دخل لبنان مرحلة الانهيار. اقتصاده ينفجر، ويترافق ذلك مع زعزعة الاستقرار الاجتماعي. قد تكون تداعيات هذه الكارثة أشدّ وطأة من الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً. ومع أن السياسيين يدركون فداحة الأزمة، إلا أنهم انتهزوا فرصة الإغلاق التام الذي فرضه تفشّي فيروس كورونا لتصفية حسابات قديمة والعودة مجدّداً إلى المشهد السياسي بعدما اصطدموا بالرفض الشعبي لأشهر عدة.

يواجه اللبنانيون عاصفة هوجاء من التحديات. فإضافةً إلى الأزمة السياسية، تعاني البلاد أزمة ثلاثية على مستوى المالية والنظام المصرفي وسعر الصرف. وقد أقرّت الحكومة مؤخراً بأن مجموع الخسائر المتراكمة في القطاع المصرفي لوحده بلغ 83 مليار دولار. والليرة اللبنانية في حالة سقوط حر، إذ يجري التداول بها عند حدود 4000 ليرة للدولار الواحد، في حين أن سعر الصرف الرسمي هو 1500 ليرة. وتُظهر التقارير الأخيرة عن مؤشر أسعار الاستهلاك أن أسعار بعض السلع الأساسية ارتفعت بنسبة تفوق 60 في المئة منذ شهر آذار/مارس الماضي. ووفقاً للتقديرات الحكومية، بلغ معدّل التضخم 25 في المئة في العام 2020.

يتخبّط الاقتصاد في حالة ركود شديد، ويعاني القطاع الخاص من شح السيولة بسبب الضوابط غير الرسمية لتقييد حركة الرساميل (أو الكابيتال كونترول)، التي يفرضها القطاع المصرفي الذي يفتقر إلى السيولة وربما أيضاً إلى الملاءة، في ظل الانخفاض الحاد في إيرادات الدولة. لذا، ثمة حاجة إلى رزمة من الإجراءات التحفيزية لتحريك الاقتصاد، لكن لا بوادر حتى الآن لإطلاق رزمة من هذا القبيل.

ليست هذه الأزمة وليدة أشهر من الاحتجاجات ضد الطبقة السياسية، ولا نتاج التدابير التي اتُّخِذت لمكافحة فيروس كورونا. بل هي نتيجة سوء الإدارة والفساد المُستشريَين في السياسة والاقتصاد منذ عقود طويلة، بدعمٍ من المنظومة الطائفية لتقاسم السلطة.

يسود منطقٌ عقيم في البلاد منذ سبعة أشهر. فبما أن لبنان يحتاج إلى ضخ فوري للسيولة بالدولار الأميركي دعماً لاقتصاده، يتعيّن على الحكومة تقديم خطة اقتصادية ومالية يُعتد بها تستطيع من خلالها التفاوض على الدعم الخارجي، ولا سيما مع صندوق النقد الدولي باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على توفير دعم مالي فوري للموازنة. وقد يؤدي الحصول على موافقة صندوق النقد إلى فتح الباب أمام تلقّي مساعدات من جهات أخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.

لكن صندوق النقد الدولي لن يبدي تجاوباً إلا في ظل خطة إصلاحية شفافة وقابلة للقياس. وفي هذه النقطة تحديداً، لايزال لبنان متردداً. فالسياسات المطلوبة لمعالجة المشكلات الهائلة التي يتخبط بها تشمل خفض نفقات القطاع العام، ووضع حد للهيمنة على مؤسسات الدولة، ولعل الأهم هو إصلاح قطاع الكهرباء الذي يعاني من قصور شديد ويساهم إلى حد كبير في عجز الموازنة السنوي. لكن معظم هذه الإصلاحات ستقوّض على الأرجح مصالح السياسيين والأحزاب الذين برهنوا حتى الآن أنهم غير مستعدين لتحمّل تبعات هذه الإصلاحات. وقد تؤدّي الكلفة السياسية المترتبة عن إجراءات التقشف الضرورية إلى فقدان هذه الأحزاب الدعم الذي تحظى به في صفوف زبائنها السياسيين.

لذا، لم تكن مقاربة الحكومة للأزمة متّسقة، ما أفرز نتيجتين: أولاً، اضطرّ لبنان في ظل الركود الشديد الذي يمرّ به وشحّ الدولار إلى التكيّف مع تراجع الواردات، في حين أن الضغوط على المالية العامة تسببت بخفوضات حادة في الإنفاق (ماعدا الإنفاق الأساسي). ويشهد الاقتصاد انكماشاً قوياً يتراوح من 10 إلى 15 في المئة بحسب بعض الخبراء، ما يوازي معدلات الولايات المتحدة خلال الركود الكبير. ثانياً، أدّى التدهور الشديد في قيمة الليرة اللبنانية، في ظل الاعتماد الكبير للبنان على الواردات، إلى ارتفاع التضخم، فتآكل الدخل الحقيقي للبنانيين بشكل سريع.

كانت لهذه الصدمة المزدوجة عواقب اجتماعية هائلة ووخيمة، قد تسفر عن تداعيات وجودية تلقي بظلالها على البلاد. فالدمار الذي لحق بالثروات كارثي، في ظل تحوّل الطبقة الوسطى إلى طبقة فقيرة؛ فما يزيد عن 1.6 مليون لبناني باتوا عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية. في غضون ذلك، تسجّل البطالة مستويات مرتفعة جداً، إذ يُقدَّر أن نحو مئتي ألف شخص فقدوا وظائفهم قبل الإغلاق التام الذي فرضه تفشّي فيروس كورونا. ولاشك في أن العدد الأكبر هو في صفوف الشباب.

