عادت صادرات الأسلحة الأميركية إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتنصدّر مجدداً موقعاً مركزياً في السياسات الأميركية. ومع أن الانتباه يمكن أن يُبطىء أو يوقف صادرات الأسلحة إلى المنطقة بفعل زيادة التدقيق والتفحّص، إلا أنه من المحتمل أيضاً أن بعض البلدان، على الأقل، في المنطقة، يمكن أن تشهد زيادة ملحوظة في واردات الأسلحة الاميركية، على الرغم من البلايا الاقتصادية والطبية التي يُحدثها كل من جائحة كوفيد- 19 وانخفاض أسعار النفط.

مؤخرا، نشرت " نيويورك تايمز" عرضاً تضمّن معلومات إضافية حول مزاعم سابقة عن أن النفوذ الجامح الذي تمارسه وزارة الدفاع الأميركية على إدارة ترامب، ساعد على مواصلة مبيعات الأسلحة إلى السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وهذا على رغم قلق السياسة الخارجية الأميركية من انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة منها تلك التي تستهدف عمداً المدنيين في حرب اليمن وعملية قتل الحكومة السعودية للصحافي جمال خاشقجي. وبعد هذا العرض بأيام قليلةـ في 18 أيار/مايو، طفت على السطح ادعاءات بأن المفتش العام لوزارة الخارجية، ستيف لينيك، طُرد من منصبه، جزئياً بهدف وقف تفتيش مُنجز تقريباً، تضمّن التدقيق بمسألة الموافقة على مبيعات الأسلحة هذه.

جُل هذه المسائل الخلافية تنبثق من كوّة نادراً ما تُستخدم في تشريعات الصادرات الاميركية. ففي 24 أيار/مايو 2019، أصدر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إعلاناً عاجلاً عن "نشاط إيراني خبيث" يفرض "تهديداً أساسياً على استقرار الشرق الأوسط والأمن الأميركي في الوطن والخارج".( المرة الأخيرة التي استُخدم فيها مثل هذه البيان العاجل، كان في آب/أغسطس 1990، حين أقرّت إدارة جورج. أتش. بوش مبيعات عاجلة من الدبابات وأعتدة عسكرية أخرى للسعودية، غداة غزو العراق للكويت. وبالمثل، سمحت هذه الكوة لإدارة ترامب بالمضي قدماً في الموافقة على أسلحة للسعودية ودولة الإمارات والأردن بقيمة 8،1 مليار دولار، من دون فترة التبليغ المطلوبة للكونغرس (30 يوما)، وعلى رغم اعتراضات بعض أعضاء الكونغرس على ذلك.

حدث كل هذا مع أن صادرات الأسلحة سابقاً- خاصة إلى دولة الإمارات- حُوّلت إلى جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، إضافة إلى نشاطات في اليمن اعتبرها العديد من المراقبين بمثابة جرائم حرب. وبالتالي، كان مطلوباً على الأقل، ووفقاً للتشريعات الأميركية، أن تخضع صادرات الأسلحة لهذه الحكومات إلى مراقبة وسيطرة عميقتين للغاية- إن لم يكن لفرض حظر تام.

حاول الكونغرس في سلسلة من 22 قانوناً قلب صادرات الأسلحة هذه، من خلال اجراءات وُضعت وفق قانون إدارة صادرات الأسلحة. ومع أن القوانين لإنهاء العقود أقرّت في كل من مجلسي الشيوخ والنواب بطريقة ثنائية حزبية، إلا أنه لم يكن في مجلس الشيوخ أغلبية الثلثين الضرورية لتجاوز حق النقض (الفيتو) الذي مارسه الرئيس دونالد ترامب. وهكذا شقت عقود مبيعات الأسلحة طريقها إلى التنفيذ.

كل هذه المعطيات سلّطت أضواءَ ساطعة على مختلف مسارات النفوذ والكوى التنظيمية في نظام صادرات الأسلحة الأميركية. كما أنها أماطت اللثام عن حقيقة أخرى في مسألة صادرات الأسلحة: يُحتمل أن تزداد صادرات الأسلحة الاميركية رداً على كوفيد-19، على شرط طبعاً أن تكون هناك أطراف مستعدة للشراء، هي على الأرجح بلدان في الشرق الأوسط.

مع توافر تدقيق حازم حول صادرات الأسلحة الأميركية إلى المنطقة، كان المرء يتوقّع أن تتراجع هذه الصادرات في السنوات المقبلة، خاصة حين ينصب التركيز على كوفيد- 19 وتبعاته الاقتصادية. لكن ما حدث كان العكس، إذ أن بعض البلدان، على الأقل، قد تزيد واراداتها من الأسلحة الأميركية، مع أن المصائب الاقتصادية والطبية وتلك المتعلقة بالنزاعات، لاتزال تتواصل فيها على قدم وساق. وربما لخّص السيناتور السابق توماس أونيل مرة أسباب ذلك حين قال مازحاً: "كل السياسات محلّية".

