جوزيف باحوط | باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي

بموازاة المنحنى التصاعدي الذي تسجّله الإصابات بفيروس كورونا المستجد، ينبغي علينا الانتباه إلى المنحنى التنازلي الذي تسجّله أسعار النفط، التي تدنّت إلى مستويات غير مسبوقة – أي بالمعدلات الحقيقية إلى الأسعار القريبة من تلك التي سجّلها النفط في الفترة السابقة للصدمة النفطية العام 1973. وقد يؤدّي ذلك إلى تداعيات إقليمية مدمّرة.

في ظل هذه الظروف، قد يتم تأجيل، إن لم يكن إلغاء، رؤية السعودية 2030، وهي الخطة الرامية إلى إنهاء اعتماد المملكة على النفط. ستسجّل السعودية عجزاً هائلاً في الموازنة في غضون ستة أشهر، وستحطّم أحلام ولي العهد محمد بن سلمان، وسيلي ذلك جملة من التعديلات والإصلاحات. وسيلجأ ولي العهد على الأرجح إلى إجراءات أكثر سلطوية للحفاظ على نفوذه. لكن عدم قدرته على توزيع العائدات الناتجة من الريع النفطي لاحتواء السخط سيسفر عن تزايد خطر حدوث اضطرابات.

إن انهيار الأسواق النفطية سيترك أيضاً بصماته بعمق على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط. ونظراً إلى إغلاق أسواق العمل في الخليج، سيسفر صرف ملايين العمّال الآتين من مصر والسودان ودول المشرق عن مشاكل اجتماعية في هذه البلدان التي تواجه أساساً تحديات ضخمة.

وستصبح الأنظمة السلطوية أكثر تقارباً من بعضها البعض على الأرجح، ساعيةً إلى تضييق شقة خلافاتها. أحدث مثال على ذلك تقرّب الإمارات العربية المتحدة من الرئيس السوري بشار الأسد. وفيما تواجه الولايات المتحدة شبح الركود الذي لا مفر منه، وتعاني روسيا من الإفقار بسبب اعتمادها على النفط، وتتّجه الصين على الأرجح نحو شراء المزيد من النفط الرخيص من إيران، ستصبح القوى العالمية أقل قدرةً على التحكيم أو فرض ديناميكيات محددة في الشرق الأوسط، ما يمنح القوى الإقليمية المتوسطة هامشاً أوسع للتصرّف كما يحلو لها.


 

ناثان. ج. براون | باحث أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

شكّل فيروس كورونا الجديد مصدراً لمصاعب جمّة على مستوى التوقعات. ويتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف سيؤثّر هذا الوباء على الدول التي كانت سياساتها حتى الآن متوقّعة للغاية، سواء في مصر حيث يُحكَم المصريون من قِبَل أنظمة سلطوية مترسّخة، أو لدى الفلسطينيين الذين يعانون من الاحتلال والانقسامات. ستتفاقم مشاكل هؤلاء على الأرجح.

لن يبقى خيار المظاهرات الشعبية على الأرجح قائماً في الفترة المقبلة، وهي كانت الخطر الوحيد الذي هدّد الأنظمة السلطوية طيلة العقد المنصرم. وعندما تُطلق مجدداً شرارة المظاهرات، قد تقف في مواجهة أجهزة أمنية عزّزت قدراتها على مراقبة المجتمعات وضبطها. مع ذلك، يمكن القول إنه من غير المحتمل أن يُسفر تشديد الرقابة على المواطنين عن حوكمة أكثر فاعلية. فالتحديات التي يفرضها الوباء على الحوكمة ضخمة بالنسبة إلى كلٍّ من الأنظمة السياسية الراسخة، والديمقراطيات الليبرالية، والمجتمعات المزدهرة. أما الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط، فالأرجح أن يكون أداؤها أقل جودة، وستكون النتيجة سياسات مُذرّرة ومثيرة للنفور.

لكن، ثمة هنا منحى موازن وإن كان طفيفاً. فالأنظمة التي تفاعلت عكسياً مع الفيروس من خلال نفي تأثيراته المحتملة، دفعت ثمناً باهظاً، وبعضها تطوّر ( وإن بعد تأخير مأساوي) من خلال اكتشاف مقاربات أكثر صدقاً حيال التعاطي مع الوباء بكونه تهديداً للصحة العامة وليس فقط لأمن النظام. قد يكون هذا درساً مفيداً، بيد أن حفنة ضئيلة من الأنظمة تبدو مستعدة لتطبيق هذا المنحى في مجالات أخرى.


