أنطون مارداسوف محلل روسي وباحث غير مقيم في برنامج سورية في معهد الشرق الأوسط، وخبير في الشؤون العسكرية، وصحافي متخصّص في الملفَين السوري والعراقي وفي شؤون التنظيمات المتطرفة. وهو أيضاً خبير غير مقيم في المجلس الروسي للشؤون الدولية. أجرت "ديوان" مقابلة معه في مطلع حزيران/يونيو للوقوف على رأيه حول الدور الروسي في سورية، خصوصاً على ضوء التطورات الأخيرة التي تشير إلى أن موسكو تسعى إلى تعزيز نفوذها في البلاد.

مايكل يونغ: سُجّل حدثان بارزان على صعيد العلاقات الروسية-السورية، أوّلهما تعيين السفير الروسي في سورية، ألكسندر إيفيموف، مؤخراً كمبعوث خاص الرئيس فلاديمير بوتين في البلاد. وفي الوقت نفسه، تخوض روسيا وسورية نقاشات من أجل التوصل إلى اتفاق لتوسيع الوجود الروسي في سورية، بما في ذلك توسيع القواعد العسكرية الروسية. هلّا شرحتم لنا أهمية هذه التطورات وماتعنيه على مستوى العلاقات الروسية-السورية؟

أنطون مارداسوف: الخطوة التي أقدم عليها بوتين من خلال تعيين ألكسندر إيفيموف مبعوثاً خاصاً له تسهم في تعزيز قبضة الرئيس الروسي على الملف السوري. فالكرملين هو مَن يحدّد تركيبة اللاعبين الأساسيين في السياسة الروسية حيال سورية ويجري تقييماً لأدائهم. لذا، إن "شخصنة" بوتين للملف السوري تجعل من الصعب التنبّؤ بالقرارات، كما أنها تُدخل بعض التشنّج إلى سلسلة القيادة بما يتوافق مع احتياجات الرئيس الروسي وتفسيره للأحداث. كذلك، يشي تسلُّم بوتين زمام الملف السوري أيضاً بأن القرارات سوف تستند إلى ردّ الفعل، نظراً إلى أنه يميل عادةً إلى معالجة المسائل عندما تطرأ بدلاً من إعداد استراتيجيات طويلة الأمد.

كذلك، تعبّر التغييرات في صفوف المسؤولين الروس في سورية عن رغبة بوتين في الحصول على آراء وتقييمات أكثر شمولاً صادرة عن الروس هناك، سواء العسكريين أو الدبلوماسيين على حدٍّ سواء. تستعين روسيا، منذ عودتها إلى الشرق الأوسط، بقنوات نفوذ غير نظامية، تضم متعاقدين عسكريين في القطاع الخاص ورجال أعمال، فضلاً عن الدبلوماسيين والمسؤولين. والمشكلة في الاعتماد حصراً على البيروقراطيين هي أنهم يفتقرون إلى المرونة والفعالية الضروريتين للنهوض بمهامهم وبناء روابط مع الأفرقاء المحليين. وفي ظل غياب تداول السلطة في روسيا، يدرك الكرملين أن قراراته لن تخضع للتدقيق من الإدارات التي ستتسلّم زمام الحكم في المستقبل. ولذلك، هو مطمئن لتسخير جهات من القطاع الخاص لمصلحته. وهذا يعني أن بإمكان الشركات الأمنية القيام بنشاط عسكري في الخارج، فيما تنخرط الشركات الخاصة الروسية في أعمال تجارية من خلال اللجوء إلى ممارسات غير شفافة، وتمتنع بالتالي عن تسديد الضرائب.

ويتولى الضباط والمستشارون في وزارة الدفاع الإشراف على عمل تلك الجهات الخاصة في سورية. وقد أصبح واضحاً بحلول العام 2017 أن الجيش والأجهزة الأمنية الخاصة نجحا فعلياً في تهميش الدبلوماسيين من عملية اتّخاذ القرارات، أولاً في سورية ثم في ليبيا. وفضلاً عن ذلك، أظهر الجيش الروسي، على مايبدو، قدرة على التنسيق بين سورية وليبيا من خلال المساعدة على تجنيد مقاتلين في سورية للقتال إلى جانب خليفة حفتر في النزاع الليبي. وفي غضون ذلك، تحوّلت القواعد العسكرية في سورية إلى مراكز للنشاط الروسي في ليبيا والسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى.

