عامر البساط هو مدير أول محفظة استثمارية في مؤسسة "بلاك روك" التي يرأس فيها فريق الاستثمار للأسواق السيادية والناشئة (ألفا). قبل عمله في "بلاك روك" تسنّم مسؤوليات محفظة استثمارية في كلٍ من مؤسستي UBS و مورغان ستانلي، وكان في الفترة بين 1991 و1998 إقتصادي أول في صندوق النقد الدولي، حيث ساعد على التفاوض حول برامج رفيعة المستوى مع روسيا وأوكرانيا ومصر. درّس البساط اقتصاديات مستوى التخرّج في جامعة كولومبيا، التي حصل فيها على درجة دكتوراه. مؤخراً، نشرت كارنيغي مقالاً شارك البساط في وضعه مع إسحق ديوان ومارسيل كاسار، ناقشوا فيه المسار المحتمل لمفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي.

"ديوان" أجرى مقابلة مع البساط في أوائل حزيران/يونيو لاستطلاع رؤيته للخطوط العامة لخطة إصلاح محتملة في لبنان.

مايكل يونغ: الحكومة اللبنانية الآن في خضم مفاوضات حول برنامج لصندوق النقد الدولي. إلى أي مدى يجب أن نتفاءل باحتمالات النجاح؟

عامر بساط: لنتفاءل بحذر. إذ يبدو أن الطبقة السياسية "أدركت" مدى شدّة الأزمة، وبدأ يبرز إجماع، وإن ضعيفا، بأن برنامجاً يضعه صندوق النقد الدولي هو شرط مُسبق لازب لإشراع الأبواب أمام تمويل خارجي تشتد الحاجة إليه. بموازاة ذلك، وفي عالم مابعد وباء كوفيد-19، يتوق صندوق النقد الدولي إلى مساعدة البلدان الفقيرة، وهو عمد مؤخراً إلى تسهيل حصول هذه البلدان على التمويل منه. ولذا، الحوافز بين كلا الطرفين متّسقة.

لكن، وعلى رغم الأهمية الفائقة للاتفاق، إلا أن الرحلة لن تكون سهلة بل ستشوبها الصعوبات:

أولاً، يُحتمل أن يكون حجم الدعم المالي الذي سيقدّمه صندوق النقد الدولي أصغر مما المرغوب به. ثم أن تمويل الصندوق يرتبط بمدى طموح البرنامج الاقتصادي المعني. بالطبع، تستطيع الحكومة اللبنانية طلب دعم مالي مضخّم، وهي ستفعل ذلك. لكن، لكي تحصل على هذا الدعم، يجب على لبنان أن يتعهّد باتخاذ اجراءات كان من المستحيل حتى الآن تنفيذها.

ثانيا، لن يقبل صندوق النقد الدولي مجرد تلقّي الوعود، بل يريد خطوات مُحددة. فهو لن يقبل، على سبيل المثال، مراسيم حكومية، بل سيطلب قوانين. وانخراط البرلمان في ذلك، بكل ما يتضمنه هذا من تبعات سياسية، سيصبح ضروريا.

أخيرا، تمويل الصندوق لن يأتِ دفعة واحدة بل سيكون تدرجياً. الدفعة الأولى ستأتي غداة اتخاذ "خطوات مسبقة"، لكن بعد ذلك سيتوقّع الصندوق مروحة أخرى من الاجراءات التي يجب تنفيذها على مدى السنتين التاليتين. الأموال ستقدّم كل ثلاثة شهور بعد أن يراجع مسؤولو الصندوق مدى التقدّم الذي تم إحرازه. وكما هو معروف، برامج الصندوق التي تتعثّر، ناجمة عن فشل هذه المراجعات.

