بينما رحّب طرفا الحرب في اليمن باقتراح الهدنة في 26 آذار/مارس الماضي الذي طرحته الأمم المتحدة لوقف الاشتباكات المسلحة في كل مناطق العالم بسبب أزمة فيروس كورونا، تأخّر إعلان الهدنة فعلياً نحو أسبوعين من جانب المملكة العربية السعودية، بينما قوبل هذا الإعلان برفض حوثي بحجة أنه التفاف إعلامي على ما يفترض وقوعه، وهو وقف فوري للحرب ورفع الحصار.

تلا الإعلان السعودي للهدنة مباشرةً تقديم الحوثيين تصوّرهم لوقف الحرب إلى مكتب المبعوث الأممي، وهو عبارة عن مطالب موجّهة إلى السعودية من دون أي تنازل منهم سوى وقف استهدافهم لهذه الأخيرة بالصواريخ، ومن دون ذكر لخصومهم المحليين في اليمن مثل مشاركتهم في حكومة وطنية كحد أدنى من التسوية الداخلية.

واضحٌ من رد فعل الحوثيين لإعلان الهدنة السعودي وقائمة مطالبهم أنهم في حالة استرخاء وعلى غير عجلة من أمرهم إانهاء الحرب التي تشكّلت أثناءها سلطتهم على معظم أجزاء ما كان يعرف باليمن الشمالي قبل الوحدة اليمنية العام 1990. فالحرب وفّرت لهم غطاء شرعية يفتقدونها في مجتمع تركيبته معقّدة، خاصة مع فشلهم في تشكيل تحالفات سياسية، تَمثّل آخر فصوله في قتلهم حليفهم الرئيس السابق علي صالح في كانون الأول/ديسمبر 2017. كما أن الحرب تعطي الحوثيين حجة لتبرير الأزمة المعيشية الحادة والتغاضي عن سوء إدارتهم وفسادهم.

في الجانب الآخر، تعاني السعودية اقتصادياً من كلفة حرب اليمن، خاصة بعد انخفاض أسعار النفط والأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق بسبب فيروس كورونا. كما تعاني عسكرياً وأمنياً بعد أن أضحى الحوثيون أكثر خبرة في مجال تهديد أمن السعودية الداخلي واستهداف أراضيها. وسياسياً, أساءت حرب اليمن إلى سمعة السعودية دولياً بشكل لا سابق له.

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم بين طرفي الحرب اليمنية في كانون الأول/ديسمبر 2018 الذي أوقف هجوم القوات الموالية للتحالف في الساحل الغربي- الشمالي لانتزاع ميناء الحديدة من سيطرة الحوثيين، صارت كفة الحرب تميل لصالح الحوثي بشكل كبير، وتزايدت هجماتهم على السعودية وأبرزها تبنيه لهجمات أرامكو، وإن كان العديد من التقارير يؤكد أنهم ليسوا وراء هذه الضربة الموجعة.

من ناحية الجبهة الداخلية، كان سقوط جبال نهم في أيدي الحوثيين في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي يعد تقدّماً عسكرياً كبيراً. إذ إن نهم سلسلة جبال تقع على بعد 40 كم شرق العاصمة صنعاء، وهي مدخل الطريق نحو المحافظتين الشرقيتين الجوف ومأرب. وكانت القوات الحكومية استولت على هذه الجبال في آب/أغسطس 2016.

أعقب هذا النصر العسكري للحوثيين تقدم آخر مهم نحو محافظة الجوف وإسقاط عاصمتها الحزم، ما يمكّنهم من محاصرة محافظة مأرب من كل الاتجاهات. فمن شمال محافظة مأرب تتواجد قواتهم في محافظة الجوف، ومن الجنوب في محافظة البيضاء. كذلك، يضغط الحوثيون في الجنوب الغربي من المحافظة على منطقة أخرى متنازع عليها ضمن المحافظة وهي صرواح، وأخيراً في الغرب من جبال نهم.

كانت مأرب تتمتع باستقرار نسبي منذ بدء الحرب العام 2015، ما جذب إليها النازحون من مناطق النزاع في شمال اليمن، خاصة تلك المناطق القبلية التي خاضت معارك مسلحة ضد الحوثيين مثل حجور والجوف، وخشي أهلها من العودة إلى ديارهم وانتقام الحوثيين منهم. وهكذا، تضخّم عدد سكان المدينة من 300 ألف قبل الحرب عشرة أضعاف ليصبح ثلاثة ملايين، وهذا يزيد من خطورة أي تصعيد عسكري على هذه المدينة وسيشرّد ملايين الأشخاص ويضعهم أمام مصير مجهول، خاصة بعد تزايد النزعة العنصرية ضد الشماليين في الجنوب.