هنا، تاريخ صادرات الأسلحة لدى كلٍ من الإدارات الجمهورية والديمقراطية يكشف عن نمط واضح: سُمِحَ لمثل هذه الصادرات أن تتزايد، حين كان يُتوقع أن تتراجع المشتريات المحلية لمعدات الدفاع الأميركي. وحين نضع في الاعتبار وجود العديد من الأطراف على اليمين التي تدعو إلى وقف في ميزانيات الدفاع وميزانيات أخرى بسبب مشاكل العجوزات المالية، ومجادلة العديدين على اليسار بضرورة خفض نفقات الدفاع لتمويل المساعدات الطبية والاقتصادية، فإنه يمكن بالتأكيد توقّع بروز ضغوط ضخمة لخفض ميزانية الدفاع، التي تشكّل أصلاً نصف الميزانية التقديرية الفيدرالية.

في الماضي، حدث بالفعل أن مُكِّنت السلطتان التنفيذية والتشريعية من بيع صادرات دفاعية إضافية، للمساعدة على تعزيز صناعة الأسلحة الأميركية وتقليص خفض الوظائف، خاصة تلك الموجودة في دوائر انتخابية أساسية لأعضاء في الكونغرس.

على رغم وجود بعض القيود على صادرات الأسلحة الأميركية منذ وقت مبكر يرقى إلى العام 1917، وخاصة إبّان الحرب الباردة، إلا أن النظام الحديث لقوانين إدارة وتنظيم صادرات الأسلحة لم يشهد انطلاقته سوى في حقبة السبعينيات. وهذا كان نتيجة ما كشفت عنه مبيعات الأسلحة السرية خلال حرب فيتنام وصفقات الفساد في هذه المبيعات، كجزء من جلسات الاستماع حول ما بعد ووترغيت في الكونغرس. وقد قامت الإدارات الأميركية المتعاقبة بتنفيذ هذه القوانين من خلال "سياسة نقل الأسلحة التقليدية ( (CAT".

كانت هذه السياسة مقيّدة للغاية في عهد إدارة كارتر، لكن في عهد إدارة ريغان بات هدف صادرات الأسلحة الأميركية زيادة قدرات وفعالية الدفاع الأميركي. ثم في أوائل التسعينيات، مع نهاية الحرب الباردة، وجد قطاع التصدير العسكري الأميركي أن سوقه يتقلّص في الداخل كما في الخارج. الرد على ذلك بدأ مع الرئيس جورج. أتش. بوش ثم أقّره رسمياً الرئيس بيل كلينتون، فأصبحت السيطرة على الصادرات انسيابية ومحدودة في حجمها.

استبقت إدارة جورج. دبليو بوش إلى حد كبير سياسات حقبة كلينتون، وكذا فعلت إدارة أوباما، وإن مع توسّع في معايير حقوق الإنسان. كما تصاعدت مبيعات الأسلحة على نحو دراماتيكي في عهد باراك أوباما، وهو منحى توسّع للغاية في ظل الإدارة الحالية. صحيح أن سياسة إدارة ترامب لم تلغ اعتبارات حقوق الإنسان، لكنها شطبت بالفعل بعض التشديد على الحاجة إلى تقييد مبيعات الأسلحة الاميركية، هذا إلى جانب تركيز أكبر على المنافع الاقتصادية لصادرات الأسلحة .

التبرير الرئيس للصادرات العسكرية كان توفير فرص العمل للأميركيين وتعزيز الاقتصاد الأميركي، خاصة في المناطق الانتخابية الرئيس لأعضاء الكونغرس. على سبيل المثال، أدى بيع طائرات أف- 16 للبحرين إلى إنعاش مصنع لوكهيد مارتن في جنوب كارولينا؛ وساعد بيع جنرال دايناميك للسعودية دبابات مصنعاً في أوهايو؛ وبيع نظام صاروخ رايثيون باتريوت إلى الإمارات أدى الغرض نفسه لمصنع في ماساشوستس. وعلى حد تعبير كاي غارنغر، رئيس اللجنة الفرعية لمخصصات الدفاع في مجلس النواب، في معرض تعليقه على قرار إدارة ترامب تأخير المساعدة العسكرية لمصر، فإن "الشركات والعمال الذين يصنعون تلك المعدات في الولايات المتحدة سيتضررون".

