ديانا مقلّد | صحافية لبنانية ومؤسِّسة شريكة وسكرتيرة تحرير لموقع درج الإلكتروني

يبدو أن الحكومة اللبنانية، التي تمّ انتقاء أعضائها من قبل وسطاء السلطة الطائفيين القدماء أنفسهم، في بيئة يعمل فيه حزب الله كدولة فوق الدولة، قرّرت أن صندوق النقد الدولي يمكن أن يوفّر الأموال التي يحتاجها لبنان للصمود وإعادة البناء. لكن هذا القرار ليس كافياً لمعالجة الاختلالات الجوهرية التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني. في هذا السياق، يمكن أن يؤدي اللجوء إلى صندوق النقد إلى تفاقم خطر حدوث انهيار كامل، إذ يترتب على شروط الصندوق عواقب اجتماعية وسياسية عاصفة.

في المقابل، لا يبدو أن الحلول الجذرية ممكنة التحقّق قبل تشكيل حكومة مؤلفة من شخصيات سياسية مستقلة تُعيد نيل ثقة المواطنين. لكن لسوء الحظ، أدّى تفشّي الفساد السياسي إلى هدر مئات المليارات من الدولارات التي تدفقت على لبنان على مدى العقود الماضية. هذه الحقيقة، مقرونة بواقع تأثير القوى الإقليمية المتجذّر على عملية صنع القرار في لبنان، ستجعل من الصعب على الحكومة إظهار الشفافية المطلوبة في أي خطة إنقاذ.


 

ملحم شاوول | باحث لبناني في علم الاجتماع، وأستاذ سابق في العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية

الطبقة السياسة في لبنان عبارة عن بنية معقّدة تستند إلى مستويات أو طبقات عديدة. وهي تعتمد على الهياكل السياسية والاجتماعية- الطائفية، وتتمحور حول العشائر السياسية والأحزاب السياسية الطائفية منها أو العلمانية الزائفة، والبرجوازية الهشّة. وقد أظهرت هذه الطبقة حتى الآن قدرة ملحوظة على إعادة تشكيل وإنتاج نفسها. أما التحالف السياسي الأكثر وضوحاً اليوم فهو الذي يجمع حزب الله والتيار الوطني الحرّ وحركة أمل.

الواضح هنا أن التحالف الحاكم الحالي لا يمكنه تطبيق الإصلاحات التي يُطالب بها صندوق النقد الدولي ولن يعمل على ذلك. بل سيستخدم الوسائل المتاحة له كافة للتأكد من أن هذه الإصلاحات ستكون شكلية بكل بساطة، ولا تؤثّر على الديناميكيات الداخلية للنظام. لذلك، يمكن لهذا التحالف استخدام مجموعة من الخيارات المُعرقلة:

منها، مثلاً، الاستفادة من الروح الثورية الداعية إلى الإصلاحات التي برزت في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عبر توظيف الوسائل القضائية، وتسليط الأجهزة الأمنية على أعداء الطبقة الحاكمة. كما أن لدى هذا التحالف خيار إقامة دولة بوليسية وإطلاق حملة إدانة وإنزال العقاب ببعض الأطراف تحت ذريعة "مكافحة الفساد".

أيضاً، في وسع تحالف حزب الله والتيار وأمل إعادة هيكلة الطبقة السياسية، من خلال الانفتاح على خصومه التقليديين داخل هذه الطبقة، مثل تيار المستقبل، والقوات اللبنانية، وغيرهما. وبهذه الطريقة، يسعى إلى إبرام "اتفاق جديد" يُعيد توزيع السلطة والمصالح، أي بمعنى آخر، يكون "الجسم القديم نفسه لكن بحلّة جديدة".

إلى ذلك، في مقدور التحالف استخدام الأمن والتهديد بزعزعة الاستقرار العسكري لابتزاز الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية ودفعها إلى الامتثال لمطالبه. وهنا، قد تتدخل الأجهزة العسكرية التابعة لحزب الله لدعم طبقة سياسية متداعية.


