في 25 شباط/فبراير الماضي، أدلى نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، ببيان قد يؤدي في نهاية المطاف إلى سقوط حكومة حسان دياب. قال إن حزبه "لن يخضع لأدوات استكبارية في علاج [الأزمة المالية والاقتصادية اللبنانية]... يعني لا نقبل الخضوع لصندوق النقد الدولي ليدير الأزمة".

وقد برر نائب الأمين العام ذلك بالقول إن لبنان لن يقبل أموال الصندوق لمعالجة انهياره الاقتصادي المتدحرج، لأن مثل هذه الأموال ستترافق مع شروط قاسية لا تستطيع البلاد قبولها. ما كان مثيراً للاهتمام في ملاحظاته هو أنه ينطلق من انطباع مخطئ بأن اللجوء إلى صندوق النقد هو خيار. الحقيقة أنه ضروري.

كان جليّاً دوماً أن حزب الله لديه مشكلة مع عملية إنقاذ تتم على يد الصندوق، لأن هذا ربما يمنح هذه المؤسسة المالية سيطرة كافية على مجالات معينة في الدولة اللبنانية، بما في ذلك الشبكات الزبائنية التابعة للحزب. علاوةً على ذلك، يعتقد الحزب، ويبدو أن بيانات حلفاء الولايات المتحدة تؤكد هذا الاعتقاد، أن البعض يريد ربط مساعدة صندوق النقد بتنفيذ الحزب للمطالب الأميركية.

المشكلة هنا أنه من دون إنقاذ صندوق النقد، لن يستطيع لبنان الحصول على الأموال لتعويم اقتصاده، ولا على تلقي العملة الصعبة الضرورية لاستيراد الضرورات الحيوية، كالمواد الغذائية والوقود. وما لم يرد حزب الله أن يرى النظام برمته يتهاوى من دون أي أفق للحل، فإنه يجب أن يسوّي مشكلته حول الصندوق.

حسان دياب يعرف طبيعة المخاطر، وهذا ما دفعه إلى الإدلاء بتصريحات مُلفتة في 2 آذار/مارس اعترف فيها أن "الدولة لم تعد قادرة على حماية اللبنانيين وعلى ضمان الحياة الكريمة لهم". فرئيس الوزراء يدرك أنه من دون أموال صندوق النقد ستلقى حكومته حتفها. ولهذا تدافع المحيطون به لتلميع ما ذكره قاسم، قائلين إن دياب سيتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وإن مسؤول حزب الله كان يعبّر وحسب عن رأيه الخاص.

بالطبع، هذه قراءة متفائلة، لكنها ضرورية لفتح المجال أمام نقاش حول هذه المسألة بين دياب وحزب الله. مع ذلك، ثمة العديد من الأشياء انطوت عليها تصريحات قاسم هذه:

أولا، يبدو أنه حين يجادل بأن شروط صندوق النقد ستكون قاسية ولن يتحمّلها لبنان، لا يدرك أنه حين تنضب احتياطيات البلاد من العملة الصعبة، سيدخل اللبنانيون حرفياً في دوامة موجعة، وألمهم هذا سيكون أسوأ بكثير من أي إجراء يريد الصندوق فرضه.

ثانياً، يظهر أن قاسم لا يعي أن البلدان تملك هامشاً من المناورة في المفاوضات مع صندوق النقد، قبل أن يتدخّل هذا الأخير في اقتصاداتها. ولذا، من الأفضل للبنان أن يباشر هذه المحادثات اليوم، فيما هو لايزال حائزاً على شيء من النفوذ، بدلاً من الانتظار إلى أن ينهار كل شيء ويفقد البلد كل قدراته. والواقع أن فريق صندوق النقد الذي زار بيروت مؤخراً ربما تكوّن لديه انطباع بأن حكومة دياب لا تريد أن تنقذها هذه المؤسسة المالية.

أولئك الذين يفهمون الاقتصاد في الحكومة، ودياب من ضمنهم، يدركون أن رفض قاسم القاطع ليس مجدياً ببساطة. صحيح أنه سيكون هناك من يجادل بأن حزب الله لايهتم وأنه سيبذل قصارى جهده للدفاع عن حصته في الدولة، حتى لو عنى ذلك تدمير لبنان. بيد أن هذا تفسير متطرف للغاية، لأن الانهيار التام سيكتسح في طريقه حلفاء الحزب، ومعهم أيضاً الصرح الذي جهد الحزب لأشهر عديدة وهو يحاول الحفاظ عليه.

