أحمد ناجي باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز دراساته على اليمن. يتابع ناجي عن كثب التطورات المتعلّقة بوباء كورونا المستجد في البلاد، ونشر مؤخراً مقالاً حول هذا الموضوع على الموقع الإلكتروني لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. أجرت "ديوان" هذه المقابلة مع ناجي في أواسط نيسان/أيار للغوص أكثر في هذه القضية، وللاطّلاع على استشرافه لما يمكن أن يحدث في اليمن المُفقر والعالق بين رحى حرب مدمرّة منذ العام 2015، والذي يعاني أصلاً من نظام صحي غارق حتى أذنيه في لُجج أزمة عميقة.

مايكل يونغ: كيف تفاعلت مختلف الأطراف في اليمن مع تفشّي وباء كورونا المستجد؟

أحمد ناجي: على الرغم من أن الأطراف المتحاربة أعلنت أنها ستتخذ الاحتياطات اللازمة، إلا أنها كشفت عن لامبالاة واضحة إزاء المدنيين، حتى في ما يتعلق بالإجراءات الصحية. على سبيل المثال، في المناطق التي تُسيطر عليها الحكومة المُعترف بها دولياً، كان مطارا عدن وسيئون لا يزالان مفتوحين حتى 17 آذار/مارس، على الرغم من أن معظم المسافرين هناك جاؤوا أو مروّا عبر مصر، التي كانت أحد البلدان الأكثر تأثّراً في الأيام الأولى لتفشي الوباء. ثم أعلنت الحكومة عن إغلاق الموانئ في أعقاب الإجراءات التي اتخذتها السعودية.

في المناطق الشمالية، بدأ الحوثيون بافتتاح مراكز حجر صحي للأشخاص الآتين من مناطق تُسيطر عليها الحكومة، وحشروا مئات منهم معاً في مبانٍ صغيرة من دون أي تباعد اجتماعي، وتهدد بانتشار الوباء أكثر من مكافحته. وفي مطلع شهر نيسان/أبريل، أغلق الحوثيون كل الحدود الداخلية بذريعة أن الحكومة لا تطبّق الإجراءات الوقائية المناسبة في مناطق سيطرتها. علاوةً على ذلك، تحاول السلطات المحلية في معظم المناطق حظر التجمعات، بما في ذلك احتفالات الزفاف، وأسواق القات، والصلوات الجماعية، وخطب الجمعة، والتجمعات الدينية الأخرى، على الرغم من عدم التزام السكان بذلك.

والحال أن الطريقة التي يكشف فيها فيروس كورونا الخطط المتضاربة لمكافحة الوباء، مُلفتة حقاً. لقد شاهدنا جملة خطوات مستقلة نفّذتها السلطات المحلية في المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة. مثلاً، في حضرموت، حيث ظهرت أول إصابة بالفيروس في البلاد، أعلنت السلطات المحلية عن إغلاق جزئي حتى قبل التصريح علناً عن هذه الإصابة. بعدها، أعلنت محافظتا المهرة وشبوة الجنوبيتان عن إغلاق الطرق مع حضرموت.

بيد أن الإعلان عن إصابة واحدة حتى الآن، لا يعني أن حضرموت هي المنطقة الوحيدة التي ضربها الوباء، بل يعني أن السلطات في المحافظة هي، بتعابير نسبية، الأكثر شفافية. إذ أن مناطق أخرى في اليمن أخفت حقيقة تفشي الفيروس، كي توحي أنها الأقدر على تنفيذ إجراءات الوباء. إضافةً إلى ذلك، يجعل نقص الفحوصات والقدرات الطبية من الصعوبة بمكان تأكيد الإصابات بالفيروس، خاصة أن ثمة أمراضاً أخرى موجودة في اليمن كالكوليرا، وحُمى الضنك، وفيروس H1N1، والتي تشبه عوارضها عوارض كورونا. وبحسب أطباء أجريتُ معهم مقابلات، كانت معدلات الوفيات أعلى في الأسابيع الأخيرة، ومعظمها سُجّلَ على أنها وقعت بفعل الأمراض المذكورة آنفًا.

