فاقمت استقالة هنري شاوول الأسبوع الماضي من منصبه كمستشار لوزير المالية اليأس الذي يتملّك الكثير من اللبنانيين من المفاوضات التي تخوضها حكومتهم مع صندوق النقد الدولي. السبب المعلَن للاستقالة هو إن شاوول لمس "غياب إرادة حقيقية لتنفيذ إصلاحات أو لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بما في ذلك البنك المركزي".

شاوول محق على الأرجح، لكن المشهد أكثر تعقيداً. فالطبقة السياسية لم تكن صادقة البتّة عندما أعربت عن نيّتها إجراء إصلاحات، ولن تكون أبداً. لكن المسألة هنا هي قضية وجود لا مسألة نوايا. فالسياسيون اللبنانيون يدركون جيداً ما يعنيه عدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد. وأتى تصريح جبران باسيل في مؤتمر صحافي عقده الأسبوع الماضي ليبدّد أي شكوك في هذا الصدد حين قال: "هل تعلمون ما يعني أن ينتهي خيار صندوق النقد؟ يعني أنّنا سنخسر أي إمكانية تمويل من الغرب، وأي إمكانية لقيام استثمارات ومشاريع كالكهرباء والبنى التحتية، وأي إمكانية لاستنهاض القطاع المصرفي والاقتصادي". مضاعفات هذا الفشل ستودي بالبلاد إلى "النموذج الفنزويلي".

سيُواجه لبنان شبح التضخّم المفرط والفقر المدقع وانهيار الدولة وتفكّكها، ما لم يتوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد. وسيؤدي تراجع قيمة الليرة اللبنانية إلى شلّ مؤسسات الدولة ولاسيما الجيش والقوى الأمنية. هذا لا ينبئ حكماً باندلاع حرب أهلية، بل بأن الأحزاب السياسية ستتولّى الحفاظ على أمن طوائفها، فتتوزّع البلاد مجدداً بين جيوب طائفية تعيد إلى الأذهان سنوات الحرب الأهلية. قد يبدو لوهلة أن هذا الاحتمال سيعزّز نفوذ الأحزاب الطائفية، لكن تسلّمها بالكامل مهمة تأمين الرعاية لطوائفها سيفرز تداعيات كبرى في ضوء الأزمة الاقتصادية الحادة في البلاد. كما سيولّد أعباء مهولة تثقل كاهل الأحزاب في ظل غياب أي أفق للحلول. وهذا الوضع كفيلٌ بأن يسطّر الانهيار التام للنموذج اللبناني الذي استمات السياسيون والأحزاب في صونه على مدى عقود.

لا يبدو كذلك أن هذه هي الحصيلة التي يريدها حزب الله. فهو لم يتسلّم زمام المناصب العليا في السلطة في البلاد، (وهي ميزة أهداها إلى إيران)، كي يتخلّى عن ذلك كله لتتمكّن الطبقة السياسة من مواصلة نهبها. وفي مطلق الأحوال، ما لم يتم إبرام اتفاق مع الصندوق، من المستبعد أن تصمد شبكات الفساد التي أمضى السياسيون سنوات في نسجها، وهذا ما ألمح إليه باسيل سهواً. وعلى ضوء تداعي الدولة اللبنانية، بات أصعب بكثير على حزب الله التفكير بخوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل، لو شاءت إيران ذلك. فتداعي البلاد هو بمثابة دعوة مفتوحة إلى إسرائيل لشنّ هجوم ضارٍ على الحزب.

سواء أكانوا صادقين في مسعاهم أم لا، لا شك أن السياسيين والأحزاب اللبنانية في حاجة ماسّة إلى صندوق النقد، تماماً كما يحتاج الجسم إلى الدم. لكن إذا ما كان هذا صحيحاً، فكيف يمكن تفسير ضعف زخم المفاوضات بين الحكومة والصندوق؟ الجواب بسيط: إنه يُفسَّر انطلاقاً من واقع أن لا أحد في لبنان يقدّم شيئاً من دون الحصول على شيء آخر في المقابل. من البديهي أن على الطبقة السياسية التنازل عن جزء كبير من شبكات المحسوبية والسرقة التابعة لها كي يتمكّن لبنان من إحراز بعض التقدّم في المفاوضات مع الصندوق، لكنها لن تُقدم على خطوة كهذه من دون حصد بعض المكاسب السياسية.

