بديهي للغاية أن يركّز العالم على الإجراءات قصيرة المدى لمكافحة وباء كوفيد-19. بيد أن حفنة فقط من البلدان، هذا إن وُجدت، لديها القدرة، أو الشهية، لمباشرة التفكّر حول كيفية التعاطي مع التأثيرات بعيدة المدى لهذا المرض. وهي بالمناسبة تأثيرات كبرى. فنحن نسمع اليوم عن تقديرات تدور حول نسبة انكماش هائلة في الاقتصاد العالمي تبلغ 11 في المئة، وحول احتمال خسارة 25 مليون وظيفة، وحول انخفاض دائم بمعدل 2-3 في المئة في الدخل المحلي الإجمالي العالمي. والحبل على الجرار.

بالطبع، لن يكون الوضع مُختلفاً في العالم العربي. بيد أن الأزمة أزفّت في وقت كانت فيه منطقة الشرق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني أصلاً تحديات اقتصادية واجتماعية جمّة وخطيرة.  فهذه هي ثالث موجة تضرب المنطقة خلال العقد الأخير (الموجتان الأولى والثانية كانتا الانتفاضات العربية التي اندلعت في العام 2011، وهبوط أسعار النفط بدءاً من العام 2014). وقد سجّلت الموجة الثانية بداية نهاية الحقبة الريعية التي اعتمد خلالها بعض البلدان على النفط لتحقيق النمو الاقتصادي والسلام الاجتماعي. والآن، فإن تقاطع هذه الموجات الثلاث خلال عقد واحد، يمكن أن تكون له تبعات كارثية، مالم تتم معالجة تأثيراتها على نحو ملائم وعلى جناح السرعة.

ثمة بلدان قليلة في المنطقة حائزة على مدى مالي لتوفير ملاءات حفز اقتصادية جدّية. كما ولّت تلك الأيام التي كانت دول الخليج تستخدم فيها عائدات النفط لإنقاذ دول في المنطقة تعاني من المتاعب. فتدهور أسعار النفط من 140 دولاراً للبرميل إلى نحو 25 دولاراً اليوم، يعني على وجه الخصوص أن الدول غير المصدّرة للنفط بات عليها أن تُواجه أقدارها بنفسها، ولن يكون في وسعها الاعتماد على الهبات الخليجية. كما سيتحتم عليها أن تتنافس مع البلدان الأخرى في العالم على الموارد العالمية.

سيكون كل على البلدان العربية، مثلها مثل بقية دول العالم، سواء خلال أسابيع أو أشهر مقبلة أن تطوّر خططاً متوسطة المدى للتعاطي مع مضاعفات الوباء. فالبطالة في المنطقة، التي هي أصلاً ضعف المعدل العالمي، ستحلّق عالياً، والعديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ستخرج من السوق، والقطاعات الأضعف من السكان ستعاني بقسوة. وبالتالي، أي خطط اقتصادية لمواجهة هذه التحديات ولمحاولة إعادة عجلة الاقتصاد إلى قدر من الحالة الطبيعية والاستقرار، ستحتاج إلى وقت، وتنطوي على تضحيات اقتصادية مؤلمة للغاية ستقع على عاتق المواطنين العاديين.

إذا ما كان ثمة وقت للإصلاح السياسي وسد شيء من فجوة الثقة بين المواطنين والدول، فأوانها أزف. إنه الآن. بيد أن أدوات الحوكمة القديمة، التي تُقرر فيها الحكومات ويستجيب لها الشعب بالرضوخ والإذعان، لم تعد تنقع. فالمسألة الرئيسة التي يجب أن تتطرق إليها الحكومات العربية الآن لا تكمن في ما إذا كانت قادرة على بلورة خطط اقتصادية، إذ هي قادرة تماماً، بل إذا ما كانت أي من هذه الخطط ستكون مقبولة من لدّن المواطنين الذين سيقبلون بتنفيذها، أو ما إذا كانت ستشعل اضطرابات اجتماعية.

لهذه الأسباب بالتحديد، يجب أن يشارك أولئك الذين سيعانون أكثر من الأزمة، أي مواطنو المجتمعات العربية، في صياغة هذه الخطط. ما قد يطرحه هؤلاء على طاولة المفاوضات ليس بالضرورة الخبرة التقنيّة، بل الشعور بأنه تتم مشاورتهم وبأنهم، في الواقع، جزء من الحل. وهذا عنصر حاسم تشتد الحاجة إليه لنيل المقبولية من المواطنين العرب.

مرّ الأردن بتجربة معبّرة في أواخر الثمانينيات، حين ضربته أزمة اقتصادية ضارية أسفرت عن خسارة الأردنيين نصف صافي قيمة الأصول بين ليلة وضحاها. آنذاك، لم تكن المساعدة المالية في طريقها إليه من دول الخليج، ولم يكن ثمة خطة اقتصادية قادرة على تحقيق الإنقاذ السريع. بيد أن الحل الذي طرحه الملك الراحل حسين انطوى على عنصر سياسي قوي: فهو نظّم أول انتخابات عامة وحرة منذ 30 سنة، ما أسفر عن ولادة برلمان شعر الأردنيون أنه يمثلهم. كما شكّل لجنة وطنية لوضع عقد اجتماعي جديد للبلاد. والنتيجة كانت رائعة وإعجازية: فعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية الضخمة التي بقيت لسنوات بعد الأزمة، تم الحفاظ على السلام الاجتماعي بفضل مثل هذه الإحاطة الكلّية وثقة الشعب بالحكومات المتعاقبة.

وبالتالي، وفيما تجهد البلدان العربية للعودة إلى سكة السلامة، لن يكون في مقدور أحد الإطلالة على مفاهيم كالثقة والإحاطة الكلية على أنها من بنات أفكار نخب سياسية منقطعة الصلة بمجتمعاتها. فهذه الأفكار أضحت ضرورية وحاسمة لأي طرف يريد الخروج من الأزمة. وفي ظل غياب مثل هذه المفاهيم، سينزلق العالم العربي إلى مرحلة مقبلة في غاية الصعوبة.

من نافلة القول إن السجل التاريخي يقف ضد هكذا محاججة. فهذه المفاهيم نادراً ما كانت جزءاً من أدوات الحوكمة في المنطقة. بيد أن العالم تغيّر. وعادات حليمة القديمة التي تم تبنيها في المنطقة- الإجراءات الأمنية والموارد المالية للحفاظ على السلم الاجتماعي- لم تعد متوافرة. ووباء كوفيد- 19 قد يوفّر فرصة ذهبية لإطلاق بداية جديدة: بداية تقود فيها الحوكمة الحميدة ومشاركة الرأي العام مسيرة تحقيق الإبلال والنهوض.