مَنَحَت إعادة فتح الحدود التونسية- الليبية في شباط/فبراير 1988، بعد سنوات عجاف من التوترات بين الرئيسين الراحلين التونسي الحبيب بورقيبة والليبي معمر القذافي، مدينة بنقردان التونسية موقعاً مركزياً كمحور للتجارة عبر الحدود، عبر نقطة رأس جدير الحدودية. أُطلق على هذا الطريق اسم الخط. وخلال حقبة التسعينيات، حين كانت ليبيا تحت وطأة عقوبات الأمم المتحدة والحظر الدولي، قام التجار والمهربون التونسيون بتهريب السلع الغذائية، ومواد البناء، والأدوية إلى ليبيا، واستوردوا في المقام الأول الوقود المُكرر.

غداة تعليق الحظر العام 1999، أصبحت ليبيا مركزاً إقليمياً لاستيراد وإعادة تصدير السلع إلى البلدان المجاورة، فجرى استيراد السلع الاستهلاكية، والأدوات المنزلية، والأقمشة، والمعدات من آسيا، وأُعيد تصديرها إلى تونس. كان النفط الليبي حيوياً للاقتصاد التونسي، وقد أمدّ المهربون التونسيون ليبيا بسلع ممنوعة كالمشروبات الكحولية، فيما زوّد المهربون الليبيون تونس بالتبغ.

كان الخط في البداية قصراً على جنوب تونس، لكنه سرعان ما تمدّد إلى المناطق الوسطى مع تنامي تدفق السلع والمعدات. وقد ترافق هذا التوسّع مع تدفق سيل من الفقراء إلى المنطقة، بعد أن اجتذبت العائدات والثروات التي تُوفرها التجارة عبر الحدود الناس من المناطق الوسطى التونسية.

يُطلق السكان في جنوب شرق تونس على الخط اسم "خط ليبيا". وهذا يعكس الخريطة الذهنية لهؤلاء السكان، لأن أولئك الذين يقطنون المنطقة لطالما كانوا معتمدين على ليبيا اقتصادياً أكثر من اعتمادهم على تونس. ويبدو شعور مدينة بنقردان بأنها تقاطع طرق جلياً في أسماء العديد من الأحياء في المدينة: فالتقاطع الرئيس يُدعى "مفترق المغرب العربي"، وهو يجسّد ارتباط المدينة ببعدها الإقليمي بكونها همزة الوصل التي يمر عبرها الناس والبضائع.

والحال أن هوية المدينة كمركز إقليمي يربط بين الجزائر وتونس وليبيا لها أساس راسخ، حيث يلعب تجار العملة في المدينة دوراً في نقل الأموال من الجزائر إلى ليبيا وما بعدها. تجار العملية هؤلاء يقيمون في الشارع الرئيس من بنقردان الذي يُطلق عليه السكان اسم "وول ستريت". تضم المدينة 250 تاجر عملة يعملون بشكل غير رسمي وتغض السلطات الطرف عنهم. هذا الشعور بأن المدينة جزء من شبكة إقليمية يوضح لماذا يُطلق على السوق المركزي فيها تسمية "السوق المغاربية".

كانت التجارة غير المشروعة عبر الحدود لعقود عدة بمثابة حقيقة اجتماعية واقتصادية راسخة تتضمّن المُتسربين من المدارس، وخريجي الجامعات العاطلين عن العمل، والموظفين الرسميين الساعين إلى اقتناص دخل إضافي. ويشير السكان إلى مثل هذه النشاطات على أنها "العمل على الخط"، وهي تشمل نقل البضائع، وبيع السلع والوقود في منافذ غير قانونية على طول الطريق. ومن قابس إلى بنقردان، ثمة عشرات المنافذ من هذا النوع لتزويد السيارات والشاحنات بمنتجات النفط الليبي المستورد بشكل غير مشروع. هذه الأماكن لاغنى عنها لتوفير الوقود الرخيص للمستهلكين في المناطق المُفقرة في جنوب تونس. ولذا، تتسامح السلطات مع المهربين.

