فيما يتفشى فيروس كورونا في مختلف أنحاء العالم وينشغل المجتمع الدولي بمكافحة الجائحة، تستغل بعض أطراف الحرب في اليمن اللحظة الراهنة لفتح جبهات قتالية من جديد. هكذا، وبمعزل عن حجم انتشار الوباء في أرجاء اليمن، تواصلَ القتال بين الحكومة المعترَف بها دولياً والمدعومة من السعودية؛ وحركة أنصار الله المعروفة بالحوثيين والمدعومة من إيران؛ والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، لا بل تصاعدت حدّته على بعض الجبهات في الشهرَين الأخيرين، رغم اتفاقات وقف إطلاق النار التي جرى الإعلان عنها مؤخراً. ومايثير القلق بدرجة أكبر هو أن بعض الأفرقاء يستغلون الجائحة لتحقيق أجندتهم الخاصة، دون اكتراث بحياة المدنيين.

الشهر الماضي، وبعدما وجّه أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وآخرون نداء من أجل وقف إطلاق النار في جميع أنحاء العالم خلال الجائحة التي يتسبب بها فيروس كورونا، أثار بيان وقف اطلاق النار الذي أعلنه التحالف بقيادة السعودية لمدة أسبوعَين تفاؤلاً واسعاً لدى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، وموفدين دوليين آخرين. فقد رأوا فيه خطوة في اتجاه إرساء أجواء مؤاتية للتوصل إلى وقف دائم للقتال على مستوى البلاد. ولكن الحوثيين لم يعتبروه وقفاً لإطلاق النار، وقالوا إنهم "سيواصلون القتال". في الوقت نفسه، قدّموا ما وصفوه "الرؤية الوطنية لوقف العدوان"، وطرحوا فيها العديد من الشروط المتشددة.

قبل أسبوعَين من إعلان الهدنة من الجانب السعودي، رحّب الحوثيون والحكومة اليمنية بالدعوة التي وجّهتها الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار. ولكن لم تُترجم تلك التصريحات على الواقع، فقد تواصل هجوم الحوثيون على العديد من المناطق في محافظتَي مأرب والجوف شمال شرق البلاد، ما أدّى إلى اندلاع مواجهات عسكرية واسعة مع قوات حكومة هادي. وأطلق الحوثيون أيضاً صاروخَين باليستيين باتجاه مدينتَي الرياض وجازان في السعودية، في أول هجوم يشنّونه داخل المملكة بعد الهجومَين اللذين استهدفا منشآت نفطية سعودية في أيلول/سبتمبر 2019. وقد تصدّت الدفاعات الجوية السعودية للهجمات الجديدة؛ قبل أن تشنّ السعوديون هجمات جوية عدة على مدينة صنعاء، التي يسيطر عليها الحوثيون منذ مطلع العام 2015. وفي مدينة تعز والحديدة غرب البلاد، اندلعت اشتباكات بين الحوثيين والقوات الحكومية بشكل متقطع. من جانب آخر، تصاعدت حدة التوترات في الجنوب بين القوات الحكومية المدعومة من السعودية ومقاتلي المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظات أبين، عدن، وسقطرى. وفي ذلك دليلٌ على أن الواقع على الأرض مختلف تماماً عن التصريحات السياسية. فلم تعد البيانات الرسمية التي يطلقها فرقاء الحرب سوى وسيلة لتلميع صورتهم وإلقاء اللوم في النزاع على خصومهم. إذن، لا مؤشرات بأن الأطراف المتصارعة ملتزمة فعلاً بتطبيق وقف إطلاق النار، رغم المشاورات المستمرة التي يجريها مبعوث الأمم المتحدة "عن بعد". أحد الأسباب الرئيسية في عدم الالتزام يوقف الحرب يكمن في قناعة الأطراف المختلفة بأن الحرب مَهمة لم تكتمل بعد. وليس أيٌّ منهم مستعداً للعمل على إحلال السلام قبل تحقيق أهدافه من هذه الحرب، حتى لو كان خطر كورونا يطرق الأبواب.

