما بعدها. بيد أن الالتباسات التي تحيط بمعظم سياساتها واضحة للغاية. وهنا، شبه جزيرة القرم، التي غالبية سكانها من المسلمين التتار الذين أبعدهم القيصر ألكسندر العام 1856 ثم نظام ستالين العام 1944، مؤشّر قوي على هذه الالتباسات. فالرئيس فلاديمير بوتين لا يضيّع أي فرصة لتذكيرنا أن روسيا "تحترم رغبات شعب القرم". لكن ما يغيب هنا هو أن روسيا تجاهلت كلياً هذه الرغبات نفسها في علاقاتها مع شعبي الشيشان وترتستان، ومارست معهما سياسات وحشية وقمعية. كل هذا يُعتبر تجسيداً لمفهوم المعايير المزدوجة التي لطالما شهدناها أيضاً في مقاربة روسيا لسورية وبلدان أخرى في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

يونغ: تاريخ التدخلات الأجنبية في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين مُحزن للغاية في مجال عدم قدرة القوى الخارجية على إحداث تغييرات عميقة في المنطقة. أنت تعلّم تاريخ هذا الإقليم، فهل تعتبر أنه كان من الخطأ النظر زمنياً إلى الوراء وتفسيره حصراً عبر عدسات الامبريالية والامبريالية الجديدة؟

كامل: أعتقد أن "القوى الخارجية" نجحت بالفعل في تحقيق تغييرات عميقة في المنطقة. على سبيل المثال، وصّفت فرنسا وبريطانيا الحقائق المحلية والتمردات على أنها تعبيرات عن تشققات دينية بدائية. بتعبير آخر، نجحت الهياكل القضائية والطائفية التي تمّ تصورها وتنفيذها في العقد الثاني من القرن الماضي في ترسيخ ومأسسة الخلافات الدينية مؤسسياً، وهذه كانت الحصيلة المتجذرة للنظرة العالمية لـ"سايكس بيكو".

مع ذلك، أوافق على أن هناك ما هو أكثر بكثير من ذلك، وسؤالك يعيد إلى ذهني كلمات حميد دباشي المتعلّقة بالحقيقة أن "مابعد الاستعماروية لم تستطع التغلّب على الاستعماروية، بل فاقمتها عبر النفي". هذا البيان يُناسب تماماً تاريخ شطور واسعة من الشرق الأوسط ودور الامبريالية والامبريالية الجديدة فيه. في سبيل التغلّب على الاستعماروية والامبريالية والامبريالية الجديدة، أو على الثلاثة معا، نحتاج إلى إعادة المنطقة وسكانها الفاعلين- بما في ذلك المُحتجين- إلى قلب المسرح ، كما نحتاج إلى أن نظهر كيف شكّل الشرق الأوسط تاريخ البلدان الغربية. نقتبس هنا كلمات إيلين ميكسينز وود Ellen Meiksins Wood: "... لا بل حتى من الزائف أكثر سلخ اليونان القديمة عن، مثلا، مصر أو فارس، كما لو أن الإغريق كانوا دائماً "أوروبيين" يعيشون في تاريخ منفصل وليسوا جزءاً من عالم متوسطي "وشرقي" أوسع".

يونغ: إلى أي مدى تكمن المشكلة الحقيقية للمنطقة في غياب الديمقراطية والدول الفاعلة، بالمقارنة مع التدخلات الخارجية. بكلمات أخرى: حالما يكون لديك دول تستطيع تلبية تطلعات شعوبها، هل ستصبح التدخلات الخارجية أكثر صعوبة؟

كامل: غياب المحاسبة هو في قلب العديد من المشاكل التي تعتري المنطقة وتؤثّر عليها. وحين تكون المحاسبة ضعيفة، لن تُلبي الخدمات حاجات المواطنين، وهذا صحيح على وجه الخصوص بالنسبة إلى أفقر قطاعات السكان المحليين. الحوكمة الضعيفة والفساد هما المشكلتان الأكبر ويساهمان كثيراً في تغييب الديمقراطية والدول الفاعلة في الشرق الأوسط.

على رغم ذلك، ثمة دور رئيس أيضاً تلعبه القوى الخارجية. فروسيا، كما عدد من البلدان الغربية، تعتبر مجدداً اليوم الأنظمة القمعية جزءاً من الحل بدل أن تكون هي المشكلة. وكما قال جنرال إسرائيلي سابق العام 2015 لمايكل أورن Michael Oren، سفير بلاده السابق في الولايات المتحدة:" لماذا لا يواجه الأميركيون الحقيقة، وهي إنهم كي يدافعوا عن الحرية الغربية، عليهم الحفاظ على الطغيان الشرق أوسطي".

من جانبهم، الطغاة المحليون جاهزون لدفع الأثمان الفادحة لضمان بقائهم. وهذا يوضح لماذا طيلة السنوات الثماني الأخيرة استثمرت السعودية موارد ضخمة لمعارضة صعود أي حكومة أو حزب في العالم العربي يمكنه أن يقدم بديلاً يُعتد به لـ"النموذج السعودي". كما أنه يلقي أضواء ساطعة على أسباب قرار الرياض دعم الجيش المصري في انقلاب 2013 ضد الرئيس الإسلامي السابق محمد مرسي.

على المدى القصير ستكسب الأسر والأنظمة الحاكمة الكثير من وراء هذه الاستراتيجيات. لكن السيناريو على المدى الطويل قد لايكون زاهياً. فالمنطقة باتت تختلف اختلافاً بيّناً عما كانته قبل عقود، خاصة منذ العام 2011. و" الحلول" الخاصة بـ"اخطف وأركض" والإيديولوجيات المستخدمة في الماضي لتحويل انتباه شعوب المنطقة- مثل العروبة والإسلاموية وغيرهما- لن يكون لها كبير جاذبية في المستقبل القريب. وهذا يؤكّد أكثر أن استراتيجية تعهّد الأنظمة المحلية والتعويل عليها، والتي كانت أساسية للغاية لإدارة ترامب وحلفائها، ستكون أمام احتمال قوي بأن تتعرّض إلى نتائج عكسية. لا بل ستقود هذه الاستراتيجية في الحقيقة إلى شرق أوسط يكون حتى أكثر اعتماداً على الخارج، وإلى بلقنة مطّردة لشطر كبير منه. وحين نضع في عين الاعتبار هذا السيناريو الذي يلوح الآن في الأفق، سيكون، وسيتواصل، وجود فسحة ضئيلة وضيّقة للديمقراطية وللدول الفاعلة.