سيبيل رزق | مديرة قسم السياسات العامة في "كلنا إرادة"، وهي منظمة مدنية للإصلاح السياسي في بيروت

لا مفرّ للبنان من خطة إنقاذ شاملة لاستعادة الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلّي والمالي، لأن البديل سيكون سيناريو كارثياً ينطوي على التضخّم المفرط، وتراجع قيمة العملة الوطنية، والبطالة، والفقر، والهجرة. ونظراً إلى أن لبنان عضو في صندوق النقد الدولي، فمن حقّه طلب المشورة من الصندوق والحصول على تقييم لوضعه المالي. وسيتطلّب هذا الأمر الكشف التام عن المعطيات المالية المتعلّقة بمصرف لبنان والقطاع المصرفي للتوصّل إلى فهم دقيق لحجم الخسائر المُتكبّدة.

نعرف أن لبنان يعاني من مجموعة أزمات، بدءاً من حالة ميزان المدفوعات والدين، مروراً بمشكلة العملة والقطاع المالي، ووصولاً إلى ضعف القطاعات الإنتاجية وغيرها. لكن هذه الأزمات تجعل الأوضاع معقّدة على كل المستويات. إذن، الحاجات المالية مُلحّة للغاية وإعادة الهيكلة ضرورية، ما يستدعي على الأرجح إجراءات إنقاذ خارجية من المانحين الخارجيين، وإجراءات إنقاذ داخلية أيضاً، عبر تحويل جزء من الودائع إلى أسهم في المصارف خلال عملية إعادة الرسملة، بعد شطب الأسهم الأصلية. لكن المسألة الأساسية هنا سياسية وهي: من سيطبّق خطة الإنقاذ، فيما لبنان يواجه في الوقت نفسه أزمة نظام؟ لبنان يحتاج إلى حكومة تكون قادرة على تحريك زمام الأمور، بمعزل عن النظام الذي يشوبه الفساد والمحسوبية والقائم على نخبة تُمسك بخيوط الدولة. من الضروري أن تتحلّى الحكومة بالكفاءة والشرعية والصدقية كي تتمكّن من طلب المساعدة الخارجية، سواء من صندوق النقد الدولي أو من جهات مانحة مؤسسية أو ثنائية.


 

إسحاق ديوان | أستاذ حائز على منصب "كرسي التميّز للعالم العربي" في جامعة باريس للعلوم والآداب، وأستاذ في المدرسة العليا للأساتذة (Ecole Normale Supérieure)

لبنان في حاجة ماسّة إلى الدعم المالي الكفيل بمساعدته على التكيّف مع التوقف المفاجئ لتدفّق الرساميل، في وقتٍ قد تؤدّي العجوزات الكبيرة داخلياً وخارجياً إلى انهيار اقتصادي. وليس من قبيل المبالغة في شيء الافتراض بأنه في ظل غياب الدعم المالي الكبير والسريع، قد تتحوّل البلاد إلى دولة فاشلة نتيجة الانهيار والفوضى. في أفضل الأحوال، قد يتمكّن صندوق النقد الدولي، بالتعاون مع جهات مانحة أخرى، من إعداد حزمة تمويلية كاملة هي عبارة عن مبلغ يتراوح بين 20 و25 مليار دولار يُمنح إلى لبنان على مدى ثلاث سنوات من أجل دعم خطة الإنقاذ وتخفيف وطأة الألم الذي لامفرّ منه في المدى القصير. لكن لتحقيق ذلك، لا بدّ من إجراء تعديلات وإصلاحات موجعة، تتضمن خفض مصاريف الدولة، وزيادة الضرائب، والخصخصة، وتقليص الدين، وتراجع قيمة العملة. سيكون الهدف ببساطة تمكين الاقتصاد اللبناني من تسديد قروض صندوق النقد الدولي ضمن مهلة لاتتجاوز العشر سنوات.

عبر طلب إجراء تعديلات اقتصادية مقابل الدعم، يُتوقّع أن يلعب صندوق النقد الدولي إلى حدٍّ كبير دور ناقل الرسائل الذي يحثّ لبنان على التوصّل إلى إجماع داخلي بشأن كيفية إصلاح تقهقر الثروة نتيجة خَبَل السياسيين. ستؤدي الطرق المحدّدة التي سيتم بموجبها التعديل إلى مضاعفات ضخمة لجهة توزيع الثروات، ولاسيما على مستوى المجتمع اللبناني وعن كيفية تكبّد مختلف شرائحه هذه الخسائر الجمّة.