الحرب المستمرة منذ خمس سنوات قضت تقريباً على منظومة الصحة العامة في اليمن، مازاد من معاناة السكان الذين يرزحون إضافة إلى ذلك تحت وطأة الفقر والجوع. خلال الأسابيع الماضية، قدّمت منظمة الصحة العالمية بعض الدعم للمراكز الطبية في عدن وصنعاء والمكلا كي تتمكن من الاستجابة في حال تسجيل إصابة مثبتة. حتى تاريخه، سُجِّلت حالة إصابة واحدة فقط بفيروس كورونا؛ لكن عدداً كبيراً من العاملين في المجال الصحي يُشكّكون في الرقم لسببَين اثنين. أولاً، لأن المنشآت الطبية اليمنية غير مجهّزة لإجراء فحوص للحالات المشتبه بها. فخلال الشهر المنصرم، عاد آلاف المسافرين اليمنيين إلى اليمن من بلدان موبوءة منها مصر والصين، من دون أن تُجرى لهم فحوص لدى دخولهم عبر المنافذ اليمنية. ثانياً، يبذل الأفرقاء المتناحرون قصارى جهدهم لإخفاء الحالات المشتبه بإصابتها بفيروس كورونا، لأنهم يأملون بأن يُنظَر إلى انخفاض الأعداد بأنه دليل على قدرتهم على احتواء الوباء في مناطقهم. على سبيل المثال، بعد انتشار نبأ اكتشاف إصابات بفيروس كورونا في مناطق عدة، ألقى وزير الصحة في الحكومة اليمنية في المنفى كلمة متلفزة طمأن فيها المشاهدين إلى أن اليمن خالٍ من الفيروس. ولكنه لم يتطرق بالتفصيل إلى الخطوات التي تتخذها وزارته لمكافحة الوباء، ولم يذكر ماهي التدابير التي اعتمدتها وزارة الصحة، لإجراء فحوص على الحالات المشتبه بها.

ومايثير القلق بدرجة أكبر أن بعض الفصائل ترى في الوباء فرصة سانحة لتجنيد مزيد من المقاتلين. فعلى سبيل المثال، يقول بعض النشطاء الحوثيين في خطابهم الإعلامي إنه "من الأفضل أن يموت الإنسان وهو يقاتل في الجبهة بدلاً من أن يموت في بيته" بسبب فيروس كورونا.

تتذرع جميع الأطراف أيضاً بإجراءات مكافحة الوباء والتصدّي له من أجل كسب الأموال أو تحقيق أهدافها. وييستخدمون، في بعض المناطق، ذريعة مكافحة الوباء بهدف ابتزاز الأموال من المدنيين الراغبين في عبور نقاط التفتيش المحلية. كما يُستخدَم الوباء كمصدر آخر للحصول على الإيرادات عبر المساعدات التي تقدّمها المنظمات الدولية غير الحكومية. فقد أقدمت القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على احتجاز معدات أساسية خاصة بفيروس كورونا أرسلتها منظمة الصحة العالمية، وأبقتها في الميناء لمنع الطواقم الطبية التابعة للحكومة المعترف بها دولياً من الوصول إليها. يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي، من خطوة كهذه، إلى إيصال رسالة للمنظمات الدولية بضرورة التعامل معه مباشرةً، بغية الحصول على الاعتراف بسلطته المفروضة بحكم الأمر الواقع في عدن، التي سيطر عليها في آب/أغسطس الماضي.

التصعيد الراهن في ظل انتشار فيروس كورونا يعيد إلى الذاكرة كارثة الكوليرا في الأعوام الثلاثة الماضية، ولاتزال مأساتها حاضرة في الأذهان. فعلى الرغم من أن هذا الوباء، شديد العدوى، أصاب أكثر من مليون شخص وتسبّب بوفاة الآلاف، استمر القتال، واستغل الأفرقاء المسلحون الأزمة لكسب المال من المساعدات الدولية. غالب الظن أن جميع الأطراف سوف تعتمد المقاربة نفسها في التعامل مع فيروس كورونا، بما يكشف عن عدم اكتراثها لأعداد الضحايا، وعن الهوة الكبيرة بين مخاوف المدنيين ومصالح الميليشيات.

فيما تدخل الحرب في اليمن عامها السادس، تبدو آفاق السلام بعيدة المنال، في الوقت ذاته، قد يتسبب فيروس كورونا بتفاقم الأزمة الإنسانية بشكل مروع. والحال أن دبلوماسية الوباء التي يحاول مبعوث الأمم المتحدة استخدامها لدفع الأطراف إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات لا تلقى تجاوباً جدّياً حتى الآن. ففي الأعوام السابقة، استمرت الأعمال الحربية على الرغم من تسجيل أعداد مرتفعة من الضحايا الذين سقطوا إما مباشرةً بسبب النزاع المسلح وإما بطريقة غير مباشرة جراء الأوبئة والمجاعة. وليس ثمة مايقودنا إلى الاعتقاد بأن الأفرقاء المتناحرين سيعتمدون مقاربة مختلفة اليوم. ما يبدو واضحاً حتى اليوم، أنه لا الوساطة الخارجية ولا الوباء المستجد يستطيعان وقف هذه الحرب إذا لم تكن لدى أطراف الحرب نيّة حقيقية لوضع حد لها.