مع استمرار تصاعد وتيرة الأحداث في محافظة إدلب منذ مصرع 33 جندياً تركياً في 27 شباط/فبراير، يُواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خيارات في غاية الصعوبة، لا يخلو أي منها من المجازفة الكبرى.

لكن، ما يجب التطرق إليه أيضاً، وعلى القدر نفسه من الأهمية، هي الخيارات الاستراتيجية الروسية: هل تدعم موسكو هجوماً غير محدود لنظام الأسد، أم أنها في الواقع تستخدم الوضع على الأرض كأداة لاستيلاد سطوة أكبر على أنقرة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماذا تريد حقاً من تركيا؟ بكلمة: التصعيد دراماتيكي بالفعل، لكنه يبقى على الأرجح تكتيكاً تفاوضياً وإن عالي المجازفة، وقد ينبثق من رحمه تفاهم روسي- تركي جديد حول إدلب. بل وأبعد من إدلب.

الآن، إذا ما دققنا بالوضع العسكري على حدة، سنجد أن خفض التصعيد هو أفضل خيار لأردوغان. ويدل تصريحه في 1 آذار/مارس بتأييد حل سياسي على ذلك. ولكن، إذا تم ذلك من دون وقف لإطلاق النار، ستكون الحصيلة دفقاً هائلاً جديداً من اللاجئين السوريين من إدلب، الذين سيحاولون الدخول إلى الأراضي التركية. قد يكون البديل الوحيد لهذا السيل هو ترتيب وصول هؤلاء إلى مناطق سيطرت عليها تركيا إبّان عمليتي عفرين ودرع الفرات. بالطبع، هذا سيفاقم الأعباء على أنقرة التي توفّر معظم الخدمات والبنى التحتية في هذه المناطق، بيد أنه سيكون أفضل من دخول السوريين إلى الأراضي التركية، لأن ذلك يستثير أصلاً معارضة محلية ويقلّص الدعم الشعبي لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان.

عكس الإعلان الرسمي التركي في 28 شباط/فبراير عن فتح الحدود أمام اللاجئين الساعين للوصول إلى أوروبا تلك الاعتبارات والمخاوف. بيد أن المحاولة هذه لتحويل الرأي العام التركي، وانتزاع المزيد من التمويل الأوروبي للمساعدة في تخفيف العبء المتنامي، وتحفيز رد دولي (وخاصة أوروبي) اكثر فعالية على أزمة إدلب تحمل أيضا في طياتها خطر زيادة التوترات بين تركيا وأوروبا دون تحسين وضع أردوغان داخليا.

الخيار المعاكس هو استعراض قوة التصميم التركي في داخل سورية. وهذا يعني، بكلمات أخرى، أنه يتعيّن على تركيا أن تُظهر الإرادة والعزم على الرد بالمثل على أي هجوم ضد قواتها في إدلب، بأمل أن يُثبط ذلك نظام الأسد عن شن المزيد من الهجمات. وقد قامت القوات التركية بالفعل بإطلاق حملة من هجمات المدفعية والطائرات بدون طيارين على قوات النظام، وزوّدت مجموعات المعارضة السورية المسلحة الحليفة لها بصواريخ أرض-جو التي تُطلق من الكتف والتي نجحت في إسقاط مروحيتين للنظام، عدا إسقاط الدفاعات التركية لطائرتين مقاتلتين للنظام في 1 آذار/مارس. كذلك، ليس ثمة ظل من الشك بأن أنقرة منخرطة أيضاً في العملية الناجحة التي نفّذتها قوات المعارضة لإعادة الاستيلاء على مدينة سراقب في 27 شباط/فبراير وعلى طيف من البلدات والقرى الأخرى فيما بعد. لكن، حتى لو أصاب هذا الاستعراض للقوة عين النجاح، لعله لن يخدم سوى لحماية القوات التركية في المحافظة. ولكن من المحتمل أن ذلك لن يكون كافياً لردع النظام عن مواصلة هجومه العام في إدلب وغربي حلب، كما ظهر من استعادته السيطرة على سراقب مرة أخرى بعد بضعة أيام.

على أن الدلائل الراهنة تشي بأن النظام السوري يتقصّد استهداف القوات التركية، ربما لأنه يشعر، أو يعرف، أنه يحظى بالحماية الروسية. وفي الواقع، كانت تقف روسيا حتماً وراء هذه المناورة رغم ما تحمل من مجازفة، على الأقل في البداية. وربما ذلك يفسّر شدة حملة "درع الربيع" العسكرية التركية، التي ما كانت ستكون مؤثرة لو بقيت محدودة. هنا، كان من المثير للانتباه أن روسيا لم تتورّط مباشرة في الهجمات على القوات التركية. بيد أن لجوء أنقرة إلى ردود فعل عسكرية أقوى قد يرفع وتيرة المخاطرة بوقوع مجابهة سياسية على الأقل، إن لم تكن عسكرية أيضاً، مع روسيا التي تمتلك بالطبع القدرة على الرد بالمثل. مثل هذه القدرة تشمل تمكين الهجمات على الجيب التركي في شمال شرق سورية، حيث ازدادت المناوشات مؤخرا بين "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا و"قوات سورية الديمقراطية" بقيادة فعلية كردية وحشد نظام الأسد قوات إضافية.