على الصعيد السياسي، شجّع الجيش الروسي على إنشاء ما يُعرَف بـ"مناطق خفض التصعيد" في سورية وتولّى إدارة العملية، بهدف إضعاف المعارضة السورية وزرع الشقاق في صفوفها. وقد دفع ذلك كلّه النظام السوري في مرحلة معينة إلى اعتبار الجيش الروسي وأجهزة الاستخبارات والمتعاقدين العسكريين الخاصين الروس الذين وظّفهم بعض رجال الأعمال، الأطراف الوحيدة الداعمة له التي تملك ثقلاً سياسياً حقيقياً.

يسهم تعيين إيفيموف إلى حد ما في تخفيف هذا الخلل في التوازن، وفي إعادة بعض المكانة إلى الدبلوماسيين. ويستطيع إيفيموف أن يقدّم، بحكم خبرته في المنطقة، نظرة فريدة إلى الوضع، وأن يرفع تقاريره مباشرة إلى الكرملين، متجاوزاً المؤسسات الأخرى. لذا، قد يعزّز تعيينه مكانة السفارة الروسية في دمشق، إذ إن النظام السوري لن يعتبر بعد الآن أنها تفتقر إلى السلطة.

أما في ما يتعلق باحتمال أن ترسّخ روسيا موطئ قدمها في سورية، فموسكو تتجنّب عادةً إثارة المسائل في العلن إلا بعدما تكون قد بُتَّت في السر. وهذا يعني أن ما وصفتَه بـ"النقاشات" حول القواعد العسكرية قد أُنجِزت على الأرجح وأن الجيش الروسي سيشهد على إخضاع مزيد من الأراضي لسلطته.

يونغ: ثمة تكهنات عن خصومة بين روسيا وإيران فيما يسعى كلٌّ منهما إلى توطيد نفوذه في سورية. ما الذي يخبّئه ذلك؟

مارداسوف: عملياً، تحتاج روسيا إلى إيران في سورية بالدرجة نفسها تقريباً التي تمتلك فيها إيران مصلحة بأن تحافظ روسيا على وجود مستمر هناك. فقد أعطت موسكو الرئيس بشار الأسد غطاء دبلوماسياً، وأمّنت له النظم العسكرية الضرورية والدعم الجوي. كذلك، تنفّذ روسيا عمليات شرطة وعمليات خاصة في البلاد، ويمكنها، عند الاقتضاء، أن تتوسط بين الحكومة والمعارضة. أما إيران، فتحافظ على نفوذها من خلال الروابط مع الشبكات الشيعية والميليشيات المحلية مثل قوات الدفاع المحلية.

وهذا لايعني غياب عنصر المنافسة تماماً عن العلاقات بين موسكو وطهران. فقد سعت موسكو، في الأعوام الأخيرة، إلى إحكام قبضتها على الجيش السوري، من خلال السعي إلى تطبيق أجندة إصلاحية والحد من الفساد في صفوفه. بيد أنها لاتزال غير قادرة على احتكار النفوذ في هذا الصدد، وهي عاجزة أيضاً عن التخلًص من النفوذ الذي تمارسه إيران على التشكيلات العسكرية. وعلاوةً على ذلك، لايزال يُعتمَد على إيران في تدريب الطيّارين السوريين.

وتسود نظرة نمطية أيضاً بأن روسيا تسعى إلى إرساء مركزية التشكيلات العسكرية السورية، فيما تضغط إيران في الاتجاه المعاكس. ولكن في الواقع، موسكو هي التي دعمت وحدات لم تكن في البداية جزءاً، على المستوى المؤسسي، من القوات المسلحة السورية، مثل الفيلق الخامس، ولواء القدس، وقوات النمر، وبعض الميليشيات القبلية. ولم تُدمَج بعض تلك الهيكليات في القوات المسلحة السورية إلا في مرحلة لاحقة، فالقيادة العسكرية في البلاد لم تكن راضية عن حصولها على مكانة خاصة. وتدعم طهران، من جهتها، تشكيلَين أمنيين سوريين أساسيين هما الفرقة الرابعة المدرّعة التي يقودها فعلياً ماهر الأسد، والحرس الجمهوري. وتقدّم إيران المساعدة في تجنيد مقاتلين جدد من الميليشيات الشيعية، مثل لواء الإمام حسين وقوات الدفاع المحلية، كي ينضموا إلى هذين التشكيلَين.