إضافةً إلى ذلك، إذا ما كانت المقاومة المطلقة هي استراتيجية الحزب، فإنها ليست جيدة على ما يبدو. إذ حتى إيران ساومت في اللحظات الحرجة في تاريخها ما بعد الثوري، سواء حول إنهاء الحرب مع العراق أو عبر تعليق برنامجها النووي لوقف معاناتها الاقتصادية. وهذا يعني أن الطريقة الوحيدة أمام الحزب لتجنّب صندوق النقد، هي الدفع نحو تحقيق إصلاحات اقتصادية، وقطع دابر الفساد، ووضع لبنان على سكة السلامة المالية المُستدامة. لكن، هل يمكن للمرء أن يتوقّع من حزب كان يتغذى، كما سائر الأحزاب اللبنانية، بشكل طفيلي من الدولة طيلة سنوات، ويواصل حماية طبقة سياسية خسيسة وعفنة، أن يبلور خطة اقتصادية جديرة بالدراسة؟

مع ذلك، لا مفر من الإصلاح لإخراج لبنان من النفق المظلم الذي يتخبط فيه الآن. لكن المفارقة هنا أن الأفرقاء الأساسيين في الحكومة لايزالون يعتقدون أنهم قادرون على توفير أموال من الخارج، أو أن تحويلات اللبنانيين في الخارج قد تساعد على تعويم الاقتصاد. بيد أن هذا المنطق سخيف وعبثي ولن يفعل شيئاً في أفضل الأحوال سوى شراء الوقت للمضي قدماً في طريق لن يؤدي إلى شيء. فالمصارف ستنهار، والمزيد من المؤسسات الاقتصادية ستُغلق أبوابها، والفقر والبطالة سيتفاقمان، والثورة الاجتماعية قد تنفجر، وحينها سيقبع حزب الله فوق حقل من الدمار.

من حسن الحظ أن حلفاء حزب الله لا يشاطرونه هذا الرأي بالضرورة. فوزير المالية غازي وزني يدرك المشكلة جيداً، ولا شك أنه شرحها لرئيس مجلس النواب نبيه بري. واقع الحال أن عدداً من المراقبين رأى في قرار بري استقبال الوفد الاستشاري التابع لصندوق النقد الدولي قبل أسابيع مؤشراً على انفتاح حذر لاحتمال القبول بخطة إنقاذ من الصندوق. بري يدرك حتماً أنه سيواجه وضعاً أصعب من حزب الله بكثير حينما تنفد احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية، ويصبح في عزلة عن الأسواق العالمية.

ماذا عن حسان دياب؟ في حال تحقّق مراد حزب الله، فهذا يعني أن حكومة دياب التي واجهت صعوبة في الحصول على ثقة الشعب والمجتمع الدولي، محكومٌ عليها أن تشهد انهياراً اقتصادياً لا رجوع عنه. في مثل هذا السياق، لا خيار أمام رئيس الحكومة إلا أن يضع منصبه على المحك ويبلغ حزب الله أنه إذا ما استمر في تضييق هامش حركته، سيعمد إلى تقديم استقالته. وحتى إن لم يفعل دياب ذلك، من غير المؤكّد أن تستطيع الحكومة الصمود إذا اعتبر الوزراء أن لا قدرة لهم إطلاقاً على حل الأزمة المالية. في هذه الحالة، قد يفضّلون ببساطة الاستقالة.

ثمة متشدّدون في واشنطن سيحاولون استخدام ورقة المساعدات إلى لبنان من أجل الضغط على حزب الله لتقديم تنازلات بشأن سلاحه. لكن هذا الأمر متهوّر للغاية، ومنفّر أخلاقياً لأنه من شبه المؤكّد أن حزب الله سيرفض ذلك. إذن، خطوة كهذه قد تحكم على ملايين اللبنانيين بعيش حياة من الفقر المدقع. وستثير أيضاً استياء بعض الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي، التي لا ترغب في أن تتحول هذه المؤسسة إلى فرع من فروع السياسة الخارجية الأميركية. وستسهم هكذا خطوة كذلك في إضفاء مصداقية على رؤية حزب الله بأن كل مساعدة خارجية هي حكماً مرتبطة بجهود رامية إلى إضعاف الحزب. لا شك أن حزب الله يأخذ لبنان رهينة، لكن إنزال عقوبات جماعية بالبلاد سيعني فعلياً قتل اللبنانيين من أجل إنقاذهم.

لايزال ثمة مقاومة كبيرة للإصلاح في صفوف الطبقة السياسية اللبنانية. فما من سياسي يريد التخلّي عن امتيازاته في النظام قبل أن يتخلّى آخرون عنها بدورهم. أدّى هذا الأمر إلى مأزق مدمّر وإلى رغبة مستجدّة في كسب الوقت. لكن هذه اللعبة العقيمة قد انتهت. فحسان دياب لايزال قادراً على الدفع نحو إحداث تغيير، لأن حزب الله وحلفاءه الأقرب يريدون تفادي استقالته. وإذا كان لا مفر للبنان من خطة إنقاذ تحمل توقيع صندوق النقد الدولي، وهذا هو فعلاً واقع الحال، سيتعين على دياب أن يحدّد ما ستتطلبه الأحزاب للموافقة على الخطة.