سهى س. كنج | أستاذة الطب، ورئيسة قسم الأمراض المعدية وبرنامج السيطرة على الأمراض والوقاية منها في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت

تتسارع الأحداث المتعلقة بتفشي فيروس كورونا في كل أنحاء العالم. لكن الوضع في الشرق الأوسط ربما يكون أكثر تعقيداً من أي منطقة أخرى، لأن البلدان في هذا الإقليم هي مزيج من دول غنية وفقيرة تتباين فيها معدلات الناتج المحلي الإجمالي والبنى التحتية الصحية، كما أنها تتميّز بتواصل التوترات وعدم الاستقرار. الحروب والنزاعات المسلحة أضعفت البنى التحتية الصحية في العديد من البلدان، كما أن تدفق اللاجئين عبر الحدود ساهم في مفاقمة التحديات المتعلّقة بالرعاية الصحية. علاوةً على ذلك، للمنطقة علاقات جيوسياسية واقتصادية مع كل من الصين وإيران، اللتين برزتا مؤخراً كبؤرتين أساسيتين لتفشي فيروس كورونا المستجد في المنطقة.

ثمة الآن تباين ملفت في عدد الحالات التي يُعلَن عنها في كل من بلدان الشرق الأوسط، حيث يُعتقد أن قلة الإعلان منتشرة، سواء بسبب عدم الاستعداد للكشف عن الحالات، أو لوجود نقص في الاستعدادات لإجراء الفحوصات الطبية الدقيقة. فسورية على سبيل المثال لم تُعلن عن تسجيل أي حالة، على الرغم من روابطها الوثيقة مع إيران. والأرجح أن نظامها الصحي الهش غير قادر على كشف هذا الوباء والتعامل معه. الأمر نفسه ينطبق على اليمن. هذا في حين أن بعض بلدان المنطقة رفعت منسوب الاستنفار خلال الأسبوع الماضي وأغلقت المدارس واتخذت إجراءات أخرى للفصل بين الناس في الأماكن العامو. من جهتها، ألغت السلطات السعودية حج العمرة ومنعت الدخول إلى مكة لغير المقيمين فيها حتى إشعار آخر. والآن، بدأ بعض دول الخليج يشترط على طالبي تأشيرة الدخول شهادات طبية بعدم الإصابة بفيروس كورونا المستجد، فيما بلدان أخرى لاتزال تعلن عن إصابات محدودة.

في إيران، كان الرد بطيئاً، ما أوحى بعدم وجود استعداد للإعلان عن حالات قُبيل الانتخابات في البلاد. ويبدو أن الوفيات بين المرضى المصابين هناك هي الأعلى بعد الصين.

لا شيء يوحي حتى الآن بأن بلدان الشرق الأوسط انضمت إلى الجهود الرامية إلى مكافحة هذا التهديد الفيروسي: فالجامعة العربية تواصل التزام الصمت، ولم يُعلن عن أي اجتماع لمناقشة هذه المشكلة المتفاقمة. خسرت البلدان العربية إذاً حتى الآن فرصة التغلّب على الانقسامات السياسية، والتعاون على نحو وثيق لاحتواء تفشّي هذا الفيروس في المنطقة. لكن لم يفت الأوان بعد للانخراط في مثل هذا التعاون، خاصةً من جانب الدول الغنية التي يجب أن توفّر المساعدات التقنية والمادية والمالية لجيرانها.


 

أمير أ. أفخمي | أستاذ مساعد في الطب النفسي والصحة العالمية والتاريخ في جامعة جورج واشنطن، ومؤلف كتاب A Modern Contagion: Imperialism and Public Health in Iran’s Age of Cholera

قال كارل ماركس إن التاريخ يعيد نفسه مرتين: مرة على شكل مأساة ومرة على شكل مهزلة. والآن، لا شيء يؤكّد هذه المقولة أكثر من سلسلة السياسات المحيّرة التي طبّقها قادة إيران، والتي أسفرت عن أكبر تفشٍّ لفيروس كورونا المستجد في المنطقة. فعلى الرغم من التقدم الذي تم إحرازه في مجال العلوم الطبية الحيوية في غضون القرن الماضي، إلا أن ردود الحكومة الإيرانية على تفشّي وباء كورونا أعاقته المصالح الإيديولوجية والدينية والاقتصادية.

حذت بلدان أخرى في الشرق الأوسط حذو إيران، وعمدت غالباً إلى تغليب أولويات مصالحها المحلية غير الطبية وسياساتها الخارجية في الحظر على السفر، والحجر الصحي، وأشكال أخرى من الاحتياطات الصحية العامة. تعود هذه القيود الدينية والسياسية والاقتصادية في مجال مواجهة الأمراض المعدية إلى حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى في المنطقة. فقد لعبت الزيارات التعبُّدية للمقامات الدينية في المدن والمقابر في المقامات المقدسة دوراً مهماً في انتشار الأوبئة وتفشّيها في الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية طيلة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبالمثل، غالباً ما تكون للمصالح السياسية والاقتصادية والدينية الأسبقية على الصحة العامة. وهذا تمثّل في الطريقة التي جرى فيها تطبيق الحجر الصحي، وحظر السفر، وسياسات التعقيم، داخل الإمبراطوريتين وعلى حدودهما. يشي كل ذلك بأن القوى التاريخية الاجتماعية والسياسية هي التي لاتزال تصيغ تأثيرات الأوبئة على شعوب الشرق الأوسط.