في ما يتعلق بالصراع، كان اليمنيون يتوقعون أن توقف الأطراف المتحاربة القتال للتفرّغ لمكافحة الكورونا، بيد أن الاشتباكات تواصلت، لا بل تصاعدت في بعض المناطق، على الرغم من إعلانات وقف إطلاق النار. هذه هي حال المواجهات الراهنة بين الحوثيين وبين الحكومة في محافظات مأرب، والبيضاء، والجوف، وأيضاً التوترات العسكرية بين المجلس الانتقالي المدعوم من دولة الإمارات العربية وبين القوات المدعومة سعودياً في عدن أبين وسقطرى. ويبدو أن بعض الأطراف تحاول اغتنام الفرصة لفرض أجنداتها. على أي حال، ما تعلمناه من تفشّي وباء الكوليرا هو أن أطراف النزاع لا تلقي بالاً لمشاغل المواطنين وهمومهم. بل تسعى وراء تحقيق مصالحها العسكرية الخاصة وحسب.

يونغ: هل البنى الصحية اليمنية قادرة على التعاطي مع انتشار وباء كورونا؟

ناجي: قبل اندلاع الحرب، كان القطاع الصحي في اليمن يعاني أصلاً من نقص القدرات، خاصة في المناطق الريفية حيث لا يستطيع السكان الوصول إلى العناية الصحية الأساسية. واليوم، وبعد أكثر من خمس سنوات من الحرب، يبدو نظام الصحة العامة في حالة انهيار. لا بل حتى القطاع الصحي الخاص تأثّر من هذا الوضع، إذ أن معظم المستشفيات الخاصة تعاني من نقص المعدات الطبية، وكذلك من محدودية القدرات. إضافةً إلى ذلك، يعيش معظم اليمنيين تحت خط الفقر، مما يجعلهم غير قادرين على تحمّل أكلاف الخدمات الطبية الخاصة.

خلال الشهرين الماضيين، جهّزت منظمة الصحة العالمية بعض المراكز في عدن وصنعاء وحضرموت لاستقبال حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا. بيد أن تأكيد الإصابة بكورونا يتطلب إجراء فحوصات للتأكد من ذلك، وهذا الأمر غير متوفر في الكثير من المناطق اليمنية. إضافةً إلى عدم قدرة المراكز التي جهّزتها منظمة الصحة العالمية على استيعاب أعداد كبيرة من الحالات، كما أنها لا تجري فحوصات دورية للأشخاص المُشتبه بإصابتهم بهذا المرض لإعطاء تصوّر واضح عن عدد الحالات. وما يزيد الوضع سوءاً الخوف من الوصم الاجتماعي في صفوف اليمنيين. فبعض الأشخاص قد يشعرون بأعراض كورونا لكنهم يخافون من الإبلاغ عنها لظنّهم أن ذلك سيولّد شعوراً بالهلع تجاههم.

نتيجةً لذلك، يواجه اليمنيون هذا الوباء في ظل نظام صحي متردٍّ، ومساعدات دولية محدودة، ناهيك عن قلة الوعي في المجتمع. يشي كل ذلك بأن الوباء سيسفر عن تداعيات كبيرة في حال انتشاره في هذا البلد الذي تمزّقه الحرب.

يونغ: هل من فكرة حول مدى انتشار وباء كورونا في اليمن؟ وما هي برأيك مصادره الأساسية؟

ناجي: لم تسجّل الحكومة اليمنية حتى الآن سوى حالة واحدة، لكن هذا الرقم غير دقيق على الأرجح نظراً إلى العدد الكبير من الوافدين الجدد من مناطق موبوءة، والذين دخلوا إلى البلاد من دون الخضوع إلى فحوصات. يُرجّح أن يرتفع هذا الرقم بشكل كبير لعدم قدرة الأشخاص على التقيّد بإجراءات التباعد الاجتماعي، بسبب الظروف الاقتصادية المزرية التي تعاني منها البلاد.

أخبرني أحد السكان المحليين: "من المستحيل أن أبقى في البيت. فإذا بقيت لن أتمكن من توفير الطعام لعائلتي. إذا أُصبتُ بفيروس كورونا، احتمال الموت لا يتجاوز 5 في المئة، لكن البقاء في البيت من دون عمل يزيد احتمال الموت إلى 100 في المئة". عندما يقف الناس في مواجهة خيارين لا ثالث لهما – كورونا أم الموت جوعاً – فسيختارون الخيار الأقل ضرراً.

