ظلّت السلطات المصرية تنفي أن تكون البلاد في خطر لأكثر من شهر، بعد أن دعت منظمة الصحة العالمية "العالم كله إلى أن يستعد" لمكافحة جائحة كورونا. ثم انتقلت إلى الإصرار على أنها تسيطر تمامًا على الموقف بعد الظهور الذي كان محتماً لحالات كوفيد-19، فيما قامت الأجهزة الأمنية بتهديد كل من يشكّك بالرواية الرسمية وبإرغام صحفية أجنبية، كانت قد أشارت إلى احتمال ارتفاع عدد الإصابات عن الأرقام المنشورة رسميًا، على مغادرة مصر. عدا عن هذه الغرائز السلطوية، طوَّرت الحكومة استجابة أكثر تماسكًا وفعالية ورفعت مستوى التنسيق بين هيئات الدولة المعنية منذ ظهور أول كتلة من حالات الوفاة الناتجة عن كوفيد-19. وكانت الحكومة قد أصدرت خططها الوقائية وخطوات تقييد الحركة الأولى في 5 شباط/فبراير، علمًا أنها لم تعلن عن حزمة متكاملة من الإجراءات سوى في 24 آذار/مارس.

بيد أن الأمر الملفت للانتباه في الرد الرسمي على جائحة كورونا، هو التقبُّل غير المعهود من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي والقوات المسلحة، على حد سواء، للبقاء في المقاعد الخلفية وترك قيادة الرد في أيدي رئيس الوزراء والوزراء الحكوميين المعنيين وخبراء الصحة العامة المهنيين. يشكّل ذلك تغييرًا ملحوظًا في سلوك الرئيس، الذي اعتاد إصدار التوجيهات شبه اليومية في الميادين السياساتية كافة، مُهمّشاً الحكومة. الأمر ملحوظ أيضًا بالنسبة إلى قوات مسلحة لطالما ناطحت سلطة هيئات الدولة المدنية في دفع التنمية الاجتماعية والاقتصادية منذ العام 2013، وزعمت أن مهاراتها الإدارية تفوق مهارات نظيراتها المدنية، وتبجّحت عن دورها في حل أزمات إمداد المواد الطبية وفي دعم نظام الصحة العامة الحكومي.

إن استعداد القوات المسلحة غير المألوف على ترك إدارة الدفَّة في أيدي المدنيين أمر استثنائي، لكنه مرحّب به. إلا أن ثمة ثلاث نواحٍ تثير القلق في استجابة القوات المسلحة لهذه الجائحة. فمن جهة أولى، اتسم استيعابها لطبيعة وحجم الخطر بالبطء الشديد، ولعلَّها غير مهيّأة للاستجابة. ثانيًا، تشكّل القوات المسلحة الوطنية في جميع البلدان ركيزة مؤسسية مهمة من الركائز الحكومية المحتملة لمعالجة الطوارئ، وبالتالي فإن أي ضعفٍ للجهوزية سيمنعها من لعب ذلك الدور. وثالثًا، ستتعرض القوات المسلحة إلى معدلات مرتفعة للإصابات في صفوفها، إذا ما أخفقت في تدارك المخاطر واتخاذ الاحتياطات اللازمة. وسيؤدي ذلك إلى زيادة الكلفة البشرية الإجمالية للجائحة وإلى تكبيد البلاد خسائر إضافية من جراء تعطيل جهازٍ مستجيب للطوارئ. فإذا كانت الثقة التي يوحي بها كل من الحكومة والقوات المسلحة تخفي بالواقع مدى انتشار وباء كوفيد-19، فقد تواجه مصر أزمة متفاقمة يصعب وقفها.

اتضح إخفاق القوات المسلحة في فهم الحجم الكامل للخطر مبكّرًا وتأخرها في اتخاذ التدابير الوقائية المناسبة، حين اجتمعت القيادة العسكرية برمتها تقريبًا حول طاولة واحدة مع السيسي في 3 آذار/مارس. أُدخل عدد من الضباط الكبار إلى المستشفى بعد أن اثبتت الفحوصات إصابتهم بالعدوى في 9 آذار/مارس. وقد نفت القوات المسلحة الخبر بشدة التقارير غير الرسمية عن وقوع الاصابات في صفوفها، إلى أن اضطرت إلى الإقرار بأن رئيسي إدارتين عسكريتين مهمتين تقوما بأشغال عامة مدنية على نطاق واسع قد توفيا، وكانا قد حضرا اللقاء مع الرئيس. ولم يصدر البيان الرسمي الأول عن القوات المسلحة بخصوص اجراءات التعقيم والوقاية سوى في تغريدة صادرة عن الناطق الرسمي باسمها في 15 آذار/مارس.