لاينبغي على الحراك الاحتجاجي المسارعة إلى وضع العصي في دواليب خيار صندوق النقد الدولي، لأنه حبل النجاة المالي الوحيد راهناً. لذا، يكمن الخيار الأفضل للحراك في دعم عملية التفاوض ووضع شروطه الخاصة بشأن خطة الإنقاذ، حرصاً على حماية الفقراء والطبقة الوسطى. في حال لم يتوصّل لبنان إلى إجماع داخلي حول المرحلة المُقبلة، سينتظر طائر الفينيق طويلاً قبل أن ينبعث مجدّداً من رماده، تماماً كما حدث خلال الحرب الأهلية.


 

عامر بساط | رئيس الاستثمارات السيادية والأسواق الناشئة في شركة إدارة أصول في نيويورك، وخبير اقتصادي سابق في صندوق النقد الدولي. لكنه عبّر عن رأيه الوارد هنا فقط بصفته الشخصية

حان وقت إزالة الغموض الذي يكتنف صندوق النقد الدولي. إذ لم يعد اعتماد برنامج شامل ومتكامل بعد الآن مجرد ترف. فلبنان بحاجة إلى برنامج لأحد الأسباب الثلاثة الآتية: أولاً، الأزمة اللبنانية شديدة التعقيد ومستعصية على مايبدو. في المقابل يمتلك صندوق النقد الدولي الخبرات المناسبة والمطلوبة. ثانياً، يفتقد التزام الحكومة اللبنانية بالإصلاحات إلى الصدقية، إذا ما أردنا التعبير عن الأمر بتهذيب. وستثبت مشروطية صندوق النقد (الخاضعة إلى المتابعة والرقابة) فعّاليتها في ترسيخ عملية تطبيق الإصلاحات. أخيراً، والأهم من كل ذلك، إن حجم العجز التمويلي في البلاد هائل. وفي حال لم تتمّ معالجته، سيكون مصير الاقتصاد الانهيار وستنخفض احتياطيات الصرف الأجنبي بشكل مطّرد. وإذا ما أردنا الحديث بصورة واقعية، ستكون الجهات المانحة الأخرى متردّدة إلى حدّ كبير في منح لبنان الأموال، من دون موافقة صندوق النقد الدولي.

في هذا السياق، لابدّ من طرح سؤال مستقل، لكن مرتبط بهذه المسألة، ألا وهو: هل ستكون شروط صندوق النقد الدولي موجعة؟ للأسف، ستكون كذلك بالطبع. لكن السؤال المطروح هنا خطأ، فإن كانت الدولة جادة في معالجة أزمتها، ستكون الإجراءات التي يحدّدها صندوق النقد هي ما تحتاج إليه بالضبط. كما أن الأحاديث الشائعة عن أن الصندوق لايعير أهمية للواقع السياسي ومضاعفات شروطه على المجتمع قد عفا عليها الزمن. وسيكون لوجود فريق تفاوض لبناني قوي دور رئيس في صياغة تفاصيل البرنامج.


 

نسرين سلطي | أستاذة مساعدة في قسم العلوم الاقتصادية في الجامعة الأميركية في بيروت

ليس واضحاً "حجم" برنامج الطوارئ الاقتصادي الذي يحتاجه لبنان، بخاصة في ظل غياب أي أرقام كلية وميزانيات عمومية موحّدة ومُثبتة. لكن بغض النظر عن ذلك، لابدّ من تطبيق نوعين من الإصلاحات الأساسية قبل الأخذ في الحسبان أي تدخّل لصندوق النقد الدولي، سواء كان خجولاً (على شكل مساعدة تقنية) أو صارماً (على شكل برنامج كامل): الأولى إصلاحات تتعلّق بالحوكمة، والثانية تتعلّق ببلورة رؤية اقتصادية.

