تعمل تركيا على مكافحة جائحة كوفيد 19 وتساعد بلداناً أخرى في ذلك. ولكن الأزمة الصحية كشفت النقاب عن مكامن الهشاشة التي تعاني منها البلاد بسبب خياراتها في السياسة والاقتصاد والسياسات الخارجية. ولن يكون سهلاً الإبقاء على هذه الخيارات في خضم ركود عالمي.

من وجهة نظر صحية، وبعيداً من المشاحنات السياسية، يبدو أن المنظومة الصحية التركية تتعامل جيداً مع الجائحة. وتُقدّم أنقرة أيضاً المساعدة لعددٍ من البلدان، بدءاً من إيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وصولاً إلى بلدان في غرب البلقان وفي أفريقيا. وقد عملت تركيا بحرص شديد على تسليم شحنة من ست منصات نقّالة محمّلة بالإمدادات الطبية إلى واشنطن في 28 نيسان/أبريل، وأرفقتها بـرسالة من الرئيس رجب طيب أردوغان يقول فيها للرئيس دونالد ترامب إنه "شريك موثوق وقوي للولايات المتحدة".

أما الرسالة غير المبطّنة فكانت أن تركيا تأمل بـتجنّب العقوبات الأميركية المتوقّعة على خلفية الاتفاق الذي أبرمته مع روسيا لتسلّم صواريخ إس-400، وتريد الإفادة من "خطة المبادلة" التي يطبّقها الاحتياطي الفدرالي الأميركي في حالة البلدان الأكثر تضرراً من وباء كوفيد 19.

ولكن دبلوماسية كوفيد 19 لن تحجب الوقائع الأكثر إشكالية التي تواجهها تركيا في شؤونها السياسية والاقتصادية والخارجية. بدايةً، تُظهر البلاد معظم المواصفات التي نراها في الأنظمة السلطوية الشاملة. تخضع حرية التعبير والإعلام لقيود شديدة، كما أن القضاء مسيَّس. فقادة المعارضة يتعرّضون لهجوم لفظي متواصل، لابل لمضايقات أو حتى للاستبعاد. ويتم الإبقاء على معتقلي الرأي في السجون، فيما أُفرِج عن مرتكبي جرائم منظّمة بموجب تشريع خاص صدر على خلفية تفشي وباء كوفيد 19.

وعلى الجبهة المالية، احتياطيات المصرف المركزي التركي متدنّية جدّاً وتُستخدَم لتأمين حماية مستمرة لليرة التركية على الرغم من كل العوامل المناوئة، انطلاقاً من السياسة النقدية المطبَّقة راهناً. وفي الوقت نفسه، ترفض أنقرة الإفادة من التسهيلات الخاصة التي يقدّمها صندوق النقد الدولي لمواجهة تداعيات كوفيد 19، خصوصاً لأسباب مبدئية، على الرغم من تدنّي كلفتها وعدم ربطها بشروط كثيرة. وهذا سيجعل التعديلات اللاحقة أكثر إيلاماً.

في غضون ذلك، أظهر التدخل العسكري في شمال سورية التباينات العميقة في الآراء مع روسيا حول سيادة سورية ووحدة أراضيها. وكذلك تسبب التدخل التركي لمصلحة حكومة الوفاق الوطني الليبية بتشنّجات مع العديد من البلدان العربية، والأهم من ذلك أنه كان مصدراً للتوتر مع روسيا. وقد أدّت القرارات الأحادية في شرق المتوسط، مثل إعادة تعريف الحدود البحرية وعمليات التنقيب عن الغاز في المياه المتنازع عليها حول قبرص، إلى تدهور العلاقات مع قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومازاد الطين بلة أن الهجوم الذي شنّته الحكومة التركية على الحدود اليونانية في مطلع آذار/مارس – وهو أول هجوم تشنّه دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) على دولة عضو أخرى – من خلال استخدام اللاجئين بمثابة بيادق، مُني بالفشل وزاد من معاناة اللاجئين.