 

زها حسن | باحثة زائرة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

سيكون من الأهمية بمكان، مع تفشّي فيروس كورونا المستجد في العديد من المجتمعات، معرفة ما إذا كانت السلطات في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة ستتعاون، أم لا، لدرء هذا الوباء. هذا ناهيك عن أنه يُحتمل أن تكون لهذه الأزمة تأثيرات على الجهود الأميركية والإسرائيلية لفرض تسوية سياسية على الفلسطينيين.

كان التعاون بين المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين طيّباً حين ظهرت أول إصابة بفيروس كورونا في الأراضي المحتلة في 5 آذار/مارس الماضي. إذ هم شكّلوا لجنة مشتركة، وتشاطرت إسرائيل لوازم الفحص الطبي مع الفلسطينيين، وأفرجت عن شطر من عائدات التخليص الجمركي التي كانت تل أبيب تحجبها عن خزينة السلطة الفلسطينية، وذلك بهدف مساعدتها على شراء المواد الضرورية لمكافحة الفيروس. لكن إسرائيل أجبرت مؤخراً عمّالها الفلسطينيين المرضى على العودة إلى الأراضي المحتلة، من دون أي تنسيق مع السلطة الفلسطينية، ودمّرت عيادة ميدانية مؤقتة لفلسطينيين يعيشون في غور الأردن، وواصلت نسف منازل فلسطينية وبنى تحتية؛ وكل ذلك حدث فيما الفلسطينيون يحاولون الامتثال لأوامر البقاء في منازلهم والحفاظ على الصحة. كما أن تل أبيب تباطأت في ضمان أن يكون للفلسطينيين داخل الخط الأخضر- وهم مواطنون إسرائيليون- فرصة الحصول على الفحص الطبي على قدم المساواة مع جيرانهم اليهود، وواصلت حصار غزة، واتخذت إجراءات قد تعيق دخول السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية إلى المستشفيات.

في خضم هذه التطورات المُقلقة، كانت إسرائيل تتحرّك بسرعة البرق لتطبيق الإجراءات الهادفة إلى تعزيز سيطرتها على تلك الأجزاء من الضفة الغربية التي تسعى إلى ضمّها، كجزء مما يُسمى خطة ترامب للسلام. ويبدو أن الوباء يشكّل غطاء مناسباً لمصادرة أراضي الفلسطينيين وتشريدهم بالسرعة القصوى. وفيما يقذف الإغلاق الطوعي الفلسطيني بالأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أشداق الانهيار الاقتصادي، قد لا تبقى في أعقاب الوباء سلطة فلسطينية يمكن التعامل معها، ولا بالطبع فرص لتحقيق سلام دائم مع إسرائيل.


 

أتش. آي. هيلير | باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

من الصعب ألا يسفر وباء كورونا المستجد عن تأثيرات ضخمة على كل القضايا المتعلّقة بالمنطقة العربية الأوسع، خلال هذه الأزمة وبعدها. فما يُحتمل أن يفعل الوباء هو أن يكشف عن مدى ديمومة أو لاديمومة الأنظمة والسلطات في بعض بلدان المنطقة، ومدى قدرتها على البقاء. وسيميط أيضاً اللثام عن الفجوات في أنظمة الدولة، خاصة في مجال تأمين الخدمات الصحية.

أحد الأمور التي تكشّفت فصولاً الآن هي كيف دارت النقاشات في الدوائر الدينية الإسلامية حول العالم، والتي طرحت العديد من النقاط المهمة المتعلقة بتأثير السياسات على الدين. فقد شجّع علماء دينيون كثر المواطنين على تجنّب الذهاب إلى المساجد استناداً إلى دوافع الصحة العامة. وكان البعض حريصاً على أن يُعتبر موالياً للحكومة (خاصة في حالة الحكومات التي لم تدعُ إلى إغلاق المساجد)، فيما أراد البعض الآخر أن يبدو "ملكياً أكثر من الملك"، حتى حين كانت أهم السلطات الدينية، كالأزهر في مصر، واضحة حيال الحاجة إلى الانخراط في المسافة الاجتماعية، وحيال صوابية تعليق الصلوات الجماعية في المساجد.

أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن تأثير الديموغرافيا كان عاملاً مُحدداً لديمومة العديد من الأنظمة. وقد ألقى وباء كورونا المزيد من الأضواء الكاشفة على ذلك عبر إظهار مدى قدرة القطاع الصحي على التصدي له. يبدو أن الفيروس يشكّل خطراً بشكل غير متناظر على المُسنّين. ومع أن الشبان قد يصابون به، تشير الإحصاءات إلى أن المرض يؤثّر عليهم أقل. عموماً، الشرق الأوسط أكثر يفاعة من أوروبا، ما قد يُفسّر جزئياً تباين تأثيرات فيروس كورونا، حتى وإن كان من المبكر للغاية الخروج بمثل هذه الاستنتاجات الآن.


 

آرون ديفيد ميلر | باحث أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

ربما ليس ثمة مكان كان فيه لفيروس كورونا الجديد تأثيرات سياسية أو ظرفية أكثر من إسرائيل. فبعد أن أُصيب مساعد مقرّب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالمرض، عمد هذا الأخير إلى فرض حجر صحي على نفسه. لكن، ثمة هنا ما هو أكثر من ذلك: فمع وقوع 4300 إصابة و16 حالة وفاة، قد يكون هذا الفيروس القاسي الذي لا يرحم في طريقه إلى تحقيق ما عجزت عن فعله ثلاثة انتخابات في أقل من سنة، وهو تشكيل حكومة فاعلة تكون، ولو شكلاً، حكومة وحدة وطنية.

الصفقة لمّا تتم بعد، لكن ما يحفز عليها هو بالتأكيد عدم وجود خيارات أخرى يُعتد بها. فلا أحد يريد انتخابات رابعة. وفي خضم وطأة الوباء الراهن، لا يمكن على أي حال إجراء الانتخابات لأشهر عدة مقبلة، هذا إذا ما جرت. لا الليكود ولا حزب أزرق أبيض الذي يقوده بيني غانتس لديهما ما يكفي من الدعم للحصول على 61 مقعداً. أما خيار تشكيل غانتس حكومة أقلية بدعم للأحزاب العربية من الخارج، فقد اعتُبر محفوفاً بمخاطر جمّة، وغير شعبي بالمرة، وغير مستقر بالنسبة إلى غانتس المتجنّب للمخاطرة.

لذا، وحين نضع في الاعتبار وباء كورونا، ليس ثمة في الساح سوى الخيارات السيئة. والإسرائيليون الآن في حالة حجر صحي كاملة تقريباً ويتوقون إلى التوحّد لإلحاق الهزيمة بهذا المرض. وقد أعاد غانتس ترتيب أوضاعه في ما اعتبره العديد من النقاد الإسرائيليين نسخة سياسية ما من حادثة سفينة تايتانيك. إذ هو نسف حزبه ووافق على أخذ شريحة ثانوية من 17 عضواً للتفاوض مع نتنياهو حول تشكيل حكومة وحدة وطنية. وفي إطار هذا التوجّه، سيكون نتنياهو رئيس حكومة لمدة 18 شهراً، على أن يحوز غانتس على وزارات الدفاع والعدل والشؤون الخارجية، ثم يصبح هو رئيساً للوزراء بعدها بـ18 شهراً.

ربما يتقاطع فيروس كورونا مع الخيارات السيئة، لإنتاج أفضل حصيلة لإسرائيل في ما يتعلق بمواجهة الوباء. لكن، ما من شك في أن الفائز الآخر هو نتنياهو الذي سيقود إسرائيل إلى الأبد حقاً، إذ هو سيقاتل التهم المسوقة ضده من موقع قوة، وسيكون قادراً، إذا ما تفاقم الوباء، على أن يتشاطر اللائمة مع غانتس. أكثر من ذلك: بعد أن قسم غانتس حزبه ولم يعد لديه الآن سوى 17 مقعداً، بالمقارنة مع أكثر من 37 مقعداً للّيكود وحلفائه اليمينيين، وبعد أن خان حلفاءه، ليس ثمة سوى قلة تعتقد أنه سيحوز على مايكفي من النفوذ للحفاظ على صفقة المداورة. وبالتالي، لن يرى غانتس أبداً الديكور الداخلي لمقر رئيس الوزراء في شارع بلفور.


 

مارك بييريني | باحث زائر في مركز كارنيغي-أوروبا، حيث يركّز على قضايا الشرق الأوسط وتركيا من منظور أوروبي

قد يؤثّر فيروس كورونا المستجد بطرق مختلفة على فئتين من المواطنين السوريين: أولئك الذين فرّوا من الصراع الدائر في وطنهم ويعيشون اليوم في تركيا من جهة، والسوريون النازحون داخلياً في محافظة إدلب من جهة أخرى.