وتشمل كذلك إمكانية تزويد حزب العمال الكردستاني داخل تركيا بصواريخ أرض-جو المحمولة على الكتف، كما فعلت سابقاً حين زوّدت تركيا المعارضة السورية بأسلحة مماثلة في أيار/مايو 2016.

هذا، وسيترتب على تركيا دفع المزيد من القوات البرية إلى إدلب، إذا ما اختارت التصعيد على نحو أقوى. وهذا سيزيد من مخاطر تكبّد الخسائر والإصابات في صفوفها، وقد يحفّز أيضا الردود الروسية المباشرة. أو في مستطاع أنقرة دفع سلاح الجو التركي إلى المجال الجوي السوري فوق إدلب، لكن هذا غير ممكن من دون ضوء أخضر من موسكو، وهو أمر غير وراد.

إلى أين يقودنا كل هذا؟

من جهة، الحرب الشاملة غير مُحتملة للغاية، لأن الأكلاف وأيضاً الأضرار التي ستلحق بالعلاقات الاستراتيجية بين تركيا وروسيا ستكون فادحة، إلى درجة لا يستطيع معها أردوغان تحمّل مثل هذه المخاطرة. كما أن التصريحات الداعمة الصادرة عن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة غربيين آخرين، ليست كافية لحفز تركيا على التخلّي عن الاستثمار الذي وظفته لتطوير علاقاتها مع روسيا.

ومن جهة أخرى، لروسيا مصلحة في عدم خسارة كل الثمار التي قطفتها في علاقاتها مع تركيا، ولا في دفع أنقرة مجدداً إلى أحضان حلفائها الأطلسيين. وهذا الأمر قد يعطي أردوغان هامشاً للمناورة يسمح له بمواصلة الردود العسكرية التركية وتدفيع الأثمان لقوات الرئيس بشار الأسد (طالما لا تتدخل القوات الروسية مباشرة لوقف الهجمات التركية)، بغية إقناع روسيا بأن تركيا لن تتراجع. وهذا قد يحمل موسكو على كبح جماح النظام السوري. ويبدو أن هذه المقاربة باتت تعطي ثمارا، فبعد تشكيك موسكو بامكانية عقد لقاء مرتقب بين أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في 5 آذار/مارس لمناقشة أزمة إدلب، عادت وأكدت أن اللقاء سيتم في موعده.

بيد أن كل ذلك مرهون بما تسعى إليه روسيا في إدلب. فسلاحها الجوي لعب دوراً رئيساً في دعم هجوم قوات النظام السوري في عام 2018، ما أدى إلى اتفاقية سوتشي لخفض التصعيد. والواقع أن معظم الضغط العسكري الحقيقي على تركيا آنذاك جاء من سلاح الجو الروسي، بدعم من مدفعية النظام مع تحركات محدودة للقوات البرية السورية. لكن حدث في بعض الأحيان اللاحقة أن روسيا امتنعت عن توفير الدعم الجوي لهجمات النظام في محافظة إدلب، ما أوحى بأنها لم تكن تسعى إلى انتزاع مكاسب استراتيجية أو سياسية معينة من أنقرة في تلك اللحظات.

ما اختلف الآن هو حجم الهجوم البرّي الذي شنّه النظام، بدعم من سلاحه الجوي، والذي حظي بدعم سياسي واستراتيجي روسي قوي. لكن موسكو لم تلعب هذه المرة الدور العسكري الرئيس. وفي الوقت ذاته، لم تحظر روسيا على القوات التركية استخدام المجال الجوي فوق محافظة إدلب، فسمحت لها ضمنا بإطلاق الهجمات المتواصلة للطائرات بدون طيارين على قوات النظام وبإخراج قاعدة النيرب الجوية العسكرية غرب حلب من الخدمة في 1 آذار/مارس.

لعل روسيا مستعدة الآن للقبول بأقل من أهدافها الأصلية في إدلب، علاما أنها ستسعى بالتأكيد لتثبيت مكاسب النظام مؤخرًا هناك. وسيكون هدف أول على الأرجح هو إعادة رسم خارطة الانتشار العسكري التركي في المحافظة، وتحديدًا سحب نقاط المراقبة التركية التي أقيمت بموجب اتفاق سوتشي في عام 2018 إلى ما وراء طريقي م4 و م5 السريعين.

بيد أن التركيز الدراماتيكي على إدلب قد يخفي في طياته استعدادا روسيا لتفاهمات جديدة مع تركيا تتعلّق بمناطق أخرى من سورية، وخاصة الحسكة ودير الزور. وبالفعل، فإن شدة التصعيد في إدلب- وتواصل الهجمات على قوات المراقبة التركية في إدلب وجرأة النظام في محاصرتها الواحدة تلو الأخرى- قد يميطان اللثام عن هدف استراتيجي أوسع. إذ يجب أن نتذكّر هنا أن روسيا ترعى محادثات بين نظام الأسد والأكراد، وربما هي تحاول تليين المقاومة التركية حيال أي صفقة قد تبرمها في دمشق، الأمر الذي قد يكون نذيراً بوضع حد للوجود العسكري التركي، وبتخلي أنقرة عن حلفائها في المعارضة السورية وعن المناطق المدنية الآمنة في الداخل السوري.

قد لا يحدث هذا الآن بل على مدى أطول، بيد أن الحريق الراهن المُحتدم في إدلب يوحي بأن ثمة أهدافاً استراتيجية أوسع قيد العمل.

*هذا المقال تحديث لمقال نشر في اللغة الانجليزية.