لطالما ندّد المسؤولون الأوروبيون في القرن التاسع عشر بالمسلمين، خاصة منهم الحجاج الدينيين، وانهالوا عليهم بالتُهم بأنهم يُسهّلون انتشار الأمراض المُعدية. لكن، هل يكون المسؤولون الدينيون المسلمون في القرن الحادي والعشرين جزءاً من الحل؟ ربما هم قادرون بالفعل على لعب مثل هذا الدور في مصر، وهم يقومون الآن ببعض الخطوات الجدّية، وإن المترددة والمُتفاوتة، في هذا الاتجاه.

بدايةً، يجب التنويه بأن وباء كورونا الجديد يضع مؤسسات الدولة في العديد من البلدان تحت رحمة توتر شديد، في الوقت الذي تسعى فيه هذه البلدان إلى ضمان الالتزام بالإجراءات غير المسبوقة في مجال الصحة العامة؛ وهي إجراءات يُحتمل أن يُسفر نجاح تطبيقها المفروض فرضاً عن إسباغ الصدقية والمقبولية على من يُنفذها. وهنا، حتى الدول التي لديها أجهزة إكراه ثقيلة الوطأة، سيكون في وسعها أن تأمل بتحقيق قدر كبير من التزام العامة بهذه الإجراءات لضمان نجاحها. لكن، في حين أن مؤسسات الدولة المصرية تكون مُجلجلة حين يتعلّق الأمر بأمن النظام، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت تحظى بالمصداقية لتمكينها من توفير أي شيء أكثر من التعاون القسري. إذ حين يأتي الأمر إلى اعتقال من يُتهم بنشر المعلومات الزائفة، تكون هذه المؤسسات أكثر فعالية بكثير من قدرتها على نيل المقبولية الشعبية حيال المعلومات التي تطرحها هي.

هناك لدى كبار المسؤولين المصريين نمطان من ردود الفعل اللذان يؤديان إلى تقويض هذه الصدقية: الأول، أنهم ينشرون تطمينات غامضة تريد أن توحي بأن كل شيء هو قيد بنان السيطرة، ويُعتّمون على الخطر أكثر من العمل على السيطرة عليه. والثاني، أنهم يضعون الأولوية القصوى للحفاظ على أمن النظام، من خلال مواصلة توقيف عدد ضخم من السجناء في ظروف تؤدي حتماً إلى انتشار الوباء. صحيح أنهم تراجعوا قليلاً عن رد الفعل الأول، لكن لم يطرأ سوى تغيّر طفيف على النمط الثاني. وفي مجتمع له شبكات اجتماعية متشابكة معاً بقوة وتتبادل المعلومات بوسائل يمكن للمؤسسات الرسمية أن تحرّكها وتُوجهها لكن ليس قمعها، هل ثمة بعد بديل ما يحظى بمصداقية؟

يمكن للمؤسسات الدينية الرسمية أن تكون ركيزة وسنداً مُحتملين للدولة ذات القبضة الثقيلة. إذ هي قد تكون الأطراف الأكثر موثوقية في أجهزة الدولة، حيث يطرح شيخ الأزهر أو المفتي الأكبر للديار المصرية نفسيهما (ويعتبرهما الكثيرون أيضاً) خادمي الله والمصلحة العامة على وجه العموم. وبمعنى ما، تتحسّن هذه الصدقية لأنهما يفتقدان إلى السلطة القسرية وحتى إلى درجة من الاستقلالية الذاتية عن النظام. في وسعهما الوعظ، وبث الخوف، والنصح، والإرشاد، لكنهما غير قادرين سوى على فرض حفنة ضئيلة من الأمور.

معروفٌ أن الشخصيات الدينية المحلية، كأئمة المساجد على سبيل المثال، تقبض رواتبها من الدولة، لكن غالباً ما يٌقارَبون ليس كموظفين رسميين بل كشخصيات يمكنها حل المشاكل الشخصية، والتوسط في النزاعات، وتقديم الإرشادات العملية. وعلى الرغم من أنهم غير حائزين على السلطة الدينية الكاملة على غرار هيئة كبار العلماء التي تتربع على قمة مؤسسة الأزهر، إلا أن الشخصيات الدينية المحلية تُوفّر التواصل وتُبدي الاستعداد للانخراط في الشأن الديني مع المواطنين.

بالطبع، الهياكل الدينية للدولة ليست مُتحرّرة تماماً من سيطرة الدولة. فالمساجد مخفورة ومراقبة، والخطب تُلقى بتوجيهات رسمية. ووزارة الأوقاف الدينية، المسؤولة عن إدارة المساجد في كل أنحاء البلاد، هي جزء من الذراع التنفيذي للدولة وترأسها حالياً شخصية لا تبدي كبير اهتمام بأن تبدو وثيقة الصلة كثيراً بالنظام. في وسع هذه الوزارة معاقبة الدعاة، وإغلاق المساجد خارج فترات الصلاة، واتخاذ إجراءات إدارية لفرض مشيئتها. وربما لهذا السبب بالتحديد تتمتع هذه الهيئة بسطوة سياسية أكبر، لكن بسلطة أخلاقية أقل على المجتمع المصري.