 

خيرالله خيرالله | رئيس تحرير سابق للمكتب العربي والدولي في صحيفة النهار اللبنانية (1976 - 1988)، ومدير تحرير سابق في صحيفة الحياة العربية (1988 - 1998)

وصل لبنان إلى نقطة اللاعودة في مشاوراته مع صندوق النقد الدولي. وفي حين لا يبدو أن الدول العربية، خصوصاً السعودية، مهتمّة بإنقاذ لبنان، بدأت الحكومة اللبنانية ترى أن لصندوق النقد شروطه الخاصة التي يُرجح أن تؤثر على أزمة لبنان وأسبابها.

وحتى إشعار آخر، تبدو الطبقة السياسية اللبنانية، بغالبيتها القصوى، عاجزةً عن فهم الحقيقة أن صندوق النقد ليس مؤسسة خيرية وأن شروطه ستكون حتماً قاسية. كل ذلك مرتبط بطريقة أو بأخرى بسياسات معينة لا يستطيع لبنان تنفيذها لأسباب واضحة تتمثّل في أن حزب الله هو من يصدر الأوامر ويتّخذ القرارات، وأن ميشال عون هو رئيس الجمهورية وحسان دياب هو رئيس الوزراء.

بالطبع، لن تكون شروط صندوق النقد مقبولة بالنسبة إلى حزب يمتلك أجندة سياسية إيرانية خاصة به لاتمت لمصالح لبنان بصلة. ومن المستحيل بالتالي التوفيق بين الأجندة الإيرانية والأجندة اللبنانية. لدينا الآن أجندتان مختلفتان تماماً لدولة واحدة: مثلاً، أصرّ الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في خطاب ألقاه في 13 أيار/مايو على رفض نشر قوات الأمم المتحدة على الحدود مع سورية. وهو أمر كان من شأنه أن يساعد الحكومة اللبنانية على ضبط التهريب على الحدود، وهي إحدى المسائل التي يمكن أن يطلب صندوق النقد من لبنان تنفيذها.

لا بدّ من القول أخيراً إنه في بلد يرسم فيه حزب الله القواعد على المستويات والمجالات كافة، يُعتبر هامش مناورة لبنان مع صندوق النقد شبه معدوم، أقلّه إذا ما وضعنا بعين الاعتبار توازن القوى على الصعيدين الداخلي والإقليمي.


 

جانين الجلخ | صحافية في صحيفة لوريان لو جور الناطقة باللغة الفرنسية

ليس أمام لبنان سوى هامش محدود للمناورة. فأي بلد يصل إلى الحضيض، كما في حالة لبنان، لا يكون في موقع يخوّله الاعتراض كثيراً على الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي. هذا الأخير هو الخرطوشة الأخيرة للبنان، وهذا ما يجمع حوله عدد كبير من خبراء الاقتصاد. وبات تشخيص "المرض" الذي تعانيه البلاد واضحاً كعين الشمس للمجتمع الدولي، وكذلك أيضاً خريطة الطريق اللازمة للخروج من مأزق النظام المالي والاقتصادي العليل.

لن يُسمح بإبرام صفقات أخرى في ظل الظروف الراهنة ما لم تجرِ إعادة هيكلة وإصلاح قطاعات اقتصادية أساسية، وتحقيق استقلالية القضاء. وعلى الرغم من المرونة التي أبداها مؤخراً صندوق النقد الدولي واستعداده لأن يأخذ في الاعتبار أوجه الضعف التي تعانيها الدول التي تلتمس مساعدته، إلا أنه لن يتنازل عن شرط قيام لبنان بالإصلاحات التي تشتدّ الحاجة إليها كي تُكلّل خطة الإنقاذ بالنجاح.

إن تعقيدات اللعبة السياسية التي تمسك بخيوطها الطبقة الأوليغارشية الحاكمة وحزب الله (الذي ازدهر على أنقاض دولة القانون) ومحاولاتهما الخفية لعرقلة الإصلاحات حتى الآن، لا تترك كبير مجال للمفاوضات. فأي محاولة لمعارضة شروط الصندوق أو وضع المزيد من العصي في دواليب خطة الإنقاذ – حتى لو كان يمكن الدفاع عن ذلك بذريعة مبدأ "السيادة" التي يتمسّك بها حزب الله – لن تفعل سوى إظهار المعرقلين على أنهم رعاة الصفقات الفاسدة وسوء الإدارة في البلاد. هذه مجازفة ينبغي على السياسيين اللبنانيين دراستها جيداً نظراً إلى التراجع الكبير في شعبيتهم.