أرباب صناعة الأسلحة الأميركيون، مثلهم مثل أرباب الصناعات الأخرى، يواجهون مخاطر إغلاق المصانع وسلاسل التوريد بسبب كوفيد- 19. بيد أن العديد من الشركات، تلقت أموال تحفيز من قانون "كيرز (CARES)، ووزارة الدفاع تسرّع المدفوعات لهذا القطاع (العسكري). لا بل ثمة بعض أضخم شركات هذا القطاع تعمد حتى إلى توظيف عمال.

هناك في الواقع كوكتيل من العوامل التي تشي بأن ثمة إمكانية قوية بأن تضغط صناعة الدفاع لتصدير الأسلحة إلى بلدان أخرى، بهدف التعويض عن الهبوط المحتمل في مشتريات الأسلحة الأميركية في الداخل. كوكتيل العوامل هذه هي: ضغوط كبرى تبذلها صناعة الدفاع، والباب الدوّار للوظائف في الجهاز البيروقراطي للدفاع، والكونغرس، والصناعة، ومساهمات وازنة للجان العمل السياسي وأموال التأثير المُغفلة المرتبطة بصناعة الدفاع( لأن شركات الدفاع لا تستطيع قانوناً المساهمة في تمويل الحملات الرئاسية أو التشريعية).

أين ستذهب هذه الأسلحة؟ إذا كانت العبرة في الماضي، فإن معظمها سيحط الرحال في الشرق الأوسط.

معروف أنه منذ العام 2010، واصلت صادرات الاسلحة الأميركية الرئيسة النمو وباتت تشكّل الآن 36 في المئة من سوق السلاح العالمي. وقد ذهبت نصف صادرات الأسلحة الأميركية في السنوات الخمس الأخيرة إلى بلدان في الشرق الأوسط، ونصف هذا النصف كان من حصة السعودية. وفي الفترة بين 2015 و2019، قفزت واردات السعودية من الأسلحة بنسبة 130 في المئة بالمقارنة مع السنوات الخمس التي سبقتها، وجاء 73 في المئة من أسلحتها من الولايات المتحدة.

والحال أنه على رغم انحفاض أسعار النفط، ومشاكل الموازنات، وفجوة اللامساواة الاقتصادية الضخمة، والاحتجاجات الشعبية، إلا أن معظم حكومات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستواصل استيراد كميات مُعتبرة من الأسلحة. كما أن غالبية بلدان المنطقة تستطيع إلى حد كبير تجاهل الرأي العام أو إخفاء العديد من مشتريات الأسلحة بفعل ميزانيات الدفاع غير الشفافة لديها. السبب؟ لأن كل بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تقريباً تفتقد إلى أي رقابة برلمانية أو من قبل المجتمع المدني، ولاتوجد شفافية في قطاعها الأمني.

قد تسعى بعض الحكومات، في حال اندلعت اضطرابات شعبية إضافيةـ، إلى الحصول على أسلحة لاخضاع شعوبها. إضافة، مسألة استيراد الأسلحة هي أكثر من مجرد تلبية لحاجات الأمن الوطني في هذه البلدان. لا بل الواقع أن هذا الأمن الوطني غالباً ما يكون في أدنى الأولويات خلال استيراد السلاح. إذ أن واردات الأسلحة هي فرصة لممارسة الزبائنية، خاصة من خلال قروض تعرف بـ"المقايضة" مع الداعمين الرئيسيين. وعلى أي حال، حين تكون قطاعات الأمن هي أرباب العمل الرئيسيين، فإن في وسعها تمكين الأنظمة من تقديم فرص العمل لبعض المجموعات، خاصة منها الإثنية او القبلية أو الدينية، فيما يتم إقصاء الآخرين. ومع كون قطاع الدفاع تاريخياً هو أكثر القطاعات الاقتصادية فساداً، فإن ثمة فرصاً ثمينة للمقايضة.

إن ترامب وأعضاء الكونغرس لايريدون، خاصة في سنة انتخابية، أن يواجهوا الناخبين بإغلاق مصانع الدفاع، خصوصاً حين يساعد تصدير الأسلحة على إبقاء أبواب المصانع مُشرعة. وبالمثل، قد يجد العديد من حكومات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن واردات الأسلحة طريقة جيدة لتعزيز أنظمتها، حتى ولو كان من الأفضل لها إنفاق الأموال والموارد في مجالات أخرى، وبالأخص خلال الوباء.

ولا ريب أن أي أسلحة أميركية إضافية لمنطقة تعج بالنزاعات، والقمع، والاضطرابات الأمنية، ستؤدي حتماً إلى مفاقمة المضاعفات المأساوية لكوفيد- 19.