الآن، ومع انشغال العالم بكورونا، يحاول الحوثيون التقدّم نحو مأرب ذات الأهمية الجغرافية والسياسية والاقتصادية الكبيرة. فمن ناحية الموقع، تفتح مأرب الطريق نحو محافظات جنوبية ثرية مثل شبوه وحضرموت، كما أن سقوطها سيؤدي تلقائياً إلى السيطرة على بقية ما كان يعرف باليمن الشمالي، بما فيها محافظة تعز بساحلها.

من الناحية السياسية، لا تقل مأرب أهمية، فهي آخر معاقل الحكومة المعترف بشرعيتها دولياً بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، ثم سيطرة الانفصاليين الجنوبيين على عدن العاصمة المؤقتة في 2019. كما أنها آخر ملجأ للمعارضة السياسية للحوثيين في الشمال، خاصة حزب الإصلاح (تجمع سياسي للإخوان المسلمين والقبائل).

الأهم هو الثروة النفطية التي تتمتع بها المحافظة. إذ لا توجد تحت سيطرة الحوثيين أي منطقة نفطية. فمأرب فيها حقول غاز ونفط يصل إنتاجها إلى عشرين ألف برميل يومياً نصفها للإنتاج المحلي، كما تضم مصفاة صافر، إحدى مصفاتَي النفط في اليمن.

هذا لا يعني أنها ستكون معركة سهلة، لأن القبائل في مأرب قوية وذات نزعة استقلالية ولديها ضغائن تاريخية مع الحركات الزيدية، بسبب رفضها الهيمنة السياسية من القبائل الزيدية الشمالية. كما أنها ككل قبائل اليمن تخشى من العمليات الانتقامية التي يقوم بها الحوثيون حين يسيطرون على منطقة ما، كتفجير المنازل والقتل والاعتقال، ما يفقد المشايخ القبليين هبيتهم وقوتهم.

ثمة ثلاث سيناريوهات في معركة مأرب: الأول ، هزيمة الحوثيين، ما قد يغير مزاجهم الانتصاري ويدفعهم إلى تقديم تنازلات سياسية توفّر مخرجاً للحرب يحفظ ماء وجه السعودية، خاصة أن وضع الحوثيين الاقتصادي سيظل صعباً بسبب كثافة سكان مناطقه وافتقاده إلى موارد اقتصادية كبيرة.

السيناريو الثاني، أن تطول المعركة بشكل مرهق للطرفين، ما قد يدفعهم إلى التفاوض. هنا قد تُلبّى بعض مطالب الحوثيين بحصة من الثروة النفطية للمحافظة، وبمشاركة أنصارهم من قبيلة الأشراف في مأرب في الحكم المحلي للمدينة، مقابل وقف الحرب ورفع الحصار عنها. هذا الخيار قد يفتح الباب أيضاً لمفاوضات مقبلة، لكن ليس بالضرورة ناجحة لأنه يعني أن الحرب لم تتغيّر موازينها بشكل يسمح بتقديم تنازلات، إلا إذا تزايد الضغط الاقتصادي على الطرفين.

السيناريو الثالث، سقوط مأرب بيد الحوثيين، ما يعني استبعاد احتمال وقف حرب اليمن وفق أي تسوية قريبة، لأن الحوثيين يكونون بذلك قد كرّسوا سلطتهم في اليمن الشمالي وصاروا يشكّلون القوة العسكرية المحلية الأقوى في البلاد، من دون الحاجة إلى اعتراف السعودية والعالم، ولأنهم لن يكونوا تحت وطأة أي ضغط اقتصادي ملح يدفعهم إلى التسوية.

قد يشجّع هذا السيناريو على صعود التطرّف الديني من الطرف الآخر "السنّي"، وربما لتفاقم غير مسبوق لنفوذ تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية اللذين اعتادت القبائل المحلية مثل قبائل مأرب على مواجهتهما ومنع انخراط أبنائها فيهما. لكن في حال هزيمة القبائل أمام قوة شيعية راديكالية، من الصعب أن تتمكّن هذه القبائل من التصدي لهذا النشاط أو السيطرة على أبنائها، خاصة مع هيمنة الحوثيين كجماعة معادية مذهبياً مما سيولّد أجواء متعاطفة مع التيارات السنيّة الراديكالية.