وما يثير القلق بالقدر نفسه هو استمرار العجز عن إدراك طبيعة التهديد الذي يشكله كوفيد-19. فقد صرّح الفريق كامل الوزير، الذي كان الرئيس النافذ للهيئة الهندسية للقوات المسلحة إلى حين تعيينه وزيرًا للنقل في آذار/مارس 2019، أنه "لم تظهر حالة إصابة واحدة بفيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" نتيجة استخدام المواصلات العامة". وأضاف أنه يتم تعقيم المقاعد والمقابض والمطاعم وغيرها أربع مرات يوميًا.

وبما أن مترو أنفاق القاهرة وحده ظل ينقل ما يصل إلى 900 ألف شخص يوميًا في ذلك الوقت وأن الفحوصات الطبية كانت شبه معدومة، ناهيك عن تعقّب كل حالة إصابة لمعرفة من تعرّض إلى التماس المباشر، فإن مجرد إطلاق مثل هذه المزاعم يدل على فشل ذريع في فهم طبيعة التحدي أو عِلم الأوبئة. بيد أن الوزير عاد لاحقًا ليبدي دهشته بسبب ازدياد عدد مستخدمي المواصلات العامة في 5 نيسان/أبريل، قائلًا "مِش فاهم هل مِش خايفين دلوقتي؟"

يبدو أن القوات المسلحة لا تختلف عن الوزير في فهمها للتهديد. لعل الهدف من قيامها بإرسال فِرق التعقيم والتطهير إلى بعض ميادين وشوارع القاهرة ومدن أخرى كان طمأنة المواطنين، لكن آثار ذلك محدودة. هذا، ويمكن قول الشيء ذاته عن قيام الهيئات العسكرية بتوزيع الكمّامات المجانية في القاهرة. فكما الحال بالنسبة إلى تعقيم المساحات العامة، فإن توزيع الكمامات عشوائيًا لا يضر، لكن منافعه متدنية في غياب الاستخدام الصحيح وخارج إطار حزمة أوسع من الإجراءات الوقائية.

تخدم هذه الخطوات المسعى الرسمي لإظهار سلطات البلاد على أنها تسيطر على الموقف. لكنها قد تعزّز أيضًا اعتقادًا مخطئاً لدى المسؤولين والمواطنين بفعالية وكفاية هذه التدابير، وربما تدفع إلى التلكؤ حيال المسؤولية الفردية والجماعية عن معالجة هذا التحدي غير المسبوق للصحة العامة.

يطرح ذلك مشكلة محتملة أيضًا لدور القوات المسلحة في مواجهة الطوارئ الصحية والكوارث الطبيعية. فهي تتمتع بالانضباطية والمهارات التنظيمية لمعالجة التحديات اللوجيستية الناشئة، بفضل التدريب والتجهيز لمواصلة العمل بالظروف غير الاعتيادية، بل والفوضوية، وحتى تلك التي تهدد حياة عناصرها. ويتسم الدور المحتمل للقوات المسلحة المصرية في مواجهة الطوارئ بأهمية خاصة، نظرًا إلى أن لديها نصف مليون فرد تقريبًا في الخدمة الفعلية ومثلهم في قوات الاحتياط. وتباهي القوات المسلحة كذلك بتقديم الخدمات الطبية بالمجان أو بأسعار مخفضة للمواطنين في عشرات المستشفيات والعيادات في أنحاء البلاد، وبدعم الحملات الصحية القومية.

لم تُخطئ وزارة الدفاع في الإجراءات حتى الآن. فقد أعلنت في 7 نيسان/أبريل عن تحضير 22 من أصل 45 مستشفى عسكري كمراكز عزل بِـ4000 سرير، والعمل على إنشاء أربع مستشفيات ميدانية متنقلة بِ 502 أسرّة ووضع 1.870 غرفة عناية فائقة و 1.100 جهاز تنفس اصطناعي و 11 جهاز فحص ووسائط الإخلاء الجوي في تصرف المجهود القومي. بيد أنه لم يتم اختبار هذه الإمكانيات لأن وزارة الصحة لم تكن قد استخدمت أكثر من نصف سعة المستشفيات المخصّصة كمراكز عزل حتى 15 نيسان/أبريل.

