كارين يونغ | باحثة مقيمة في معهد إنتربرايز الأميركي. تركّز أبحاثها على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط، ومجلس التعاون الخليجي وشبه الجزيرة العربية

ما لم تتفق كل الجهات الفاعلة الرئيسة، ومن ضمنها الولايات المتحدة وروسيا، على خفض الإنتاج، ستطرأ تحوّلات على أسواق النفط العالمية من جرّاء إقفال الاقتصادات. فبعض الحقول ستكبح إنتاجها ولن تستأنفه، وقد تزداد السياسات الحمائية، ما يفرض على الحكومات تأميم إمدادات الطاقة، فتصبح تجارة النفط العالمية أقل عالمية. بالنسبة إلى السعودية، ستكون الأكلاف الاقتصادية المحلية مرتفعة، لذا ستضطر إلى الاستدانة مجدداً، واستخدام احتياطيات العملات الأجنبية وصندوق الثروة السيادية، إضافةً إلى تقليص الإنفاق على المشاريع الكبرى وحتى النفقات الاجتماعية الأساسية. سيصبح المواطنون السعوديون أفقر، وسينخفض عدد القوة العاملة الأجنبية في المملكة.

في غضون ذلك، ستشهد أسواق العمل في الخليج تحوّلاً دراماتيكياً، لكن من دون المستهلكين المحليين، ستبقى وتيرة استعادة النمو بطيئة. وستواجه الشركات السعودية شبح الإفلاس بسبب عدم توافر الدفع، ولاسيما من العقود الحكومية. كما سيتراجع دور روسيا كشريك إقليمي من خلال الاستثمارات المشتركة في صناديق الثروة السيادية والسياسة النفطية، ويُرجّح أن تضعف أيضاً جاذبيتها كمصدّر للسلاح.

ستشهد دول الخليج، ومن ضمنها العراق، عمليات هروب للرساميل، وخروج شركات الخدمات النفطية الأجنبية من السوق، وخسارة استثمارات الحافظة المالية، وتغيير السياسات باتجاه تخفيض الدعم. وستكون إمكانية الولوج إلى أسواق الدين متباينة بين دول مجلس التعاون الخليجي، وستتحمّل البحرين وعُمان العبء الأكبر في هذا الصدد. أما العراق فسيتلقّى ضربة موجعة لمصدر دخله الرئيس، ما سيعيق قدرته على تسديد رواتب العاملين في القطاع العام، ناهيك عن الإيفاء بالتزامات أساسية أخرى، فيما ستزداد عدائية إيران على الأرجح.


 

بدر السيف | زميل غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تتركّز أبحاثه على منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية

تُعاود حروب أسعار النفط الظهور مراراً وتكراراً على مسرح الأحداث، لأن أسبابها العميقة لا تُعالج دائمًا على نحو مناسب. فكبار منتجي النفط يسعون إلى موازنة سعر نفطهم وحصتهم في السوق، والهدف هنا هو الوصول إلى توازن بين هذين العاملين بما لا يؤثّر على العائدات والحصة في السوق على حدٍ سواء. لكن على الرغم من أن المنخرطين في الأزمة الحالية هما السعودية وروسيا، إلا أن أبصارهما تشخص مباشرةً نحو الولايات المتحدة خلال قيامهما بحياكة سياساتهما إزاء الطاقة، بعد أن برزت الأخيرة كأكبر مصدّر للنفط في صيف العام 2018، ولا تزال تحتل هذه المرتبة إلى اليوم.

