في 23 آذار/مارس 2020 أعلنت وزارة الصحة السورية عن أول إصابة بفايروس كورونا المستجد، وبحلول 07 حزيران/يونيو بلف عدد الإصابات 141 إصابة منها 77 حالة نشطة. وقامت السلطات السورية باتخاذ إجراءات احترازية عدّة شبيهة بما اتخذته بلدان أخرى حول العالم للحدّ من انتشار الوباء، وقد امتدت هذه الإجراءات إلى المؤسسة العسكرية، إلا أن هذه الإجراءات التي شملت تعليق بعض أنشطة الوحدات وعمليات التسريح وإيقاف التجنيد مؤقتاً بالتزامن مع تنشيط الخدمات الطبية وحتى حركة الميليشيات الموالية لم تؤثر بشكل كبير على قدرتها في الحفاظ على الاستعداد القتالي أو شن عمليات واسعة النطاق خلال مواجهة الوباء.

على الرغم من أن القيادة العامة للجيش لم تصرح بأن هناك إصابات بالوباء في عديد أفرادها، إلا أنها اتخذت سلسلة إجراءات احترازية خاصة بها من شأنها محاولة وقف تفشي وباء كوفيد 19، حيث قامت في 14 آذار/مارس الماضي بمنح إجازة لمدة 17 يومًا للضباط الطالب كافة في الكليات العسكرية، ما لبثت أن مددتها حتى 20 نيسان/أبريل، ثم 27 أيار/مايو على التوالي، كما أنها أوقف النشاطات الرياضية العسكرية أو تلك التي تتطلب تجمعًا.

كما علقت القيادة العامة العمل بالمديريات والمؤسسات المرتبطة بوزارة الدفاع التي لا يشكل تعليق العمل فيها عائقًا أمام مواجهة خطر الوباء، لكنها استثنت المنشآت الإنتاجية التابعة للوزارة بمختلف أنواعها. واشترطت عدم تأثر الجاهزية في الجيش والقوات المسلحة، واستثنت من التعليق الجهات العاملة في القطاع الصحي والتابعة لوزارة الدفاع كالمؤسسة العامة للدم والصناعات الطبية وصندوق التعاون والإسعاف وغيرها من المؤسسات التي يتصل عملها بمواجهة مخاطر الوباء.

بالإضافة لعمليات تعليق الأنشطة، أثّر الوباء أيضًا على عمليات التجنيد، حيث أعلنت القيادة العامة في 20 آذار/مارس عن وقف كافة السوقيات بالإضافة لوقف كل لإجراءات القانونية الخاصة بدعوة المكلفين، وذلك للسماح لهم بمراجعة الجهات العامة أو المشافي أو الدوائر الصحية من دون خوف من اعتقالهم بسبب تخلف البعض. ولكن هذا التعليق انتهى في 22 نيسان/أبريل من دون تجديده، كما أوقفت مشاريع الإجازات في الوحدات القتالية كافة ، أي أن جميع العسكريين سيبقون حبيسي وحداتهم حتى إشعار آخر، مع التركيز على حملات توعية خجولة بخطورة الوباء على وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بوزارة الدفاع وتعزيز الإجراءات روتينية الأسبوعية.

وأصدرت القيادة العامة وعلى نحو غير متوقع أمرين إداريين على التوالي ،الأول ينهي الاحتفاظ والاستدعاء للضباط الاحتياطيين المحتفظ بهم والملتحقين من الاحتياط ممن أتمّوا ثلاث سنوات فأكثر باستثناء الأطباء البشريين الاختصاصيين في إدارة الخدمات الطبية، وترك أمر تسريحهم بقرار من الإدارة وفقًا لإمكانية الاستغناء عن خدماتهم.

أما الأمر الثاني فقد أنهى الاحتفاظ والاستدعاء لصف الضباط والافراد الاحتياطيين وكذلك صف الضباط والأفراد الملتحقين بالخدمة قبل العام 2013، بالإضافة لكل من صف الضباط والأفراد المحتفظ بهم والاحتياط المدني. ويحمل هذا الإجراء استثمارًا من جوانب عدة حيث يهدف إلى تخفيض عدد العناصر الذين أتمّوا سنوات خدمة طويلة، والتخلّص من العبء المترتب على الجيش في حال الاحتفاظ بهم في ظل الوباء، حيث تم تعويض النقص العددي الناجم عن هذين الأمرين بعناصر من الميليشيات الموالية بحيث لا تتأثر الجاهزية القتالية، خصوصًا أن ساحة المعركة الرئيسية في محافظة إدلب تشهد وقفًا للأعمال القتالية نتيجة الاتفاق الروسي التركي منذ 5 آذار/مارس، حيث حوّلت قوات النظام وباء كوفيد 19 إلى فرصة من أجل إنهاء الاحتفاظ والتخفيف من الاحتقان الموجود لدى العناصر ممن أتمّوا مدّة طويلة في الخدمة.

وتُظهر تعيينات طبية جديدة بدأت في شهر آذار/مارس الماضي الحاجة الملحة في وزارة الدفاع لرفد المشافي العسكرية بكوادر من الأطباء والممرضين وخريجي المعاهد المتوسطة (من الذكور والإناث) للحد من انتشار الوباء، حيث أعلنت القيادة العامة تباعًا عن حاجتها في تعيين عدد من حملة الشهادة الجامعية في الطب البشري والأطباء المقيمين ضباطًا جامعيين على أن تعفيهم من الخدمة في التشكيلات وتُخضعهم إلى دورة عسكرية تأهيلية مختصرة مدتها شهر واحد. كما أعلنت عن رغبتها بتطويع عدد من الدارسين في المعاهد الطبية والصحية ومدارس التمريض بالإضافة لرغبتها بتطويع عدد من خريجي المعاهد الصحية والطبية والإدارية. والمريب في الأمر أن الوزارة سمحت بتطوع حتى أولئك الذين لم يتخرجوا بعد، وهو ما يثير تساؤلات عن مدى انتشار الوباء.

