العام الفائت، في الدورة الحادية والستين لمعرض دمشق الدولي، أعادت الإمارات العربية المتحدة وصل ما انقطع مع سورية بعد تعليق العلاقات الدبلوماسية بين الدولتَين في العام 2012. فقد خُصِّص جناح في المعرض للشركات الإماراتية التي رافقها عبدالله سلطان العويس، رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة ونائب رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

بدأ الانخراط الإماراتي مع سورية خلف الكواليس، ووُضِع في إطار الشراكة الاقتصادية. وقد أتاح معرض دمشق فرصة للشركات كي تؤدّي دور الوساطة. فسورية تحتاج ، نظراً إلى الدمار الذي لحق بها، إلى شركاء مستعدين لتنفيذ مشاريع تصل كلفتها إلى مليارات الدولارات من أجل إعادة إعمار البلاد.

ولكن سرعان ما سلكت العلاقات منعطفاً جديداً. ففي أواخر آذار/مارس من العام الجاري، تحدّث ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، هاتفياً مع الرئيس السوري بشار الأسد لمناقشة التحديات التي تواجهها سورية لكبح انتشار جائحة كوفيد 19. وانتهت المكالمة بتأكيد محمد بن زايد أن "سورية لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة" مما ما أثار تساؤلات عن نوع العلاقة التي ستربط بين البلدين.

تترتب على العلاقات بين النظام السوري والإمارات العربية المتحدة تأثيرات على الروابط بين روسيا وسورية، وكذلك على العلاقات الروسية مع تركيا في سورية. في البداية، بدا أن روسيا ترحّب بالإمارات شريكاً إقليمياً جديداً. وفي شباط/فبراير، اجتمع مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، سيرغي ناريشكين، بمسؤولين إماراتيين لمناقشة التحديات والفرص في مجال مكافحة الإرهاب. ولكن موسكو لم تكن راضية عن الجهود التي بذلتها الإمارات لاحقاً لتقويض الاتفاق الذي أُبرِم بين روسيا وتركيا بشأن إدلب في آذار/مارس الماضي. ولكن كل المؤشرات تشير بأن موسكو سوف تتبنى موقفاً براغماتياً من الإمارات. فعلى سبيل المثال، تدعم الدولتان قوات خليفة حفتر في ليبيا في مواجهة حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا. وفي العام 2017، أقامت الإمارات أيضاً شراكة مع عملاق الدفاع الروسي "روزتيك" لـتطوير طائرات مقاتلة خفيفة الوزن من الجيل الخامس. فضلاً عن ذلك، تعمل روسيا والإمارات على توطيد العلاقات الاقتصادية بينهما في الأعوام الستة الأخيرة، وقد وصلت قيمة التبادلات التجارية غير النفطية بين الدولتين إلى 15 مليار دولار. وتبعاً لذلك، ربما تسعى المقاربة الروسية إلى الاستفادة من المساعدة الإماراتية لنظام الأسد، مع التأكد في الوقت نفسه من أن تحسين العلاقات الإماراتية-السورية لن يتسبب بتقويض النفوذ الروسي في سورية.

وقد بدا أن الإعلام الروسي يعكس هذه المقاربة المزدوجة. فقد نشرت وكالات أنباء روسية تقارير تتوقّع تحالفاً إماراتياً-سورياً محتملاً، وزعمت أن الإماراتيين سيعملون على تطبيق سياسات جديدة في المنطقة ويخطّون مساراً مستقلاً عن حليفهم السعودي. وناقش محللون روس تأثير الإمارات على شراكات روسيا الإقليمية. حتى إن بعضهم لمّح إلى أنه قد يكون من الأفضل لروسيا أن تسلك مساراً عربياً وترحّب بالإمارات شريكاً جديداً مكان تركيا، نظراً إلى وقوع خلاف بينها وبين وهذه الأخيرة بشأن العمليات العسكرية التركية في إدلب.

وفّرت الديناميكيات في إدلب سياقاً أتاح للإمارات زيادة تأثيرها على التطورات في سورية. في آذار/مارس الماضي، توصلت روسيا وتركيا إلى اتفاق لوقف العمليات العسكرية في إدلب بعد نزوح نحو مليون نسمة من المنطقة. ولكن ما إن انحسرت الأعمال الحربية حتى بدأ النظام السوري بقصف مناطق في إدلب. ولم تتأخر تركيا في الرد، فقد أنشأت القوات التركية موقعاً عسكرياً في تل النبي أيوب في منتصف أيار/مايو.

