فيما تتواصل تأثيرات فيروس كورونا الجديد في أرجاء العالم، ولاتزال الدول تفرض الإقفال والحجر، يُرجّح أن الحياة ما بعد كورونا لن تكون كما قبله. من المتوقع أن يعتمد القطاع الخاص بشكل متزايد استراتيجيات العمل من المنزل لتخفيف التكلفة. ويجب على القطاع العام أن يحذو حذوه لتسهيل قيام المواطنين بالإجراءات الإدارية عن بعد.

تبدو الحاجة إلى رقمنة شتى أنواع المعاملات الإدارية ملحّة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى. ولذلك، تطبيق هذا المسار في لبنان هو ضرورة حتمية. فالحكومة اللبنانية غارقة في البيروقراطية ومتاهة الأوراق الثبوتية. وتعجّ الوزارات والبلديات ومختلف المؤسسات العامة بمواطنين يتوافدون يومياً لتقديم طلبات الحصول على مستندات رسمية. وفي وقتٍ تعاني البلاد أزمة اقتصادية متفاقمة، لا شك أن زيادة فعالية الحكومة ستوفّر الكثير من المال والوقت.

ستحمل رقمنة الخدمات العامة فوائد عديدة. فستخفّف من الازدحام في المدن والبلدات الرئيسة حيث تتم الإجراءات الإدارية، وتحدّ في الوقت نفسه من الفساد الإداري الصغير. كذلك، ستسفر الرقمنة عن خفض التكاليف الاقتصادية الناجمة عن الإجراءات الطويلة، وتسهّل حياة اللبنانيين الذين يقضون وقتاً طويلاً في إجراء العمليات الإدارية. وفي حال أصبحت الأوبئة ظاهرة متكرّرة في حياتنا، سيكون من الضروري ضمان سير عمل القطاع العام في ظل إجراءات الإقفال والحجر مستقبَلاً.

يُضاف إلى ذلك أن الحكومة الإلكترونية بإمكانها مساعدة لبنان في الانتقال تدريجياً نحو اللامركزية، ما سيسهّل بشكل كبير القيام بالأعمال المختلفة ويعزّز النمو الاقتصادي. لكن، أمام الحكومة شوط كبير لتقطعه قبل دخول العالم الرقمي، لأنها لاتزال تحتفظ بالسجلّات العامة على الورق. وهذه السجلّات الورقية ليست فقط أكثر عرضة للضرر بسبب الحرائق والسيول، بل يجب إعادة نسخ المعلومات كل بضع سنوات على سجلّات جديدة، وهذه عملية مُلبِكة تتطلّب وقتاً طويلاً، واحتمال الخطأ فيها مرتفع.

قبل بضع سنوات، كنت بحاجة إلى وثيقة ولادة من وزارة الداخلية، لكنّ طلبي قوبِل بالرفض لأن السجل الذي يتضمّن معلوماتي كان يُنسخ على سجلّ جديد، ولم يتمكّن الموظّف من الحصول عليه. كان يمكن تجنّب هذه المشكلة لو أن السجلّات مخزّنة على الكومبيوتر. لكنّني أضعتُ وقتاً طويلاً من دون أي نتيجة.

على مر السنوات، بذل لبنان بعض الجهود لإرساء الحكومة الإلكترونية. في هذا السياق، أطلقت وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية موقعاً إلكترونياً مستقلاً: "دولتي". يقدّم هذا الموقع بعض الروابط لزيارة المواقع الإلكترونية الخاصة بعدد من الهيئات الحكومية ويوفّر بعض الخدمات الإلكترونية. لكن تصميمه بدائي وعملياته محدودة جدّاً.

في العام 2018، أطلقت الوزارة نفسها استراتيجية التحوّل الرقمي التي تطرّقت إلى مواضيع متنوعة بدءاً من توفير الخدمات الرقمية ووصولاً إلى الأمن السيبراني والخصوصية، بيد أنها لم تدخل حيّز التطبيق. وفي تشرين الأول/أكتوبر، استضافت منطقة بيروت الرقمية (Beirut Digital District) حدث "هاكاثون" (أو ماراثون البرمجة) انضمّ إليه عدد كبير من الأشخاص للعمل على البرمجة الإلكترونية بطريقة تشاركية. وقد جمع هذا الحدث مجموعة من مطوّري البرامج المتمرّسين بهدف تصميم منصة إلكترونية خاصة بالحكومة الإلكترونية. لكن هذه المنصة لم تطبّق، تماماً مثل استراتيجية التحوّل الرقمي.

الخوف من الاستغناء عن موظفين في القطاع العام هو من المسائل التي تُثار عند الحديث عن رقمنة الحكومة. لكن يمكن تدريب هؤلاء الموظفين وتجهيزهم لأدوار ومناصب مختلفة، إذ لا يمكن أن تعمل الحكومة الإلكترونية من دون طاقم عمل كامل يتولّى الإشراف على المواقع الإلكترونية وصيانتها وتحديثها.

ينبغي أيضاً الحرص على ألّا تتجاوز الحكومة الإلكترونية المخصّصة لتقديم الخدمات الخط الأحمر فتتحوّل إلى هيئة رقابة على المواطنين وتنتهك خصوصياتهم. من الضروري ألّا تصبح المنصات الإلكترونية أبراج مراقبة تسمح للدولة بتتبّع حركة المواطنين. ولا يقل أهمية أيضاً التأكد من أن السجلّات التي تتضمن معلومات حساسة محفوظة بشكل آمن داخل النظام. فهدف الحكومة الإلكترونية هو تسهيل حياة المواطنين وليس التحوّل إلى دولة بوليسية.

يُشار إلى إن رأس المال البشري الذي تحتاجه هذه العملية حاضرٌ في لبنان. فالجيل الشاب الذي يتمتع بالكفاءة الرقمية مستعد للانخراط في القطاع العام ومساعدة البلاد على اعتماد الحكومة الرقمية. لذا، على الدولة الاستفادة من وجود رأس مال بشري يتمتع بالمهارة والكفاءة، وإطلاق عجلة التغيير الآن. فالانتقال إلى الحكومة الإلكترونية ليس عملية معقّدة للغاية ولا يتطلب وقتاً طويلاً.

صحيحٌ أننا قد نستيقظ غداً على نبأ انحسار فيروس كورونا، لكنّ الحقيقة أن الوباء دفعنا إلى تبنّي أنماط تفكير مبتكرة. فمن خلال فرض واقع جديد حول كيفية تفاعل الناس في مجالات العمل، دفعنا كورونا أيضاً إلى إعادة النظر بكيفية سير إجراءات الدولة. لذا على لبنان استثمار موارده تحضيراً للمستقبل.