أجرت إسرائيل ثلاث انتخابات برلمانية في غضون السنة الماضية، وربما تكون الآن على عتبة انتخابات رابعة، واندفع معظم المحللين إلى التركيز على ما إذا كانت إسرائيل ستكون قادرة، غداة هذه الانتخابات الثلاث، على تشكيل حكومة تستطيع ضمان 61 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي. لكن، هل هذا كل ما في الأمر، وكل هو على المحك، خاصة إذا ما قاربنا هذه الانتخابات من منظور النزاع العربي- الإسرائيلي؟

يتعيّن القول هنا أنه فيما الانتخابات المتعاقبة لم تختلف كثيراً عن بعضها البعض، إلا انها تقاسمت كلها سمات مشتركة تميط اللثام عن بروز تحوّل جذري في تاريخ هذا النزاع.

السمة الأولى هي أن الانتخابات دعّمت ما كان العديد من المحللين يشيرون إليه: إننا نعيش واقع الدولة الواحدة. أما حل الدولتين للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، فهو لم يعد يحظى سوى بدعم حفنة من الأحزاب ذات الأغلبية اليهودية في إسرائيل. وعلاوة على الأحزاب العربية، لا يوجد هذه الأيام إلا سبعة يهود أعضاء في الكنيست يؤيدون بوضوح هذا الحل، وتبخّرت الأيام التي كانت فيها غالبية النواب الإسرائيليين يعربون عن مساندتهم القوية لدولتين إسرائيلية وفلسطينية تعيشان بسلام جنباً إلى جنب.

وهكذا، سواء شكّل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو منافسه الانتخابي بني غانتس الحكومة؛ وسواء سيكون لإسرائيل حكومة وحدة وطنية أم لا، لن يكون لكل ذلك تأثير على النزاع. إذ أن أياً من هذين المرشحين لا يبدي جدّية حيال حل دولتين قابل للحياة، فيما المتغيرات الديمغرافية تجعل من "محصلة" الدولة الواحدة (وليس بالضرورة "حل" الدولة الواحدة) حقيقة صارخة على أرض الواقع. ثم: بغض النظر عما يفكر به أي طرف من أطراف النزاع، أو المجتمع الدولي، فإننا دخلنا بالفعل مرحلة ما بعد أنموذج اتفاقات أوسلو. وبالتالي، المسألة الآن لم تعد ما إذا كان حل الدولتين مُمكناً أم لا، بل أي طراز من الدولة الواحدة سيرى النور: هل ستكون نظام فصل عنصري، أم دولة ديمقراطية، أم منزلة بين هاتين المنزلتين؟

الحصيلة الثانية للانتخابات الثلاث هي الصعود المتواصل، وربما الدائم، للكتلة العربية في الكنيست. فمنذ تأسيس دولة إسرائيل العام 1948، كان المواطنون العرب يتموجون بين الشعور بالحصار والتهميش والحيرة والبلبلة حول كونهم جزءاً من النظام الإسرائيلي، وبين إحساسهم بالتمكّن تدريجياً، وإدراك مكامن قوتهم الخاصة، والتصميم على مكافحة التمييز العنصري والتهميش، من خلال مواجهة النظام انطلاقاً من القواعد نفسها التي وضعها هو.

صحيح أن إعلان "استقلال" إسرائيل العام 1948، ضَمنَ حقوق المواطنة الكاملة للعرب، إلا أن معظم الأحزاب الإسرائيلية اليوم تدعم جهاراً وجود إسرائيل كـ"دولة- أمة للشعب اليهودي". وهذا يترك 20 في المئة من سكان البلاد غير اليهود يتساءلون عما إذا ما كان بمستطاعهم الاندراج في مثل هذا الإطار.

تبنّى القادة الإسرائيليون، من خلال الإصرار على دولة للشعب اليهودي فقط، موقفاً عنصرياً أسفر عن نتائج عكسية في الانتخابات. فالعرب قرروا الرد، ووضعوا خلافاتهم جانباً، وخاضوا الانتخابات بعد توحيد الأحزاب الأربعة في لائحة انتخابية واحدة. كما أدلى العرب بأصواتهم بأرقام قياسية وقلبوا مشاركتهم الانتخابية التي كانت ضعيفة لتقترب من مستوى المشاركة اليهودية، لا بل هم اجتذبوا أيضاً دعماً من بعض الناخبين اليهود. والحصيلة: 15 مقعداً في الكنيست، ما جعل الكتلة العربية ثالث أكبر كتلة في البرلمان الإسرائيلي، وبات من الصعب أكثر تشكيل أي حكومة إسرائيلية من دون الدعم العربي. من كان ليتوقع أن يحتل العرب في إسرائيل اليوم أكثر من ضعف عدد المقاعد في البرلمان من حزب العمل الذي كان يتزعمه ديفيد بن غوريون؟

لقد تغيّر الزمن. ففيما أصبح تطبيق حل الدولتين شبه مستحيل اليوم، يشهد النضال من أجل حقوق الفلسطينيين تطوّراً في حد ذاته. فوفقاً لتقرير صدر عن كارنيغي في العام 2017 بعنوان "تجديد الهوية الوطنية الفلسطينية: الخيارات مقابل الوقائع"، "ثمة مؤشرات على أن المقاربات التي تستهدف تأمين قدر أكبر من الحماية القانونية للحقوق الإنسانية والمدنية الفلسطينية قد ازدادت قوة في صفوف المنظّرين السياسيين والناشطين الفلسطينيين، بما في ذلك داخل إسرائيل". إذ يبدو أن أولويات الفلسطينيين تتحوّل من تحديد معالم أي حل محتمل – عبر حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة – إلى مسألة ضمان حقوقهم.

هذه العملية تجري أمام ناظرينا. فالمجتمع الدولي قادر على تحمّل الاحتلال طالما ثمة أمل بأن ينتهي الاحتلال وتُقام دولة فلسطينية. لكن في حال كان هذا الأمل معدوماً، لايمكن أن يواصل المجتمع الدولي "رفض" إقامة دولة فلسطينية وتحقيق المساواة في الحقوق. فهذا يعني فقط أن نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) يحظى بدعم دولي.

نظراً إلى أن نفوذ ومصداقية السلطة الوطنية الفلسطينية يتراجعان باطّراد، وأن نفوذ عرب إسرائيل يتنامى، يبدو أن شعلة النضال من أجل حقوق الفلسطينيين قد انتقلت من الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال إلى الفلسطينيين في داخل إسرائيل. ثمة سياسيون من عرب إسرائيل، مثل أيمن عودة وأحمد الطيبي وهبة يزبك، يطلقون المعركة من أجل تحقيق المساواة في الحقوق ويقفون ضد الصفاء الديني والإثني لإسرائيل بشكل فعّال أكثر من الشخصيات المنتمية إلى السلطة الوطنية الفلسطينية.

صحيحٌ أن هذه المعركة بعيدة جدّاً عن تحقيق أهدافها، إلا أننا نشهد تحوّلاً واضحاً في مسار هذا النضال، الذي قد يفضي إلى نتائج أفضل من المقاربات السابقة التي حاولت حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. فلا يمكن لإسرائيل أو العالم العربي تجاهل عرب إسرائيل بعد الآن.