كما تعمد وزارة الدفاع إلى استيراد المواد الطبية من الخارج. ويقوم جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع لوزارة الدفاع، بإنتاج سوائل التعقيم في مصنع نصر للكيماويات التابع له. أما وزارة الإنتاج الحربي، التي وعدت بتسويق سوائل التعقيم في موعد لا يتعدى منتصف نيسان/أبريل، فقد خصصت ثلاثة من مصانعها لإنتاج الكمّامات، التي يتلقّاها مستخدمو مترو القاهرة مجانًا حين يشترون بطاقات النقل.

بيد أن الكثير من هذه الإجراءات جاء متأخراً. مثلًا، لم يبدأ إنتاج سوائل التعقيم سوى بعد مضي سبعة أسابيع على صدور التقارير عن الاحتياج العالمي إليها، وبعد ثلاثة أسابيع على ظهور النقص في البلدان الأوروبية. لكن المهم بالأمر أن هذه الخطوات باتت تطبق الآن، علمًا أن الشركات المدنية هي المصدر الأهم لهذه الاحتياجات كافة في مصر. وقد قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بتخزين المواد الغذائية، وذلك، جزئيًا، استعدادًا لحلول شهر رمضان الكريم في 23 نيسان/أبريل-فيما أعلنت هيئة الإمداد والتموين للقوات المسلحة أن لديها مخزوناً يكفي لمليون مواطن لمدة ثلاثة أشهر.

يبدو، ظاهريًا، أن القوات المسلحة مستعدة وأنها تستجيب بفعالية للاحتياجات المدنية. وسيأتي الامتحان الحقيقي إذا ما تبيّن أن كوفيد-19 منتشر في صفوفها. فقد ظهر جليًا أن الأعداد الكبيرة من العاملين العسكريين، الذين يضطرون بحكم طبيعة عملهم إلى الشغل والعيش القريب في ما بينهم، هم عِرضة بشكل خاص بعد أن أُصيب زهاء 600 بحار من طاقم حاملة الطائرات الأميركية ثيودور روزفيلت وعدد مماثل على متن حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول. أما في المملكة المتحدة، فقد تغيَّب 13.000 فرد في القوات المسلحة عن الخدمة حتى منتصف نيسان/أبريل بسبب فيروس كورونا المستجد- إما نتيجة العزل الذاتي، أو الاعتناء بالأقارب، أو العمل في المنزل- على الرغم من تدني عدد الإصابات الفعلية.

إن تأخر القوات المسلحة المصرية، بداية، في استيعاب طبيعة التهديد، إلى جانب ميلها الطبيعي إلى السرية (مثلها مثل القوات المسلحة في جميع البلدان) والتشديد على تأييد السردية الرسمية وعدم كفاية موارد الصحة العامة في بلد يعاني من نسبة أمية تفوق 28 في المئة وفقر معدم بنسبة 32,5 في المئة، يوحي بأنه لا يمكن الأخذ بتطمينات السلطات العسكرية (والمدنية) من دون أي سؤال. فكما لاحظت مجلة "إيكونوميست" البريطانية، يدل ارتفاع العدد الإجمالي للوفيات مقارنة بالمعدلات التاريخية في إيطاليا وسواها من البلدان الأوروبية، على أن العدد الحقيقي للوفيات بسبب جائحة كورونا ربما يصل إلى ضعفي الأرقام المعلنة رسميًا. والمرجح أن البلدان الأفقر مثل مصر، التي لديها سعة أقل لإجراء الفحوصات ومعالجة المصابين، تعاني بشدة، ولو كان ذلك مخفيًا.

أما بالنسبة إلى القوات المسلحة، فإن التهديد الرئيس ينبع من التقليل من حجم الخطر. وتكمن المشكلة في مسألة الاعتماد على إحصاء حالات الإصابة المؤكدة في صفوفها أو في البلاد عمومًا، في أنه يشكّل مؤشرًا متأخرًا على مدى انتشار الوباء، لأنه يأتي بعد اسبوعين من انتقال العدوى. وبالتالي، يترتب على القوات المسلحة أن تضع نظامًا للإنذار المبكر، يتكوّن من مجموعة متنوعة ومتكررة من الفحوصات، وإلا سيتعرض العسكريون إلى مخاطر كبيرة. وينبغي على القوات المسلحة، على الأقل، أن تلغي عمليات النقل والتبديل والمناورات التدريبية، وأن تخفض عدد العاملين في الخدمة الفعلية، وأن تستدعي أفراد الاحتياط من ذوي الاختصاصات ذات الصلة-وكل ذلك فعلته وزارة الدفاع البريطانية، على سبيل المثال. وحتى في سورية، وعلى الرغم من حالة الحرب، قامت وزارة الدفاع بتعليق الخدمة العسكرية الإلزامية بحلول 20 آذار/مارس، ثم أعلنت عن تسريح آلاف أفراد الاحتياط في 29 آذار/مارس، تقليصًا لخطر انتشار الوباء. وبالتالي، يجدر بالقوات المسلحة المصرية ألا تقصّر في ذلك. بل عليها أن تُعِد خطة لحماية القوات وأن تضعها موضع التنفيذ لجميع الافراد والإدارات التي خصصتها لإسناد الهيئات الصحية المدنية.