الغالبية الساحقة من اللاجئين السوريين الذين يعيشون في تركيا، ويبلغ عددهم 3.6 ملايين نسمة، يعيشون في شقق في المدن الكبرى. وهم يتمتعون بظروف الصحة العامة والنظافة، ويستفيدون من النظام الصحي التركي، كما أنهم مؤهّلون للحصول على المساعدة الدولية بالسيولة النقدية. إذاً، ينبغي أن يكونوا في أمان طالما أن النظام الصحي قادرٌ على التصدي للوباء. يجب أن يستمر الاتحاد الأوروبي بتقديم المساعدات إلى هذه الفئة، لكن هذا القرار بات أصعب بعد قيام الحكومة التركية مؤخراً بحثّ اللاجئين، غير السوريين بمعظمهم، على محاولة دخول أوروبا عبر الحدود التركية-اليونانية.

يُعتبر الوضع أشد تعقيداً بكثير بالنسبة إلى السوريين النازحين داخلياً في محافظة إدلب المحاذية للحدود التركية. فهم يعيشون في مخيمات لا تستوفي المعايير المطلوبة، وغير مزوّدة بأنظمة الصرف الصحي والمرافق الطبية المناسبة. إذاً، هم فئة معرّضة لخطر كبير في هذه الجائحة. في حال تم توسيع الجهود المتواصلة الرامية إلى تقديم مساعدات عبر الحدود لهذه الفئة من خلال وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، يجب عندئذٍ إعطاء الأولوية لاتّخاذ الإجراءات اللازمة من أجل احتواء تفشّي وباء كورونا.


 

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

جاء وباء كورونا ليكلّل سلسلةً من الصدمات الشديدة والمتتالية التي قادت لبنان إلى دوّامة انحدارية. فالأزمة المالية أغرقت اقتصاد البلاد في ركود عميق، وتقلّصت العائدات الحكومية إلى حدٍّ باتت معه الدولة عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات، بما في ذلك توفير الدعم إلى 1.6 مليون لبناني يٌقدّر أنهم باتوا يرزحون تحت خط الفقر. في غضون ذلك، تشتدّ حاجة القطاع الخاص إلى السيولة النقدية بسبب الضوابط غير الرسمية المفروضة على حركة رأس المال من قِبَل قطاع مصرفي يفتقر بدوره إلى السيولة، وربما أيضاً إلى الملاءة.

كذلك، يُميط وباء كورونا اللثام عن الضرورة الملحّة لزيادة الإنفاق على القطاع الصحي وشبكات الأمان الاجتماعي. ويشمل ذلك منح حدٍّ أدنى من مخصّصات البطالة إلى الأعداد المتزايدة من الأشخاص الذين أصبحوا عاطلين عن العمل نتيجة الإجراءات التي اتُّخذت لاحتواء تفشّي كورونا، وإلى العمّال المياومين الذين لا يستطيعون تحمّل أكلاف العزل المنزلي وخسارة دخلهم. تبلغ قيمة هذه النفقات عشرات مليارات الدولارات. صحيحٌ أن مستويات التكافل الاجتماعي الحاصل والدعم المقدّم من المجتمع المدني كانت ملحوظة حتى الآن، إلا أنها لا تستطيع وحدها التصدّي لهذا التحدّي الجسيم.

نظراً إلى أن مشاكل الحوكمة والانقسامات السياسية تلقي بوزرها على لبنان، يمكن توقّع استمرار توجّهات عدة: أولاً، وعلى الرغم من كل التحذيرات الصحية، يُرجّح أن تزداد أعداد الناس الذين سينزلون مجدّداً إلى الشوارع في مواجهة خيار إما الموت بالكورونا أو الموت جوعاً. وثانياً، ستلعب البلديات دوراً مهمّاً باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الوباء، مثلما فعلت إبان أزمة اللاجئين السوريين بعد العام 2011. وغالب الظن أن يؤثّر تعزيز قدرات البلديات على مستقبل الحوكمة في البلاد. وثالثاً، ستستغلّ الأحزاب السياسية أكثر فأكثر تفشّي الوباء للعودة إلى الساحة وإثبات وجودها. فقد أعلنت كل الأحزاب عن وضع خطط لمكافحة الفيروس، بما في ذلك إنشاء مراكز حجر صحي، ونشر فرق طبية، وإجراء حملات تعقيم وتطهير، وتوفير مساعدات غذائية للمحتاجين. إذاً، يبدو أن لبنان يسير نحو مزيدٍ من الانقسام السياسي وشتّى أنواع التحديات في الأشهر المقبلة، في ظل قيادة سياسية غير مستعدة لوضع أولويات البلاد فوق مصالحها الخاصة.