في هذا الإطار، عمد السياسيون والأحزاب السياسية إلى استخدام الأزمتَين المالية والصحية لتسجيل النقاط واستعادة بعض الشعبية. تراهم في موقف دفاعي يصارعون من أجل البقاء، باحثين عن أكباش فداء لحرف الأنظار عنهم. ففي الأسبوع الماضي، حاولت الحكومة وداعموها – على رأسهم التيار الوطني الحر وحزب الله –تحميل حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، مسؤولية الأزمة، سعياً لإقالته من منصبه واستبداله بشخصية من اختيارهم. لكن أشارت التقارير إلى أن الولايات المتحدة وفرنسا حذّرتا المسؤولين اللبنانيين، من خلال سفرائهما في بيروت، من أن إقالة سلامة ليست فكرة سديدة في المرحلة الراهنة. يِشار إلى أن إقالة سلامة هي من بين أهداف بعض المتظاهرين الذين يلومونه على تمرير سياسات أوصلت لبنان إلى هذه الحالة.

تضيع المصالح الأوسع للشعب اللبناني الذي يرى بلاده تنهار أمام عينيه وسط هذه الضوضاء. وقد تجلّى السلوك المأجور للطبقة السياسية بوضوح أكبر في القرار الذي اتخذته الحكومة، في خضم أزمة فيروس كورونا، بإقرار منظومة جديدة ترمي إلى مساعدة السكان الأكثر فقراً، بدلاً من استخدام برنامج البنك الدولي الوطني لمكافحة الفقر الوطني، الذي ربطته الحكومة الراهنة ابالحكومات السابقة. وتحتاج المنظومة الجديدة إلى وقت لإنشائها، لكن الفقراء في لبنان لا يملكون ترف الوقت، ناهيك عن أنها تفتح الباب واسعاً أمام المحاباة والممارسات التعسفية.

في غضون ذلك، تعتمد الأحزاب السياسية تدابير محلية لتلبية حاجات ناخبيها، مايُفاقم احتمالات التقسيم وربما حتى النزاع. لقد أعلن جميع السياسيين أو الأحزاب عن خطط لمكافحة تفشّي فيروس كورونا، بما في ذلك إنشاء مراكز حجر، ونشر طواقم طبية وفرق تعقيم، وتقديم معونات غذائية للمعوزين. وقد عمد كل حزب، بالتنسيق مع البلديات داخل مناطق نفوذه، إلى إنشاء مراكز عزل لاستقبال مرضى كورونا الذين لا يملكون الإمكانات اللازمة لعزل أنفسهم في المنزل. وبذل حزب الله الجهد الأكبر في هذا الإطار، من خلال إنشاء تسعة عشر مركزاً للعزل، وتنظيم جولات لممثلين عن وسائل إعلام دولية ومحلية لإطلاعهم على جهوده.

ولكن هذه الإجراءات لن تكون كافية. فعلى الرغم من انتشار فيروس كورونا، نزل اللبنانيون إلى الشارع من جديد احتجاجاً على التراجع الكارثي في مصادر رزقهم. يعاني الناس من الجوع، وتتخذ بعض الاحتجاجات منحى عنيفاً مع هجوم متظاهرين على المصارف التي باتت هدفاً أساسياً لغضبهم. ويوحي سلوكهم هذا ضمناً بأن الرأي العام لا يتوقّع من السياسيين معالجة الأسباب الجذرية للأزمة المالية في البلاد. غالب الظن أن ما يواجهه لبنان اليوم سوف يستمر لسنوات، وآفاق التعافي ضئيلة.

سوف تكون التداعيات الأمنية للاضطرابات الاجتماعية كبيرة، ومن الصعب تقييمها الآن. وسيعاني لبنان مشقات متزايدة، وسيشهد على الأرجح هجرة جميع الأشخاص القادرين على إيجاد عمل في الخارج. وفيما يشهر مزيد من الشركات إفلاسه، سينزل عدد أكبر من اللبنانيين إلى الشارع، ولا سيما الشباب الذين باتوا يفقدون الأمل في العثور على عمل أو بناء مستقبل في بلادهم. وفي ظل تناقص موارد الأفرقاء السياسيين، قد يشكّل هذا الأمر فراغاً يمكن أن تستغلّه الجهات الساعية إلى الإفادة من غياب الاستقرار.

كي يتجنّب لبنان الانفجار، على السياسيين والأحزاب الإقرار بأن عليهم الحفاظ على البلد لحفظ أنفسهم. ويستوجب ذلك القبول بإجراء الإصلاحات الضرورية. هذه مهمةً شاقّة على الأرجح، لكنها خطوة أولى ضرورية لتجنّب الانزلاق نحو النزاع. وعلى السياسيين أيضاً أن يسمحوا بتشكيل حكومة من المستقلّين مهمتها التفاوض على خطة إنقاذ مالية واقتصادية للبنان، والإشراف على انتخابات مبكرة. فخطة الإنقاذ أساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، والانتخابات المبكرة ضرورية أيضاً لاستعادة الشرعية وتجديد الحياة السياسية. وفي غياب ذلك، سيواصل لبنان الانزلاق نحو الفوضى، وربما حتى أسوأ من ذلك.