لقد تسببت عمليات النظام السوري فعلياً بتقويض الوعود التي قطعتها روسيا بوقف القتال في إدلب في إطار اتفاقها مع تركيا. وكانت أيضاً مصدر إحراج للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومازاد الطين بلة أن العديد من المواقع الإعلامية الروسية تداولت أنباء عن استئناف الأسد قصف إدلب بتشجيع من الإمارات العربية المتحدة. واستشهدت هذه المواقع بتقرير نشره موقع "ميدل إيست آي" الذي يُعتبَر أنه يعكس وجهة نظر قطرية، وقد زعم التقرير أن محمد بن زايد أقنع الأسد بالحاجة إلى استعادة الأراضي الخاضعة للسيطرة التركية. وادّعى التقرير أن الإمارات قدّمت محفزات مالية للأسد كي يشنّ عمليات عسكرية في شمال سورية. وبما أن قطر تعارض بشدة النظام السوري والإمارات العربية المتحدة، يجب التعامل بحذر مع هذه التقارير، وكذلك مع التقارير الروسية التي تستشهد بها. ولكن يبدو فعلاً أن نظام الأسد سعى إلى تصعيد التوتر في إدلب بهدف زعزعة الاتفاق الروسي-التركي.

فسّر البعض تقارب الأسد مع الإمارات بأنه محاولة للخروج من عزلته الإقليمية والعثور على حليف جديد يمكنه تمويل مجهودٍ يرمي إلى إخضاع سورية بكاملها لسيطرة الأسد. ويأتي هذا في وقتٍ أصبحت روسيا، وهي الشريكة الرئيسية للنظام، أكثر مرونةً في نقاشها للوضع السوري، ويبدو أنها على استعداد للنظر في التوصل إلى تسوية سياسية مع قوى المعارضة من أجل إنهاء الحرب. وهذا الأمر يختلف عن رؤية الأسد.

وبغية ثني الرئيس السوري عن المضي قدماً بتنفيذ خططه في إدلب، توجّه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق في 23 آذار/مارس الماضي ونقل رسالة إلى الأسد مفادها أن موسكو لن تقبل بأي خرق لاتفاقها مع تركيا. ولكن سلوك النظام السوري يشي بأنه لن يتورّع عن الذهاب إلى أقصى حدٍّ ممكن.

فسّر البعض تصرفات الأسد بأنها تنمّ عن تمرّد في وجه موسكو. إذنشرت وكالات أنباء روسية، في منتصف نيسان/أبريل، مقالات يُزعَم فيها أن الرئيس السوري لن يتمكّن من الفوز في الانتخابات الرئاسية في العام 2021 بسبب استياء الرأي العام من فساد النظام وسوء إدارته للاقتصاد. واقترحت أحدى المقالات عدة أسماء للمرشّحين الذين يمكن أن يحلّوا مكان الأسد، منهم رئيس الوزراء عماد خميس، والعميد سهيل الحسن، وأحمد الجربا، وهو قيادي سوري معارِض على اتصال بعدد كبير من الأفرقاء في سورية، والأهم من ذلك، انه يتمتع بعلاقات جيدة بروسيا.

واقع أن موسكو، وفقاً لتقارير عدة، وجّهت تحذيراً إلى الأسد من مغبّة زعزعة اتفاق إدلب مع تركيا، هو مؤشرٌ على حرص بوتين على الحفاظ على علاقات جيدة مع أنقرة. ولكن إن كانت لتطوير الروابط مع الإمارات فوائد تتيح لروسيا امتلاك أوراق قيّمة في المنطقة، لا يبدو أن ثمة سبباً مقنعاً يمكن أن يدفع ببوتين إلى الدخول في مواجهة مع الإماراتيين بسبب تعطيل اتفاق إدلب. على سبيل المثال، يمكن أن يستغل بوتين التمويل الإماراتي لقوات الأسد من أجل الحد من التعدّيات التركية في شمال سورية، نظراً إلى أن روسيا نفسها تواجه صدمة اقتصادية جرّاء الهبوط في أسعار النفط والخسائر المالية الناجمة عن جائحة كوفيد 19.

قد تتمكن روسيا، من خلال تأليب الإمارات على تركيا والعكس، من تعزيز نفوذها فيما تحافظ على علاقات جيدة مع البلدَين. وبهذه الطريقة، يستطيع بوتين أن يحجز، عن طريق المناورة، موقعاً لبلاده يتيح لها الاستمرار في أداء دور محوري في سورية، عبر انتزاع مكاسب من مختلف الأطراف.

لكن هذه المقاربة تتطلب عاملاً أساسياً. إذ ينبغي على بوتين أن يتأكّد من أن أي علاقة يبنيها الأسد مع الإمارات لن تؤدّي، شأنها في ذلك شأن الروابط السورية مع إيران، إلى تهميش روسيا. ففي لعبة النفوذ الطاحنة، لا أحد عدوٌّ لك إلا حين يسعى إلى الحد من نفوذك. وكما يقول مراقب روسي، سوف تحاول موسكو دائماً "أن تتجنّب تكبّد هزيمة استراتيجية فيما تعمل على تحقيق مكاسب تكتيكية".