يونغ: الركود في لبنان كان مؤلماً، والمضاعفات الاجتماعية موهنة للعزيمة. متى يمكن أن ينتهي كل ذلك؟

البساط: تُواجه البلاد بشكل مأساوي عاصفة كاملة وعاتية من المشاكل. أولا، البلاد التي واجهت أزمات مشابهة لتلك التي عاينها لبنان احتاجت، كمعدل وسطي، إلى سنة للخروج من الركود. وهذا شمل بلداناً عانت من أزمات أقل حدة من لبنان ونجحت، وهنا الأهم، في إدارة أزماتها بشكل أفصل بما لايقاس مما تفعله السلطات اللبنانية هذه الأيام.

ثانيا، صدمة كوفيد- 19 لها سمة ملحمية. إذ حتى لو تم اكتشاف لقاح، ستكون عملية إعادة تشغيل العاملين المُسرّحين وإحياء قطاعات الأعمال المتوقفة عملية بطيئة.

أخيرا، برزت الأزمة الاقتصادية وصدمة كوفيد-19 في وقت تشهد فيه أسعار النفط انهياراً، وهذا سيؤدي إلى هبوط حاد في التحويلات، والسياحة، والتدفقات المالية من بلدان مجلس التعاون الخليجي.

ماذا يعني هذا للبنان؟ السلطات فيه تفترض حدوث انكماش بنسبة 12 في المئة، لكني أخشى أن هذا المعدل قد يُثبت أنه متفائل للغاية. إضافة، يُحتمل كثيراً أن يتمدّد الركود إلى العام 2021، حيث أنا أفترض مبدئياً انكماشاً إضافياً بنحو 5 في المئة. ما سيحدث بعد ذلك في علم الغيب، إذ أن الكثير يعتمد على الخطوات التي سيجري تنفيذها اليوم: فإذا ما نجح برنامج الإصلاح/الاستقرار الذي تتم مناقشته مع صندوق النقد، نستطيع أن نتطلّع قدماً إلى حالة تعافي لطيفة من طراز “v” (الذي يتضمن ارتفاعاً إلى ذروة سابقة بعد هبوط حاد في المقاييس الاقتصادية). وإذا لم يحدث ذلك، فمن الواقعية أكثر التفكير باقتصاد في شكل L، حيث يحدث الانهيار في خاتمة المطاف، لكن التعافي يخمد أو حتى يتبخّر لسنوات عدة تالية.

يونغ: إذن، إذا ما كان أمد الركود قد يطول، هل من المبكر للغاية بدء التفكير بمستقبل الاقتصاد اللبناني؟

البساط: ليس من المبكر قط. فالاجراءات التي ستتخذ اليوم ستؤثر على كيفية تشكّل "الاقتصاد اللبناني الجديد". ثم: أنا شخصياً تحدّرت من اقتصاديين يعتقدون أنه يتعيّن على صنّاع السياسة تجنّبالدخول في تفاصيل الإدارة الاقتصادية. إذ أن اتخاذ القرارات مركزياً حول أي قطاعات يجب دعمها، وأي قطاعات يجب حجب الدعم عنها، ليس مسألة عصيّة على التنفيذ وحسب، بل هي تُشرع الأبواب والنوافذ أمام الفساد والأنشطة الريعية.

من الأفضل، بدلاً من ذلك، ان نرى صناع السياسة اللبنانيين يضعون أسس اقتصاد صحي وسليم. وهذا يشمل إزالة الآثار البغيضة للديون، وإصلاح المالية العامة، وتنفيذ سياسة نقدية تُسفر عن تضخّم منخفض، ومعدلات فائدةمطواعة، وأيضا (وهنا الأمر الحاسم) أسعار قطع أجنبي تنافسية. كما تشمل كذلك إعادة بناء القطاع المصرفي، وإصلاح الإطار التنظيمي للسماح بتنافسية قطاع خاص فعّال، ولكن عادل، وضمان ملاءة أمان اجتماعية، يمكن تحمّلها. إذا ما نجح صناع القرار في إقرار هذا النوع من الإطار الكلي والتنظيمي، فإن القطاع الخاص اللبناني الكفؤ والماهر في تنظيم المشروعات سيكتشف بشكل طبيعي أين سيبرع ويزدهر.