ثمة مصدر آخر للوباء كان من الصعب التحكم به، وهو تدفّق المهاجرين إلى مناطق اليمن الساحلية. فبحسب وزارة الصحة اليمنية، لايزال الكثير من المهاجرين يتوافدون إلى البلاد على الرغم من إغلاق الحدود. وتحذّر الوزارة من أن يؤدي ذلك إلى تفشّي الوباء في العديد من المناطق لكونهم لا يخضعون لأي إجراءات صحية.

يونغ: كتبت مؤخراً مقالاً عن الحدود الداخلية في النزاع اليمني. هل أثّر فيروس كورونا على هذه الحدود، وكيف؟

دفع فيروس كورونا الأطراف المتحاربة إلى إحكام قبضتها على الحدود الداخلية، فأصبحت كل منطقة مغلقة على نفسها ومعزولة عن محيطها. فقد هدّد الحوثيون على سبيل المثال بمعاقبة أي شخص يعمد إلى تهريب الأشخاص إلى المناطق الخاضعة لسيطرتهم. تذرّع المشاركون في النزاع بالوباء من أجل فرض إجراءات أمنية أكثر تشدّداً. لكن، على خلاف ما كانت عليه الحال قبل كورونا، لم يعد الكثيرون يعترضون على إجراءات تقييد الحركة، إذ باتوا يعتبرونها مبرّرة. لكن، في ظل غياب خطة عمل وطنية موحدة لاحتواء الوباء، من المتوقع أن يستمر فرض الحدود الداخلية لفترة أطول بكثير من الوباء وهو ما ستسبب بانعكاسات اقتصادية كبيرة على المجتمع.

يونغ: هل تلقّى اليمن مساعدات مرتبطة بفيروس كورونا؟ وما كان نوعها وكيف استخدمتها الأطراف المتحاربة؟

ناجي: وفّرت بعض المنظمات الدولية غير الحكومية مسعدات لليمن على مدى الشهرين الماضيين. كذلك، أعلن البنك الدولي عن تخصيصه مبلغاً يناهز 27 مليون دولار لمكافحة الوباء. لكن هذا غير كافٍ للحد من انتشار كورونا ومعالجة تداعياته، ولا سيما في وقتٍ ينشغل معظم المانحين بمكافحة فيروس كورونا في دولهم. قد يكون هذه نقطة الاختلاف بين انتشار الكوليرا في اليمن بعد نيسان/أبريل 2017، وبين تفشّي كورونا، على الرغم من أن معدلات الوفيات الناجمة عن كورونا أعلى.

طلبت معظم الأطراف المتحاربة مساعدة أكبر من المنظمات الدولية غير الحكومية. لكن تم استخدام هذه ضمن مسلسل الصراع في بعض المناطق. فعلى سبيل المثال، احتجز المجلس الانتقالي الجنوبي معدّات أساسية متعلقة بفيروس كورونا أرسلتها منظمة الصحة العالمية إلى عدن، لكي لا يحصل عليها الطاقم الطبي الحكومي.

يونغ: هل تتوقع تأثيراً طويل الأمد للوباء على حدود اليمن الدولية، وعلى العلاقات عبر الحدود؟

ناجي: كانت معابر اليمن البرية مع كلٍّ من السعودية وعُمان مُغلقة إلى حدٍّ كبير الشهر الماضي، باستثناء السماح بعبور عدد محدود من الشاحنات المحمّلة بالمنتجات الزراعية. من المتوقع أن يستمر الإغلاق إلى حين انحسار وباء كورونا، لأن السعوديين والعُمانيين يخشون من أن يبقى احتمال العدوى قائماً نظراً إلى تردّي حالة القطاع الصحي اليمني. يُضاف ذلك إلى الإجراءات على الجانب السعودي بمواصلة استخدام قوات الجيش لمكافحة التهريب والإتجار بالبشر من اليمن، والتي من المحتمل أن تشهد نشاطًا أكبر خلال هذه الفترة. يضاف إلى ذلك يعيش أكثر من 1.5 مليون يمني في المملكة، لذا لا شك أن حركتهم ستتأثر بشكل كبير بسبب هذه التدابير المُتخذة.


 

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.