حين اتّفق السعوديون (ومعها منظمة البلدان المصدّرة للنفط- أي أوبك) وروسيا على خفض مشترك في الإنتاج في كانون الأول/ديسمبر 2016، كانت تلك الخطوة هي العملية الأولى من نوعها منذ العام 2001، وأرادتا بذلك الحفاظ على سعر نفط تنافسي من دون التأثير على حصة السوق. كانت تلك السياسة تستهدف في نفس الوقت خدمة مصالحهما المالية، وجعل المنافسة أكثر صعوبة بالنسبة إلى صناعة النفط الصخري الأميركية. بيد أن أمريكا أضحت أكثر مرونة مع الوقت، وتمكّنت العديد من شركاتها من كسب معركة البقاء حتى في ظل أسعار نفط منخفضة. اليوم، بالنسبة إلى السعودية وروسيا، يتطلّب خفض وتيرة حروب أسعار النفط إحضار عدد أكبر من المُنتجين من خارج أوبك إلى طاولة التفاوض، على غرار الأميركيين. كما أن واشنطن لا تستطيع مواصلة الضغط على السعوديين من دون أن تصبح جزءاً من الحل.

والحال أن الاقتصاد السعودي ومعه خططه المُتمحورة حول رؤية 2030 سيتأثّر سلباً بانخفاض الأسعار وبحصة السوق غير المستقرة، حتى مع طفرة الإنتاج النفطي. وتُعتبر هذه أول حرب أسعار نفط منذ أن أعلنت المملكة عن طرح 1.5 في المئة من أسهم أرامكو للاكتتاب في كانون الأول/ديسمبر الماضي. ورغم كونه أضخم اكتتاب عام في العالم، إلا أن الرياض بحاجة إلى طمأنة السوق بأن صنع القرار بشكل متسرع لن يواصل التأثير على سياستها النفطية، كما حدث في مجالات أخرى من سياساتها.

إن حرب الأسعار الراهنة تسلّط الأضواء مجدداً على مستوى الإدارة المركزية الشديدة في كلٍّ من النظامين الروسي والسعودي. وكما أن القرار حول هذه الحرب اتُّخذ على أعلى المستويات ونُفّذ بسرعة فائقة، من المتوقع أن يحدث ذلك ثانية إذا ما اٌعتبر توزيع الحصص غير عادل من جانب أي من كبار منتجي النفط الثلاثة: الولايات المتحدة وروسيا والسعودية.


 

كارول نخلة | الرئيسة التنفيذية لشركة Crystol Energy، لندن

من الصعب توقّع نتيجة إيجابية طويلة الأمد للسعودية. قد ينجح السعوديون في إعادة ضبط قواعد اللعبة داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وفي دعوة بلدان من خارج الأوبك إلى طاولة النقاش، لكن المملكة لن تجني فائدة تُذكر حتى في هذه الحالة. ففي المدى القصير، يطرح وباء فيروس كورونا تحديات غير مسبوقة لجهة انهيار الطلب على النفط، وسيتطلّب ذلك خفض سقف الإنتاج بشكل غير مسبوق للحد من فقدان التوازن في الأسواق النفطية. وحين يحدث ذلك، سيبقى النفط الصخري الأميركي مدعاة قلق لمنظمة أوبك كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية.

الإجراء الذي اتّخذته السعودية مؤخراً أعاد إلى الأذهان ذكرى العام 1985، حين اتّخذت المملكة خطوة جريئة تمثّلت في فتح صنابير الإنتاج، ما أعاد ترسيخ موقعها كقائد فعلي لمنظمة أوبك. لكن الأسواق النفطية اليوم مختلفة بنيوياً عن السابق. فالنفط الصخري الأميركي، مع أنه أول من يخرج من السوق عندما تهبط الأسعار، سيطل برأسه مجدداً عندما تتحسّن هذه الأخيرة. يُضاف إلى ذلك أن السعودية هي الأكثر تأثراً بانخفاض الأسعار من بين الدول الأخرى الأكثر إنتاجاً للنفط وهي: الولايات المتحدة وروسيا. وفي ظل التوقعات بأن الطلب على النفط سيبلغ ذروته، حان الوقت لأن تتعامل المملكة مع برنامجها الإصلاحي بشكل أكثر جدّية، وأن تتعلّم كيف ترضى عن كونها منتج نفط قليل التكلفة.