بيد أن الأمر المقلق هنا هو أن القوات المسلحة تحذو حذوى السيسي، وليس الحكومة، في ما يتعلق بالسياسات. إذ أن تخوفه من آثار الإجراءات الوقائية ضد جائحة كوفيد-19 جعله يستثني قطاع البناء والانشاءات من الالتزام بالإغلاق، وهو القطاع الذي يساهم في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 16 في المئة ويُشغل 20 في المئة من القوة العاملة تقريبًا. صحيح أنه قدّم إشارة إيجابية على قبوله بالمخاوف الصحية حين أجّل تدشين "المشروعات القومية" عن مواعيدها المحددة في 4 نيسان/أبريل، وشمل ذلك العاصمة الإدارية الجديدة التي تشرف عليها الهيئات العسكرية. غير أن اللواء المشرف على هذا المشروع الأخير صرّح بأن العمل لم يتوقف "ثانية واحدة"، وصدرت الأوامر للعمال بالمكوث في موقع العاصمة الجديدة لمدة شهر كامل لتقليل احتمالات انتشار الوباء.

وفي 12 نيسان/أبريل، جدّد السيسي توجيهاته بمواصلة العمل في أعمال بناء الطرق السريعة والقومية التي تديرها الهيئات العسكرية ومتابعة "تحديث منظومة النقل بشكل كامل". وأظهر مقطع فيديو انتشر انتشارًا كبيرًا الرئيس وهو يوبخ ضابط عسكري على سماحه للعمال في أحد مشاريع انشاء النقل بأن يعملوا من دون كمامات. بيد أن ذلك لم يؤكد سوى على عدم كفاية التصريحات الصادرة عن السيسي والوزير ومسؤولين آخرين بتطبيق "أعلى درجات الإجراءات الوقائية لتوفير مقتضيات الأمان والرعاية الصحية للعاملين بالمواقع المختلفة من المشروعات القومية". هذا، وتبيّنت أولوية الاعتبارات السياسية في استجابة القوات المسلحة للخطر الصحي في تبرعها بمبلغ مئة مليون جنيه (6.35 مليون دولار) من ودائعها الخاصة إلى صندوق "تحيا مصر" الذي أسسه السيسي العام 2016، "لدعم جهود الدولة في مجابهة انتشار فيروس كورونا".

في أحسن الأحوال، سيؤدي نجاح مقاربة الحكومة المصرية لمكافحة الجائحة إلى إثبات قدرة أجهزة الدولة المدنية وإلى تشجيع السيسي على تقييد تدخلاته واستخدامه للقوات المسلحة في مجالات السياسات والاختصاصات المدنية الحكومية. أما الفشل، فقد يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ يرجح عندئذٍ أن يتكل السيسي اتكالًا أكبر على القوات المسلحة. وسيشكل ذلك امتحانًا صعبًا لها.

لاحظ عالم الاقتصاد دارون عاصم أوغلو مؤخرًا أن نظم الحكم السلطوية "تُظهر قدرة ضعيفة للغاية على صوغ السياسات... ويعتاد العاملون البيروقراطيون في هذه البلدان على مدح رؤسائهم والموافقة وقبول أوامرهم بدلًا من استخدام خبراتهم [أي العاملين] لحل المشاكل". لقد اعتادت القوات المسلحة المصرية إجراء المناورات التدريبية التي تسير بموجب خطط معدة مسبقًا ينعدم فيها عنصرا المفاجأة والمبادرة. ولعلها تكتشف الآن، بالتالي، أنها ليست جاهزة إطلاقًا، لمعالجة الموقف إذا ما سقطت استراتيجية الاحتواء المطبّقة حاليًا أمام تحدي كورونا المستجد.