يونغ: جمعية المصارف اللبنانية طرحت خطة هدفت منها أن تكون بديلة عن خطة الحكومة. ما رأيك في ذلك؟

البساط: دعني أبدأ هنا بطرح فكرة عامة. المصارف هي، وستبقى، صاحبة مصالح مهمة، وبالتالي شيطنتها، كما بدأ يصبح شائعاً، سيأتي بنتائج عكسية. لا شك أن المصارف تتحمّل شطراً من اللائمة لما وصل إليه لبنان، لكنها ليست المذنب الوحيد. يجب أن تكون الحلول الوسط في جوهر أي حل له ديمومة للأزمة اللبنانية. وفي هذا الإطار، خطة جمعية المصارف هي وثيقة مدروسة وتنطوي على عناصر مهمة جديرة بالنقاش والتحليل.

بعد توصيف الخطة على هذا النحو، أقول أن قضيتي معها هي أنها تقترح عملياً أن تستخدم أصول الدولة أساساً لتجنيب أصحاب المصلحة في المصارف تلقي ضربة مالية. هذا بوضوح أمر غير ملائم. فاستخدام أصول الدولة له دور في المساعدة على تسهيل الهبوط الناعم في الاقتصادات. رأس مال البنك يجب أن يكون "الخسارة الأولى"، وفقط بعدها يجب استخدام أصول الدولة لتقليص العبء عن المودعين.

يونغ: سؤالي يتمحور حول هذا الأمر: مسألة استخدام أصول الدولة تثير نقاشات ملتهبة. ما موقفك منها؟

البساط: لانستطيع التركيز على ديون الحكومة وحدها ونتجاهل جانب الأصول في الميزانية العمومية. فمشكلة حجم القطاع المالي كبيرة للغاية، إلى درجة أن المرء لايستطيع أن يرفض استخدام أصول الدولة. لكن، إذا ما استُخدمت هذه الأصول، فسنتعرّض إلى ركود أعمق، وخفض أكبر لقيمة العملة، وتكلفة أضخم لانقاذ الودائع. وأي خطة جدّية تتضمن أصول الدولة يجب أن تدرس بعناية اعتبارات الانصاف (من يستفيد ومن لا يستفيد) ومسائل على غرار البيع الكامل مقابل التسنيد، والفاعلية الأفضل، والأكثر أهمية: قضايا الحوكمة.

يونغ: إذا ما استمرت الأزمة لسنوات، ماذا سيكون مصير المودعين خلال هذه الفترة؟

البساط: يجب أن يكون ثمة قدر من الواقعية هنا. فالثقب في القطاع الأمني ضخم. وخطط الحكومة تقدّر هذه الفجوة بنحو 53 مليار دولار، لكن هذا، واقعياً، يمكن أن يُثبت أنه تبيسط للأمور. يجب ملء الفجوة وإلا ستتحمّل البلاد مرحلة مديدة من القيود على الرساميل، وتجميد الودائع، وما يُسمّى النظام المصرفي "الزومبي" (الحي- الميت).

كيف يجب ملىء هذه الفجوة؟ التشبيه المجازي الذي أريد أن استخدم هنا هو السلّم: المرء يبدأ بتسلّقه من تحت إلى فوق. الأمر الأول هنا هو التأجيل "المسؤول" بقدر الأمكان (التعبير التقني لهذا هو "التريث التنظيمي" (regulatory forbearance). وإذا لم يكن هذا كافيا، سيكون على أصحاب المصارف تناسي رأس مالهم وجلب رساميل طازجة من الخارج. الخطوة الثانية على السلّم هي أن تطرح الدولة بعض أصولها في التداول. وإذا كان هذا أيضاً ليس كافياً، سيحتاج المرء، من أسف، لأن يتسلّق إلى أعلى السلّم، أي بكلمات أخرى: إلى المودعين. ومن سوء الحظ، هذه الخطوة الأخيرة تبدو مُحتّمة بفعل حجم الفجوة. وبالتالي، الرأي الذي يقول أن المودعين لن يتأثّروا، ليس واقعيا.