في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، كان اقتصاد الحدود مُنظّماً بإحكام على يد أجهزة الأمن التي وفّرت الحماية للتجار الذين لهم ارتباطات سياسية، وللمهربين وتجار العملة. وهذا ولّد ريعاً كان دوره حاسماً في إبقاء السكان قيد السيطرة. كانت الرُشى والجزى مقابل الحماية التي تجمعها أجهزة الأمن، تسمح للنظام بضمان ولاء هذه الأخيرة له. وعلى الجانب الليبي، استخدم نظام القذافي الموارد الحدودية لتعزيز سطوته، عبر الاستلحاق ومنح المزايا لبعض القبائل والفئات الاجتماعية على حساب أخرى. كان مسموحاً للقبائل الموالية وحدها الاشتراك في اقتصاد الحدود.

أدى سقوط نظامي بن علي والقذافي إلى عرقلة اقتصاد الحدود. فالتنافس بين الجماعات المسلحة في غرب ليبيا تفاقم، وفشلت الحكومات المتعاقبة في طرابلس في السيطرة على الحدود أو تنظيم هذه المنافسة على الموارد الحدودية. أقامت الجماعات المسلحة حواجز على طول طريق رأس جدير بهدف زيادة العائدات من خلال فرض ضرائب غير رسمية وسداد الجزى مقابل الحماية. ومنذ العام 2014، واجه التجار التونسيون من بنقردان الذين يعملون على الخط احتمالات المعاملة القاسية، ومصادرة البضائع، والخطف، والسرقة.

بدءاً من العام 2016، تباطأت النشاطات الاقتصادية عبر الحدود، بسبب التفكك الكثيف لخطوط الإمداد الليبية. لكن، لم يكن الوضع الاقتصادي والأمني الكئيب في ليبيا هو العامل الوحيد الذي أثّر سلباً على اقتصاد الحدود. فمنذ العام 2015، أحكمت السلطات التونسية قبضتها الأمنية مجدداً على طول الحدود، بعد أن دفعها تضخم الهجمات الإرهابية ذلك العام إلى تعزيز إجراءات الأمن، من خلال بناء حاجز ترابي يحفّه خندق بطول 250 كيلومتراً يغطي نصف مسافة الحدود بين البلدين. كما أُقيمت منطقة عازلة عسكرية على طول الحدود، ونُشرت في أرجائها أعداد كبيرة من قوات الأمن. مثل هذه الإجراءات كان له تأثير ثقيل على شبكات التهريب، وأضعفت سلاسل الإمداد على كلا جانبي الحدود.

وبالتالي، وبعد أن أصبحت الحدود أكثر خطورة بكثير، باتت الشاحنات الليبية المحمّلة بخزانات وقود إضافية الخيار الوحيد لتزويد بنقردان بالوقود الرخيص.

فاقم انحسار الخط كشريان حياة والحد من عمليات التهريب التوترات في هذه المنطقة التي لطالما عانت من الإهمال. وعلى الرغم من مبادرات المصالحة التي قامت بها المجالس البلدية على كلا جانبي الحدود في العام 2018، بهدف بث الروح في عروق التجارة عبر الحدود، يبدو أن ديناميكية اقتصاد الحدود تبدّدت.

علاوةً على ذلك، أسفر الهجوم الذي شنّه المشير خليفة حفتر على طرابلس في نيسان/أبريل 2019 إلى شل منطقة غرب ليبيا، ما ترك بصماته بعمق على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في جنوب تونس. وهكذا، وعلى الرغم من أن الخط أفاد لعقود من مرور السلع والموارد الأخرى، إلا أنه يؤدي أيضاً إلى اللااستقرار في خضم حقبات النزاع.


 

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.