ما تتشاطره كل هذه المؤسسات الدينية هو مشاعر أبوية تقريباً حيال المسؤولية الاجتماعية. إنها مَدينة ليس لكلمة الله وحسب، بل أيضاً لمصالح وحاجات المجتمع. وهذا بالفعل ما تجلّى في أوائل شباط/فبراير، إذ قام الأزهر بسد الفراغ حين عقدت جامعته مؤتمراً حول الإجراءات الوقائية، وتوعية المشاركين (غالبيتهم من حوزة الأزهر) حول طبيعة فيروس كورونا وكيفية تجنّب الإصابة له، وكذلك وسائل المعالجة في حالة المرض.

وفي الأسابيع الثلاثة الأولى من آذار/مارس، أضحت الرسالة أكثر ثباتاً وانضمّت مؤسسات دينية أخرى إلى الركب، كلٌ بتصريفاتها الخاصة. وهكذا، نحت وزارة الأوقاف الدينية إلى التشديد على موجبات إطاعة السلطة السياسية. وفي 20 آذار/مارس، على سبيل المثال، كانت الخطبة الموحّدة التي أعدّتها الوزارة لخطباء الجمعة في مصر تركّز على وسائل مكافحة الوباء والمرض (النظافة والتديّن) وأهمية إطاعة الدولة.

وفي اليوم نفسه، عزف الوزير نفسه على إيقاع الخط السياسي للنظام، حين قال إن نشر الشائعات حول الفيروس "هو خيانة للدين والوطن". كما نحا الأزهر ودار الفتوى، وهذه الأخيرة جهاز في الدولة منوط به إصدار الفتاوى حول الشريعة، إلى التشديد على إطاعة ما هو علمي وطبي أكثر من السلطة السياسية، لكنهما واصلا ربط ذلك بالدين من خلال الزعم بأن "مخالفة الإرشادات الوقائية حرام شرعاً".

على الرغم من أن هذه التوجيهات ركّزت على ما يبدو على خطورة التهديدات على الصحة العامة، إلا أن السلوك الفعلي لهذه المؤسسات يشي بشيء آخر مختلف بعد تحركّها، ولكن بحذر شديد، نحو مسألة التجمعات العامة لأهداف دينية. ففي أواسط آذار/مارس، انفجرت علناً لبرهة الخلافات بين مؤسسات الدولة حول تعليق صلاة الجماعة، بعد أن وافقت كل السلطات الدينية على أن صلاة الجماعة لم تعد الزامية، وأنه يجب إثباط الحشود حول المقامات الدينية.

كان الأزهر قد سلك قبل ذلك نهجاً أكثر صرامة، قبل أن يتم ضبط إيقاعه. فقد أعلنت هيئة كبار العلماء في 15 آذار/مارس أن السلطات الرسمية يُمكنها إلغاء صلاة الجماعة إذا ما تطلّب الأمر، ما منح المسؤولين إجازة لم يطلبوها. والحال أن مصداقية الأزهر كانت ساطعة إلى درجة أن رئيس باكستان لجأ إليها لدعم قراره بتعليق صلاة الجمعة. لكن الإمام الأكبر للأزهر، الشيخ أحمد الطيب، كان قد أُجبر في البداية على التراجع عن قراره بتعليق صلاة الجمعة في جامع الأزهر، فيما كانت السلطات الدينية المصرية تبتدع ردّاً أكثر اتساقاً. وقد حاولت وزارة الأوقاف الدينية تطبيق سلسلة من الإجراءات المُخففة إلى درجة كبيرة، فيما كان الوزير يُعلن أن المساجد ستبقى مفتوحة وأنه لن تُغلق سوى دورات المياه، والحنفيات، وأماكن الوضوء.

وفي 21 آذار/مارس، وافقت كل المؤسسات الدينية في نهاية المطاف (بما في ذلك الكنيسة القبطية) على انتهاج خط واحد، تضمّن منع الصلوات والشعائر الجماعية، وإلغاء الاحتفالات الدينية (خاصة احتفال السيدة زينب الرائج شعبياً). لا بل عدّلت وزارة الأوقاف الآذان داعيةً المصلين إلى أداء شعائرهم في المنزل.

لكن، على الرغم من أن المؤسسة الدينية أفصحت بفعالية عن مدى خطورة الوضع واتخذت إجراءات واضحة ضد التجمعات العامة، إلا أنها كانت بطيئة وغير مُتّسقة في الذهاب إلى أبعد من مجرد تقديم الضمانات الدينية، من خلال الانتقال إلى توجيه تعليمات محددة. لكن، يمكن القول من باب الإنصاف إن الأزهر قام ببعض الإغارات في هذا الاتجاه، وغرّد على تويتر بعض المعلومات والرسوم البيانية حول قضايا مثل كيفية ارتداء الكمّامة والوقاية من الفيروس في أماكن العمل.

مع ذلك، لم يتبدَّ جهد شامل ومنسّق يوظّف الشبكات التي تديرها المؤسسات الدينية، ويتجاوز مجرد إطلاق الرسائل العامة والمواعظ والتحذيرات. هذا في حين كان يمكن الوصول إلى كل حي وكل قرية عبر التنسيق بين وزارتي الشؤون الدينية والصحة لنشر الإرشادات حول غسل اليدين من قِبَل الدعاة المحليين، أو استخدام شعائر الصلوات أو المساجد بطريقة منهجية لهذا الغرض. مثل هذه المقاربات قد تدمج الدين بتعليمات الصحة العامة، بيد أن هذا يتطلّب درجة من التنسيق بين مؤسسات الدولة. لكن هذه سمة نادرة في بُنية الحوكمة في مصر.