أحد أخطر التداعيات الاقتصادية التي طالت روسيا بسبب فيروس كورونا المستجد، هو انهيار أسعار النفط التي تراجعت في مرحلة معيّنة إلى أدنى مستوياتها منذ عقدَين من الزمن. وقد ترك هذا الوضع أثراً قوياً على السياسات الروسية في الشرق الأوسط.

منذ أن ضمّت روسيا جهودها إلى جهود منظمة الدول المصدِّرة للنفط (أوبك) في العام 2017 من أجل الحفاظ على الاستقرار في أسعار النفط، كانت تراقب الأوضاع موسكو متزايد، فيما عمد منتجو النفط الصخري الأميركي وسواهم ممّن لاتُقيّدهم اتفاقات خفض الإنتاج، إلى التقدم لملء الفراغ في الأسواق التي خرج منها تحالف "أوبك بلاس" (الذي يضم دول منظمة أوبك وروسيا وجهات أخرى حليفة منتِجة للنفط). وعندما أصرّت السعودية على إجراء مزيد من الخفوضات في الإنتاج في آذار/مارس 2020، على وقع تفشّي فيروس كورونا، أثار "التحذير" السعودي غضب روسيا التي أبدت معارضتها لخفض الإنتاج، ماأدّى إلى انهيار اتفاق "أوبك بلاس". فباشرت السعودية على الفور إغراق الأسواق الأوروبية بالنفط، وبدأت إيرادات الموازنة الروسية تتعرّض إلى الاستنزاف.

لطالما كانت العلاقات الروسية-السعودية مُتشنّجة. فالدولتان تسعيان خلف أهداف مختلفة جداً في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من تبادل الرئيس فلاديمير بوتين وولي العهد الأمير محمد بن سلمان التحية على طريقة "هاي فايف" خلال قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، إلا أن الثقة معدومة بين الحكومتين. لكن القادة في موسكو والرياض يتمسكون برؤية عن العالم مستندة إلى الواقعية السياسية، بما يتيح التوصل إلى اتفاقات ظرفية انطلاقاً من المصالح القومية لكل من البلدَين. لقد كان "أوبك بلاس" واحداً من هذه الاتفاقات، وقد صمد لفترة أطول مما كان متوقّعاً. ولدى انهياره، ساد شعورٌ بأن خطأً كبيراً ارتُكِب عندما سُمِح للاتفاق بأن يسقط، لكن مثل هذا الشعور بقي بعيداً من المرارة أو التراجيديا. آنذاك، اعتبر معظم المراقبين أنها مسألة وقت فقط قبل إبرام اتفاق جديد.

أبصر الاتفاق الجديد النور بعد نحو شهر فقط، وقد أدّى طرفٌ ثالث هو الولايات المتحدة دوراً كبيراً في التحفيز على إقراره. فعلى ضوء الهواجس التي عبّرت عنها صناعة النفط الصخري الأميركية، تواصل الرئيس دونالد ترامب مع كل من بوتين ومحمد بن سلمان للدفع باتجاه إبرام اتفاق بين جميع كبار منتجي النفط. وقد كرّس اتفاق "أوبك بلس بلاس" الولايات المتحدة والسعودية وروسيا في موقع القوى الأساسية الثلاث التي يعود لها القرار في مسائل الطاقة العالمية. وهكذا، فإن مابدا لعدد كبير من الروس في آذار/مارس بأنه هفوة تفاوضية تُنذر بهزيمة كبرى، تحوّل إلى مكسب جيوسياسي باهر. أما في مايتعلق بالخسائر الناجمة عن حرب الأسعار، فقد اقتصرت فقط على شطر صغير من الخسائر الطائلة التي تسببت بها أزمة فيروس كورونا.

على صعيد آخر، أفضت الجائحة إلى توقف مؤقّت في القتال للسيطرة على محافظة إدلب في سورية، والذي شكّل في أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 اختباراً قاسياً للعلاقات بين روسيا وتركيا. فقد عمد الجهاديون المُحتجزون في الجيب المحمي من القوات التركية إلى خفض أنشطتهم على نحوٍ واسع.

يتفشّى فيروس كورونا سريعاً في تركيا. وثمة مخاوف أيضاً من أن يصيب الوباء سكان إدلب حيث تشهد مخيمات اللاجئين اكتظاظاً شديداً. وإيران التي تُعتبَر لاعباً مهماً أيضاً في المنطقة، هي من أكثر الدول معاناةً جراء فيروس كورونا، وتُركّز القيادة في طهران على الإبقاء على سلطتها داخل البلاد. وفي ظل هذه الظروف، تسعى روسيا إلى ترسيخ موقعها في سورية.

إذا نظرنا قدماً، يبدو واضحاً أن أزمة فيروس كورونا لن تُفضي إلى تغييرات كبرى في السياسات الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. قد يبدو ذلك منافياً للمنطق. ففيما أنا أخطّ هذه السطور، لاتزال الجائحة في بداية انتشارها في روسيا، وتحظى باهتمام فريد من مجمل القيادة الروسية. غالب الظن أن التداعيات الاقتصادية ستكون شديدة الخطورة، إذ يتوقع خبراء اقتصاديون روس بارزون وكذلك صندوق النقد الدولي أن يسجّل إجمالي الناتج المحلي الروسي تراجعاً بنسبة لاتقل عن 5 في المئة في العام 2020، وربما تصل النسبة إلى 8 في المئة، وهذا سيثقل بشدة على موارد الكرملين المالية.

لكن السياسات الروسية في الشرق الأوسط لاتتطلّب إنفاق مبالغ طائلة. إذ يمكن الحفاظ على العملية العسكرية في سورية عند مستواها الحالي إلى أجل يكاد يكون غير مسمى. لقد تجاوزت تركيا امتحان الأزمة التي نشبت مع روسيا في مطلع العام الجاري، وسوف تبقى شريكاً لها أكثر منه خصم. ويثير اتفاق "أوبك بلاس بلاس" تساؤلات كثيرة بشأن تطبيقه في السنتين المقبلتين، لكنه أتاح تجنّب أسوأ نتيجة ممكنة لروسيا والسعودية على السواء. وفي هذه الأثناء، سيتواصل التدخل الروسي الدبلوماسي وشبه العسكري في ليبيا، حتى فيما تعمل موسكو على التوصل إلى نتيجة سياسية مقبولة. وهي حافظت روسيا على علاقات راسخة مع إسرائيل، لابل حميمة على أعلى المستويات، فيما تُبقي على روابطها مع إيران عند مستوى مُحدد. أما في مايتعلق بمصر فسوف تظل محط اهتمام خاص من روسيا كونها قلب العالم العربي.

فيما تدفع "أزمة كورونا" بالولايات المتحدة إلى التركيز على نحوٍ أكبر بعد على شؤونها الداخلية، وبالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى إظهار مشاعر قومية على نحوٍ مطرد، فإن المقاربة الأساسية التي ستعتمدها روسيا في السياسة الخارجية استناداً إلى أولوية المصالح القومية، سوف تمنحها حرية أكبر للتحرّك. وبينما تخطّ موسكو مسارها، سوف تستمر في الجمع بين الحذر الذي يحول دون التوسّع المفرط وبين الخطوات الجريئة، من أجل انتهاز الفرص التي لاشك في أنها ستظهر.