لكن، على ضوء الاستعانة بصندوق النقد الدولي لإنقاذ ما تبقّى من موارد البلاد، وصلت الطبقة السياسية إلى ذروة التأزّم. فهي لم يعد بإمكانها الرهان على استقرار لبنان لضمان الحصول على دعم مالي، ولا المضيّ في سلوكيات ترفضها الولايات المتحدة وفرنسا، وهما عضوان أساسيان في صندوق النقد يسعيان إلى تضييق الخناق على حزب الله.


 

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

المجالات شبه معدومة، لأن الطبيعة المعقّدة للأزمة اللبنانية والتمويل الخارجي الكبير الذي تحتاج إليه البلاد لا يتركان أمامها سوى هامش ضيّق للمناورة مع صندوق النقد الدولي. فلبنان على شفا الانهيار ما لم يحصل على دعم مالي خارجي. ولن تتمكّن أي دولة بمفردها من توفير مليارات الدولارات التي يحتاجها لبنان لتجاوز أزمته، خصوصاً في ظل الانكماش الاقتصادي العالمي وتقليص حجم الإنفاق نتيجة جائحة كوفيد-19. كذلك، لم تعد الدول قادرة على تمويل أتباعها اللبنانيين كما في السابق، ما ترك لبنان أمام خيار وحيد يتمثّل في اللجوء إلى صندوق النقد الدولي والقبول بشروطه المُسبقة المرتبطة بإصلاح القطاع المالي. وتُعدّ موافقة صندوق النقد الدولي على خطة الإنقاذ التي صاغتها الحكومة اللبنانية شرطاً مسبقاً أيضاً على البلاد استيفاؤه لتلقّي تمويل إضافي من الاتحاد الأوروبي وجهات مانحة أخرى.

لا يرغب السياسيون اللبنانيون في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، لأنها ستؤدي فعلياً إلى قطع مواردهم المالية. فجميع القادة السياسيين اللبنانيين يُحكمون سيطرتهم على مختلف مؤسسات الدولة، ومصادر عائداتها، وعمليات التوظيف فيها. لكن طريقة العمل هذه لم تعد قابلة للاستمرار على ضوء الأزمات الاقتصادية والمالية المتسارعة التي تشهدها البلاد. ببساطة، لم يعد في وسع السياسيين الإبقاء على هذا النظام الفاسد الذي وفّر لهم الدعم والمنافع، ولا هم قادرون كذلك على إعادة إنتاجه مجدّداً. لكنهم في الوقت نفسه في حاجة ماسّة إلى الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها. وقد تمثّل نهجهم حتى الآن في تسيير الأمور كالمعتاد، إذ واصلوا مشاحناتهم حول تعيينات الخدمة المدنية، ولازالوا يتقاذفون اللوم عبر لعبة الفضح المتبادَل لصفقاتهم الوسخة، ويستميتون في المماطلة. لكن جُلّ ما يفعلونه فعلياً هو تأجيل الإصلاحات التي لا مناص منها، وهذا التأخّر في تطبيقها ستكون مضاعفاته أشدّ قسوة وإيلاماً على لبنان واللبنانيين.

انزلق السياسيون اللبنانيون إلى مأزق، وبات بقاؤهم في المشهد السياسي رهناً بتعافي لبنان. لكنّ البلاد لن تتعافى ما لم يقرّ هؤلاء بأنه لم يعد هناك شيء يمكنهم نهبه. ولذا، وبدلاً من التناحر على ما تبقّى من البقرة الحلوب، حريٌّ بهم التركيز على تحسين بنود خطة التعافي الحكومية الراهنة، وضمان تقاسم الأعباء بشكل منصف، ليس فقط لحماية اللبنانيين الأكثر ضعفاً، بل أيضاً لوضع الأسس اللازمة لبناء اقتصاد مستدام. ويشمل ذلك كلّاً من الإصلاح المالي، والسياسات الاجتماعية-الاقتصادية التي تعتبر أن الصحة والتعليم من الحقوق الأساسية للبنانيين.

لا شك أن الطريق نحو التعافي سيكون طويلاً، لكن على السياسيين إطلاق هذا المسار فوراً وسريعاً، لأن بقاءهم يعتمد على ذلك.