أما على صعيد الاحتياجات الطبية فقد أعلنت إدارة الخدمات الطبية عن مناقصات عدة لطلب مستلزمات طبية كمجموعة خاصة لفحص PCR (لتحليل الحمض النووي)و لباس طبي كامل لعناصر العزل، ومن المعروف أن هذه المستلزمات خاصة بالكشف والحماية من وباء كوفيد 19، ولا يمكن للوزارة تأمينها بشكل مباشر بسبب العقوبات المفروضة عليها.

على الرغم من هذه الإجراءات، بقي توفير الأقنعة الطبية والمواد المعقمة لعناصر الجيش السوري محدودًا، عبر حملات مدنية وأهلية أو بمبادرة خاصة من قادة بعض الوحدات العسكرية حيث اقتصرت استراتيجية وزارة الدفاع على "الإيعاز بضرورة استخدام القفازات والكمامات" من دون الإشارة لكيفية تأمينها لهم. وبدا أن بعض العناصر يتذمرون بأن عاتق تأمين هذه المواد يقع عليهم، مما يزيد من عبء الضغوط المالية التي يعانون منها أصلًا، خصوصًا أن أسعار هذه المواد قد تضاعفت ستة مرات على الأقل.

وجاءت احتفالات الجيش السوري بعيد "ثورة 8 آذار" وكذلك عيدميلاد حزب البعث الحاكم، ليظهر خلالها مدى عدم التزام الجنود والضباط بارتداء الأقنعة الطبية أو قاعدة التباعد الاجتماعي، ما يوحي بالتساهل في مواجهة الوباء على الأرض. وأظهرت زيارة وزير الدفاع علي عبد الله أيوب في 24 أيار / مايو لمركز طبي عسكري مخصص لمواجهة الوباء مدى بدائية المعدات ونقص الأدوات الطبية، وكان موظفو المركز فقط هم من يرتدي الأقنعة الطبية دون الجنود أو الضباط.

على صعيد موازٍ، اتخذت الميليشيات الموالية للنظام عدة تدابير وقائية، ما يوحي بانتشار الوباء بشكل أكبر مما يقال، حيث قامت الميليشيات بنقل كمية من العتاد من قاعدة سعسع بريف دمشق باتجاه الشمال. وتم تعليل هذه الحركة كإجراء وقائي ضد الغارات الإسرائيلية المستمرة، لكن عمليًا لم تخلِ إيران تلك المواقع بل تعمل على تخفيف الكثافة البشرية في قواعدها وتقوم بتوزيع المقاتلين على مواقع عدّة من أجل الحدّ من انتشار الوباء، وهو ما قامت به أيضاً في دير الزور وفي محيط محافظة إدلب.

في المقابل لم تتوقف حركة الميليشيات عبر الحدود، نظراً لأن هذه الميليشيات تسيطر على المعابر الحدودية بشكل شبه تام، كما ألغت الميليشيات التجمعات والاحتفالات الدينية مع تعزيز عمليات التعقيم، بالإضافة لافتتاحها مشاغل لتصنيع الأقنعة. أما في منطقة السيدة زينب بريف دمشق والتي تعدّ مركزًا لعناصر الميليشيات الشيعية ووجهة "للحجاج الشيعة" فقد تمعزلها منذ بداية شهر نيسان بحجة أنها منطقة ذات كثافة سكانية عالية. وفي المقابل أعلنت إيران عن نيتها استئناف الزيارات الدينية إليها مع "مراعاة الشروط الصحية"، علمًا أن حركة الطيران ما بين طهران ودمشق انخفضت بشكل ملحوظ بسبب الوباء لكنها لم تتوقف، وهو ما يثير التساؤلعن مدى قدرة دمشق على تنفيذ قرار العزل.

ساعدت الإجراءات المتسارعة التي اتخذتها النظام السوري على مواجهة الوباء، لكنها حالت أيضاَ دون انخفاض الجاهزية القتالية لقواته بالأخص في محيط إدلب، حيث أن تعثر تسيير الدوريات الروسية التركية المشتركة على الطريق الدولي M4 ينذر باستئناف العمليات العسكرية. لكن في المقابل، قد لا تكون الإستراتيجية الوقائية لوزارة الدفاع كافية، وبالتالي فإن مخاطر انتشار الوباء بين عناصر الجيش سيكون له تبعات لا تحمد عقباها بالنسبة إليهم، وسيؤدي إلى انخفاض الجاهزية القتالية حتمًا، خصوصًا أن المنظومة الصحية ضعيفة أساسًا ومنهكة حتى قبل بدء العمليات العسكرية عام 2011.

مع ذلك، إن انتشار الوباء لن يكون سببًا لاختلال تماسك ما تبقى من الجيش السوري أو انخفاض مؤشر الولاء فيه، خصوصًا أن الكتلة البشرية الحالية سبق لها وأن اجتازت تحديات أكبر.

*محسن المصطفى باحث مساعد في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.