أخيراً، فإن قيام تركيا بـنشر المنظومة الدفاعية الروسية إس-400، برفقة خبراء روس، شكّل اصطفافاً إلى جانب موسكو وأحدثَ اضطراباً في الهندسة الدفاعية الصاروخية لحلف الناتو. ولن تساهم شحنة من الأقنعة الوقائية في تليين موقف الكونغرس الأميركي، فيما ينظر في سبل الرد على هذه الخطوة.

على الصعيد النظري، ومع جرعة من الغطرسة، قد يمكن المحاججة بأن تركيا بلغت درجة من التنمية الاقتصادية والقوة العسكرية لم تعد تحتاج معها إلى الانتماء حصراً إلى الحلف الغربي. وفي هذا السياق، قد يكون أمراً مشروعاً أن تبحث أنقرة عن مكانٍ لها على الساحة العالمية يكون على مسافة واحدة من جميع القوى الكبرى، من خلال اتّباع سياسة اقتصادية متحررة من القواعد والمؤسسات السائدة. ولكن السرديات المصطنعة والعدائية التي تروّج لها القيادة التركية، أو الخطوات الدبلوماسية المخطط لها جيداً لاتمثّل سياسة فعلية وذلك لسببَين اثنين.

أولاً، كي تتحوّل تركيا إلى "قوة في الوسط" وتكون في المصاف نفسه مع الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة، عليها أن تتحلى بضبط النفس وتمتلك سياسة خارجية متماسكة. فالهجوم على الحدود اليونانية بواسطة شرطة مكافحة الشغب بغية التعتيم على الضربة القوية التي سدّدتها القوات الروسية لكتيبة تركية في مدينة سراقب في محافظة إدلب السورية، لايفضي إلى كسب الاحترام أو زرع الخوف. بل جل مايفعله هو القضاء على مكانة تركيا الدبلوماسية. وينطبق الشيء نفسه على مايُعرَف بالاتفاق مع ليبيا بشأن الحدود البحرية.

ثانياً، وبعيداً من الغطرسة، لايمكن تجاهل المسائل الاقتصادية الأساسية. فتركيا لديها عجزٌ وتعتمد إلى حد كبير على الغرب، ولاسيما أوروبا، في تصدير السلع المصنّعة، واستيراد التكنولوجيا، وفي احتياجاتها المالية في المدى القصير وعلى صعيد الاستثمار المباشر على السواء. وليست الصين وروسيا وبلدان الخليج بدائل عن الركيزة الأوروبية بالنسبة إلى تركيا. حتى عندما تُبدي قطر أو الصين استعداداً لمساعدة تركيا اقتصادياً، لا تكون هذه المساعدة متكافئة مع الثغرة المالية التي تعانيها البلاد راهناً. إضافةً إلى ذلك، وأبعد من الآمال، كي تكون الركيزة الاقتصادية الأوروبية فعالة، يجب توافُر خاصيتَين لاتستطيع أنقرة تأمينهما راهناً، وهما سيادة القانون فضلاً عن الاحترام والحوار.

تواجه تركيا مأزقاً. إذ يبدو أن الاستمرارية السياسية لرئيسها الذي خسر حزبه هيمنته الانتخابية، تقتضي سردية قومية تصاعدية إضافةً إلى منظومة سلطوية شاملة. أقلّه هذا ماقررته القيادة التركية. وفي الوقت نفسه، يتطلب الإنقاذ الاقتصادي تعاوناً تركياً مع أوروبا والمؤسسات المالية الدولية. ولكن في هذا المجال أيضاً، دفعت الحسابات الخاطئة الناجمة عن منظومة السلطة القائمة على رجل واحد، البلاد في الاتجاه الآخر. ونظراً إلى الركود الذي تفرضه الجائحة في تركيا، لاشك في أن هذا المأزق سيتحول إلى معضلة مستعصية... إلا إذا كانت الفوضى الدائمة هي الخيار المفضّل لدى أردوغان.