إن توقيت، ووسيلة، وحجم الكيفية التي "سيُنقَذ" فيها المودعون، لن تُعرف إلا بعد الأعلان عن خطة أعم لإعادة هيكلة القطاع المالي. وهنا، ثمة فكرة يحبّذها البعض، وأنا منهم، يتم فيها تقسيم القطاع المالي إلى مصارف "جيدة" ومصارف "سيئة". حينها، يُنقل صغار المودعين إلى المصارف الجيّدة ويحصلون، في فترة قصيرة نسبياً من الزمن، على مداخل إلى مدخراتهم. الحاسم هنا هو أن تبدأ المصارف "الجيدة" فوراً بخدمة الاقتصاد.

في المقابل، يُلحق كبار المودعين بالمصارف "السيئة" ويشهدون تجميد مدخراتهم إلى أن تعاد هيكلة الأصول المُتضررة (الدين السيادي ومطالب المصارف من مصرف لبنان). ويمكن استخدام أصول الدولة لتعزيز المصارف "السيئة"، وبذا تُقلّص نظرياً أعباء كبار المودعين.

يونغ: في مقالة نشرْتها مؤخراً، طرحت الفكرة بأن الحل التدريجي للأزمة اللبنانية قد يكون أكثر فعالية ويحقق نتائج أفضل من الحل الجذري الذي يأمله الكثيرون. هلاّ لك أن توضح لنا هذا الأمر؟

بساط: نقطة الانطلاق في مقترحي هي أن حجم المشكلة ضخم بشكل مذهل، وبالتالي ليس ثمة البتة حلولاً سهلة وإجراءات غير مؤلمة قريبة. السياسات التي يمكن أن تُحدث فرقاً هي إما ألم مُحتمل أو حل مستحيل التطبيق اجتماعياً- سياسياً في لبنان اليوم. أساساً، نوع تدمير الثروة التي يحتاجها الأمر لأعادة التوازن فوراً إلى الاقتصاد، سيخلق في الحال إفقاراً لحظويا. ومن دون الخوض كثيراً في لجج المجال السياسي- الاجتماعي، يتعيّن علينا أن نقلق من مضاعفات مثل هذا الانهيار الاقتصادي على البلاد، بكل ما ينطوي عليه من شروخات طائفية عميقة وأنماط عنيفة من الصراع الأهلي.

لكل هذا أحبّذ المقاربة التدرجية. وإذا ما كانت توجهات أذرع السياسة العامة مؤلمة وتبدو مستحيلة التطبيق اجتماعياً- سياسيا، إلا يجب حينها على صنّاع السياسة أن يتدارسوا وضع خطة بديلة؟ إليس ثمة مجال لمقاربة أقل شدة لإدارة الأزمة: مقاربة لا تُحاول تحقيق الكمال بل تحشد فقط ما يكفي من الدعم السياسي والاجتماعي لتجنّب الانهيار التام؟

دعوني أوضح هنا أمرا، كي لا يُعتقد أني أتغافل عن سلبيات هذه المقاربة. السلبيات كبيرة بالفعل، إذ هي ستُطيل أمد عملية التكيّف، وتستبقي القيود على الرساميل أطول مما هو مرغوب به، وربما تتطلّب خفضاَ كبيراً لقيمة العملة. لكن، للمقاربة التدرجية ميزة كبرى وهي أنها مُستساغة أكثر اجتماعيا- سياسيا. كما أنها ستمنح الوطن فسحة وقت فيما هو ينتظر تدفق عائدات النفط والغاز، أو ربما مشهداً إقليمياً مغايرا، أو كليهما. وإذا ما أردنا أن نكون أكثر تفاؤلاً، نقول أن هذه المقاربة تُعطي المجتمع المدني حفنة أخرى من السنوات للقيام بالتنظيم والإعداد للانتخابات البرلمانية التالية، بأمل أن ينطلق حينها تحوّل عميق.