 

باسم الشاب | نائب سابق في البرلمان اللبناني، حائز على شهادة المجلس الأميركي في الجراحة العامة وجراحة القلب والصدر

لم تحِد ردود الفعل على انتشار فيروس كورونا المستجد في الشرق الأوسط عن المسار الذي تتّبعه المنطقة عادةً في التعامل مع الكوارث. ومع أن المعاناة البشرية في مناطق أخرى من العالم تعزّز التعاون بين البشر، إلا أنها في الشرق الأوسط تفاقم التوترات الثقافية والطائفية. ففيما صدرت تقارير عن وجود حالات كورونا في إيران، عاشت السلطات الإيرانية حالة من الإنكار حيال تفشّي الفيروس في البلاد. ومؤخراً، أعلنت وزارة الصحة السورية بثقة أن سورية لم تسجّل حتى الآن حالات إصابة معروفة بفيروس كورونا.

وفي لبنان، كانت الرحلات من إيران، بؤرة المرض، لاتزال مستمرة بلا هوادة، كما أن إجراءات رصد الإصابات بالفيروس في المطار بدأت بشكل متأخر. ثمة نوازع طائفية في أرجاء المنطقة. ففيما تتخبط إيران في مواجهة وباء متفشٍّ على نطاق واسع، لم تعلن مصر سوى عن حالات إصابة قليلة، ولم تُعلن تركيا عن أي إصابة. كما أن التعاون أو تبادل المعلومات بين دول المشرق يكاد يكون معدوماً.

طال تأثير هذا الوباء أيضاً الحساسيات الدينية، إذ إن بعض الكنائس في لبنان لاتزال تستخدم الأداة المعدنية نفسها أثناء تقديم المناولة للمؤمنين. وعلى أي حال، ضرب فيروس كورونا على وتر ردود فعل معتادة في المنطقة مثل حالة الإنكار، والتأخر في الاستجابة، وموجة الخرافات والتضليل، والطائفية، إضافةً إلى نظريات المؤامرة.


 

بدر السيف | زميل غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تتركّز أبحاثه على دول الخليج وشبه الجزيرة العربية.

يُعتبر تفشّي فيروس كورونا تذكيراً قوياً بأن الشرق الأوسط لا يختلف عن سائر مناطق العالم. فقد فاقم انتشار الفيروس تحديات كانت قائمة أصلاً في المنطقة، حيث لم يعد خافياً مستوى تصدّع الأنظمة السياسيّة في بعض دول المنطقة التي شهدت انتفاضات شعبية في العقد الأخير. أماط الوباء أيضاً اللثام عن الضعف الحكومي، الذي يتجسّد من خلال انتهاج سياسات مبهمة وغير متّسقة. يُضاف إلى ذلك غياب الشفافية وآليات إدارة الأزمات، ناهيك عن اهتزاز الثقة لدى المواطنين بقدرة حكوماتهم على توفير الحماية لهم. وقد طغت الاعتبارات السياسية على التوجيهات الصحية الضرورية في عدد من الدول، ما عرّض المواطنين إلى خطر متزايد، سواء من خلال عدم وقف الرحلات من المناطق التي تشهد خطراً كبيراً، كما حصل مع الإيرانيين المسافرين إلى لبنان؛ أو تأجيل الفحوصات الطبية الضرورية، كما حصل مع المصريين المسافرين إلى الكويت. ثمة استثناءات بارزة، مثل السعودية التي نجحت، حتى الآن، في إدارة انتشار فيروس كورونا وكذلك ردود الفعل الشعبية حياله.

تراوحت ردود الفعل من حالة الإنكار إلى الشعور بالخوف. يفترض البعض أن هذا الفيروس يدخل في إطار نظريات المؤامرة، فيما يملك آخرون معلومات مغلوطة حول طبيعته. برّر انتشار الفيروس أيضاً ظاهرة الوصم العنصري. ونظراً إلى أن معظم دول الشرق الأوسط أُصيبت بالفيروس من خلال إيران، أدان المعسكر المعادي لطهران ما اعتبره تردّي مستوى خدماتها (متجاهلاً تأثير العقوبات الأميركية)، وتصرّفها غير المسؤول في التعامل مع الوباء، وذهب البعض إلى حدّ الإيحاء بأن هذا الفيروس ظاهرة شيعية تستهدف الشرق الأوسط ذات الغالبية السنية.

ثمة ردة فعل ثالثة، أكثر اتّزاناً، في صفوف أشخاص أقل تأثّراً بالإيديولوجيا، من بينهم أصحاب شركات يساورهم القلق من المضاعفات الاقتصادية لتفشّي فيروس كورونا؛ ومقيمون مُنعوا من العودة إلى وطنهم بسبب الحظر على السفر؛ وعائلاتٌ لا تريد أن تضرّ العطل الطويلة بتعلّم أطفالهم؛ وسياسيون عقلانيون سعوا إلى تنسيق إجراءاتهم الصحيّة على نحو مشترك. إذاً، يُعتبر تفشّي هذا الوباء تذكيراً لمواطني الشرق الأوسط بأوجه القصور التي تحيط بهم، بينما ينتظرون بفارغ الصبر حدوث إنجاز من خارج المنطقة يضع حدّاً لانتشار فيروس كورونا كي يستطيعوا الانكباب مجدّداً على التحديات الأخرى الكثيرة التي تواجههم.