لا أعتقد أن روسيا جاهزة للقيام بأي تحرّك حاسم ضد إيران في سورية. ولا أعتقد أيضاً بأن موسكو ستحاول القيام بأي تدخل كبير، حتى لو استخدمت طهران سورية مسرحاً عسكرياً جديداً – إلى جانب لبنان وفلسطين – لتشديد الضغوط على إسرائيل. تحاول روسيا، نوعاً ما، أن تكون على علاقة جيدة مع جميع اللاعبين الأساسيين في المنطقة. ولكنها قد تكون مستعدة لإبداء تسامح أكبر حيال قيام إسرائيل بتصعيد حملة القصف التي تشنّها في سورية ضد الحرس الثوري الإسلامي الإيراني ووكلاء إيران. غالب الظن أن إسرائيل لن تسمح لإيران بأن تكتسب نفوذاً واسعاً جداً في سورية، وسوف تستخدم غياب التكامل في نظم الدفاع الجوي في البلاد لمصلحتها من خلال مهاجمة مواقع إيرانية.

يونغ: كيف تتجلى العلاقات الروسية-الإيرانية والعلاقات الروسية-الإسرائيلية في السياق السوري؟

مارداسوف: بعد القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وبعد اعتماد إسرائيل موقفاً أكثر تشدداً من إيران، يحاول الإيرانيون أن يجعلوا أنشطتهم في سورية أقل وضوحاً للعيان. ولهذه الغاية، تؤمّن إيران التغطية المدنية والاقتصادية لمشاريعها العسكرية في سورية، وتشتري عقارات في البلاد لتشكّل مراكز للموالين لها في دمشق وسائر المدن الكبرى.

تحاول طهران أيضاً إضفاء شرعية على عملياتها خارج إطار المجموعات الشيعية من خلال دمجها مع تشكيلات الجيش السوري، مثل الفرقة الرابعة المدرعة التي تضم ثوّاراً سابقين. ولكن إيران سوف تواصل ممارسة نفوذها في سورية والتسلل إلى البلاد من خلال حزب الله وروابطها مع المجموعات المحلية. تتيح التغييرات الديمغرافية في سورية، بما في ذلك المستوطنات الشيعية عند الحدود مع لبنان، فرصاً إضافية أمام طهران للتغلغل في البلاد.

في حين أن إيران هي التي اتخذت قرار الانكفاء قليلاً في سورية، تفضّل روسيا أن يُنظَر إلى هذه الخطوة على أنها ثمرة جهودها الرامية إلى احتواء الطموحات الإيرانية، من دون الانحياز إلى طهران أو إسرائيل. إضافةً إلى ذلك، فإن هذا "الاحتواء" المزعوم لإيران يساعد روسيا في علاقاتها مع دول عربية يمكن أن تكون مستثمرة محتملة في الاقتصاد السوري، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة. وهذا يعود بالفائدة أيضاً على دمشق من خلال الإبقاء على مظهر من مظاهر الخصومة الروسية-الإيرانية واستخدامه كوسيلة لانتزاع منافع من الطرفَين.

يونغ: سيترشح الرئيس بشار الأسد لولاية جديدة في العام 2021، وقد لمّحت بعض وسائل الإعلام الروسية إلى أنه قد لا يحقق الفوز. هل تعتقدون أن الانتخابات الرئاسية سوف تشكّل محطة جديدة مهمّة للسياسة الروسية في سورية، أم لا؟ وفي هذه الحالة، كيف ستتصرف موسكو؟