سيحمل معه تدخّل صندوق النقد وصفات تتعلّق بالسياسات العامة، وسيكون قسم منها تطفلياً ومضايقاً، وينطوي على أطراف رابحة وأخرى خاسرة بشكل مباشر، على غرار الخصخصة، ورفع الدعم، وإدارة فاتورة الأجور في القطاع العام، وما إلى ذلك. في هذا السياق، ثمة خلافات كثيرة حول مدى فعّالية وسلامة تدخّل صندوق النقد. حتى أن الكثير من المؤيدين لهذه المسألة أقرّوا بأن تطبيق بعض هذه السياسات في نظام يستشري فيه الفساد والزبائنية كلبنان، من دون تفعيل إصلاحات نحو حوكمة وشفافية أفضل وسيادة القانون (وكل ذلك خارج اختصاص الصندوق المباشر) يُعتبر أمراً خطيراً. ويمكن لذلك أن يستخدم "مشروطية صندوق النقد الدولي" كغطاء يسمح بمواصلة إحكام قبضة النخبة الفاسدة على الاقتصاد.

ترمي عمليات الإنقاذ التي يقوم بها صندوق النقد إلى توجيه الاقتصاديات ووضعها على مسار النمو الاقتصادي والاستقرار الاقتصادي الكلي، وإبقاء الدين في حدود مستدامة. وحتى حين تتضمن برامجه أحكاماً تتعلّق بشبكات أمان اجتماعي، لا يتبنّى أي محصلات توزيعية كأهداف. مع ذلك، يمكن لاقتصاد ما أن يحقّق نمواً، وأن يكون مستقراً على مستوى الاقتصاد الكلي ومسؤولاً على الصعيد المالي، وأن يقوم في الوقت نفسه بتوزيع الدخل بطريقة غير متكافئة إلى حدّ كبير. وفي حال كانت الرؤية الاقتصادية الجماعية في لبنان تهدف إلى تصحيح عملية توزيع الثروات والدخل غير المتوازنة والمثيرة للقلق (وهو توزيع ناجم عن السياسات نفسها التي أشعلت فتيل الأزمة)، فإن إضافة هدف توزيعي ضمن الأهداف الثلاثية الموضحة أساساً في خطة إنقاذ صندوق النقد، ستملي أيضاً الطريق الذي تختاره الدولة لتعافي البلاد. وقد يتطلّب هذا الأمر تبنّي بعض السياسات التي لاتكون مُدرجة بشكل مباشر في برامج صندوق النقد الدولي التقليدية.


 

سامي نادر | مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية، وخبير اقتصادي، وأستاذ محاضر في جامعة القديس يوسف في بيروت

لم تمرّ فرصة أمام الطبقة الحاكمة في لبنان للقيام بإصلاح اقتصادي حقيقي إلا وأهدرتها. المرة الأخيرة كانت في أعقاب مؤتمر سيدر للجهات المانحة الدولية، الذي عقد في باريس في نيسان/أبريل 2018، والذي تمّ فيه تقديم رزمة مالية تبلغ حوالى 18 مليار دولار لتنفيذها على مرحلتين، لقاء تطبيق الحكومة اللبنانية إصلاحات طال انتظارها. لكن على الرغم من كل شيء، لايبدو النظام السياسي اللبناني قادراً على الإصلاح، إذ إن ذلك يعني إضعاف القوى السياسية التي ستُحرم من مصادر تمويلها.

كان مؤتمر سيدر الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان من دون تكبّد أكلاف عملياً. لكن الأمر لم يعد كذلك اليوم، فلبنان يسير نحو الانهيار. كما لم تعد القضية تتعلق بكيفية تفادي الانهيار بعد الآن، بل بكيفية التخفيف من الكلفة والخروج من الأزمة بأقل الأضرار. وعلى الرغم من أن الإصلاحات ضرورية، إلا أنها لم تعد كافية بكل بساطة. فلبنان يحتاج إلى ضخّ أموال لا تقلّ عن 15 – 20 مليار دولار لإعادة هيكلة ماليته العامة ونظامه المصرفي وتفادي ركود اقتصادي حاد. وما من جهة مانحة مستعدّة لتقديم مبالغ مجانية من دون مقابل، كما كانت تفعل في السابق دول مجلس التعاون الخليجي. لقد خسر لبنان، تحت رعاية حزب الله، أصدقاءه وتقديماتهم السخية. وهو الآن بحاجة إلى اقتراض الأموال، والباب الوحيد الذي يمكن أن يطرقه هو باب صندوق النقد الدولي.