مارداسوف: ثمة مغالاة في تقدير أهمية الحملة التي تشنّها وسائل إعلام روسية ضد الأسد. في رأيي، صحيح أن الحملة لقيت زخماً وأنها استفزازية، لكن عدداً كبيراً من المحللين أخطأ في تفسير معناها. لا أعتقد أنه يجب تفسير المزاج المناهض للأسد في بعض المطبوعات الهامشية بأنه الموقف الروسي الرسمي. ربما تصب تلك التقارير في إطار بعض المصالح الخاصة داخل روسيا. ولكن هذه الموجة من الانتقادات ضد دمشق أصبحت، على نحوٍ أدق، بمثابة طلقة افتتاح في حملة الأسد الرئاسية. أنا واثق إلى حد كبير من أن التقارير التي نُشِرت أتاحت للأسد وحملته تحوير ما كُتِب لمصلحتهما السياسية. وتحديداً، أوحى النقاش الذي أثارته هذه التقارير بانفتاح ظاهري في المجتمع السوري، حيث يمكن للنظام أن يتعرض للانتقادات ويردّ عليها، مثلما فعل بعض أنصار الحكومة من خلال مناشدتهم موسكو احترام استقلال دمشق الذاتي. ومن المُلفت في هذا الإطار أن مهدي دخل الله، وهو عضو في قيادة حزب البعث السوري، اعتبر أن النقاش في المطبوعات الروسية هو إثباتٌ على أن حرية التعبير في سورية قد بلغت مستوى جديداً.

قد يبدو ذلك منافياً للمنطق، لكنْ ثمة تطور آخر يمكن أن يساعد الأسد على التلاعب بالرأي العام، ويتمثل بكل مايحيط بابن خاله رامي مخلوف الذي يُعتبَر الرجل الأكثر ثراء في سورية، والذي فقدَ حظوته لدى النظام. فقد تساهم مقاطع الفيديو التي ينشرها مخلوف عبر موقع فايسبوك في تعزيز السردية التي تتحدث عن نظام سوري منفتح على الأصوات المعارضة، وتُظهر الرئيس السوري في صورة المعارِض للفساد. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فالهدف الذي يصبو إليه الأسد ليس استئصال الممارسات الفاسدة بحد ذاتها، بل إن هدفه الأساسي هو إحكام قبضته على جميع الموارد المالية والتأكد من مساهمة الأعمال والشركات في موازنة الدولة من خلال الضرائب، أو مساهمتها في الكيانات المالية المرتبطة بالأسد مثل صندوق الشهداء.

وعلى صعيد أوسع نطاقاً يتعلق بالاستراتيجية الروسية، لا أتوقّع أن تجري موسكو تغييراً كبيراً في موقفها من النظام السوري، أو أن تتخلّى عن الأسد. فعلى مشارف الانتخابات الرئاسية، قد يحاول المسؤولون والمستشارون الروس دفع الأسد نحو الإيحاء بمظهر من مظاهر المنافسة الحقيقية في صناديق الاقتراع، وذلك خلافاً للانتخابات الرئاسية السابقة العام 2014، أو الانتخابات البلدية العام 2018، اللتين اتسمتا بالرتابة وبغياب المنافسة ولو سطحياً. السؤال المطروح هو ماذا ستفعل دمشق، وهل ستكون جاهزة للرضوخ للمطالب الروسية.

يونغ: كيف سيؤثّر تطبيق قانون قيصر – التشريع الذي أقرّه الكونغرس الأميركي لفرض عقوبات على نظام الأسد وجميع المتعاونين معه – على الحسابات الروسية في سورية؟

مارداسوف: لا أعتقد أن قانون قيصر سيؤثّر جدّياً على الموقف الروسي، خصوصاً أن الجزء الأكبر من النشاط التجاري الروسي في سورية يتولى إدارته رجال أعمال مرتبطون بالكرملين وأسماؤهم مدرجة أصلاً على لائحة العقوبات الأميركية. ولكن يمكن أن تمنح الظروف الراهنة محفزات إضافية لرجال الأعمال هؤلاء للانخراط في التهريب للحد من المخاطر المرتبطة بالعقوبات. وفي الإجمال، مهمة موسكو الأساسية، أقلّه في الوقت الراهن، هي الحفاظ على التوازن داخل التركيبة المؤسسية الحالية في سورية. وإلا ثمة خطر بانهيار الهيكليات السياسية وضياع الفرص الاقتصادية. ويقتضي ذلك كله من موسكو تخصيص موارد إضافية لتثبيت الوضع. في غضون ذلك، تعلّق موسكو ودمشق آمالاً كبيرة على تلقّي استثمارات مالية من دول الخليج، مايساهم في الحد من تأثير قانون قيصر. وبغية استقطاب تلك الاستثمارات، أوحت موسكو ودمشق بأنهما تسعيان إلى الحد من التمدّد الإيراني، واحتواء تركيا في الوقت نفسه.