على سبيل المثال، يشغل باسيل وزارة يُعتبر إجراء إصلاحات فيها أولوية بالنسبة إلى صندوق النقد. وهو يطمح أيضاً، على الرغم من إنكاره المتواصل، لأن يتولى سدّة الرئاسة. فهل يُعقل أن يقدّم تنازلات في ملّف الكهرباء من دون أن يحاول تأمين ضمانات من نوع ما في ما يتعلق بالرئاسة؟ والأمر نفسه ينسحب على كل السياسيين الآخرين، وعلى حزب الله أيضاً. نحن اليوم في المرحلة الأّولية لكن ليس من المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد، بل بين السياسيين اللبنانيين والأحزاب اللبنانية للعمل على تحضير اتفاق مع الصندوق.

كيف يمكن فكّ هذه العقدة من الطموحات المتضاربة، وهل سيكون صندوق النقد صبوراً وينتظر اتفاق أهل البيت اللبناني؟ تبقى الإجابة عن هذين السؤالين معلّقة في الهواء. فالسياسيون اللبنانيون سيواصلون الجدل والشجار حول أمور تافهة، إلى أن ينزلق لبنان في اللحد. بيد أن إدراكهم للنتائج الرهيبة التي قد يسفر عنها هذا الوضع قد يكبح أسوأ غرائزهم.

بدوره، قد يفرض صندوق النقد الدولي على اللبنانيين موعداً نهائياً للتوصّل إلى توافق داخلي، وإلا سيُحوّل اهتماماته إلى مواضع أخرى. عند هذه النقطة، سيتعزّز موقفه بشكل كبير، إذ إن اللبنانيين لن يكون أمامهم من بديل سوى اللجوء من جديد إلى هذه المؤسسة، لكن هذه المرّة سيكونون تحت سطوة الحاجة الملحّة ويصبحون أكثر قابلية للانصياع. علاوةً على ذلك، ستُفسح المساعدات المحدودة نسبياً، التي يحتمل أن يمنحها صندوق النقد للبنان، المجال أمامه لممارسة اللعبة على مدى طويل. الجدير ذكره هنا أن لبنان ليس أولوية بالنسبة إلى صندوق النقد، ما يعني أن هذا الأخير يمكن أن يماطل ويؤجل المناقشات ويترك البلد معلّقاً في حبال الهواء، مرغِماً بذلك اللبنانيين المُحبطين على الرضوخ لشروطه.

لابدّ هنا من طرح سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستخدم حقّ الفيتو ضدّ أي رزمة يطرحها صندوق النقد. بينما لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال، ولاسيما مع تشدّد واشنطن في مواقفها من لبنان، إلا أنه لن يكون من السهل عرقلة رزمة إنقاذ محدودة، ورمي ملايين الناس في لُجج الفقر المُقدع. من جهتهم، سينصح الحلفاء الأوروبيون ربما بعدم سلوك هكذا مسار، بينما ستبرز أصوات في الولايات المتحدة تحذّر من مخاطر وجود دولة فاشلة أخرى في الشرق الأوسط. في المقابل، في حال توصّل لبنان وصندوق النقد إلى اتفاق، وهو أمر يعني اتّخاذ اللبنانيين خطوات تُقنع الصندوق بجديّة عملهم، سيجعل ذلك استخدام الفيتو الأميركي أمراً أكثر تعقيداً مما كان سابقاً.

إذن، ما السبيل للخروج من المأزق الراهن؟ للأسف وحدها الطبقة السياسية، مهما بلغت درجة فسادها وعدم كفاءتها، يمكنها الإجابة على هذا السؤال. لقد حقّقت حكومة دياب الهدف الذي تشكّلت من أجله، وهو التخفيف من زخم الاحتجاجات التي انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2019. فهي كانت اختراعاً توصّل إليه السياسيون ولم يكن مكتوباً له أن يعمّر طويلاً. وقد أثبت دياب أنه غير مؤهل للتعامل مع ما يدور حوله، لظنّه أنه بإمكانه التصرّف باستقلالية بفضل الدعم الذي يحظى به من معظم القوى السياسية. لكن الحقيقة أنه يواجه عراقيل ومطبّات تضعها أمامه طبقة سياسية تريد إفشاله. لا بدّ من الإشارة أخيراً إلى أن التصريحات التي تحدّث فيها دياب مؤخراً عن إنجازات حكومته الرائعة، إضافةً إلى كيفية مجابهته "انقلاباً"، تُعتبر مضحكة في مكابرتها وانعدام مصداقيتها.

من المحزن أن نعترف بذلك، لكن السبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع يكون على الأرجح بتوصّل الأحزاب والسياسيين إلى اتفاق متكامل يحدّد شروط تأييدهم لخطة الإنقاذ التي سيرسمها الصندوق. لن يكون الأمر سهلاً، لكن الجميع يُدرك عدم وجود بدائل أخرى. حتّى أن النصيحة التي أعطاها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مؤخراً حول "التوجّه شرقاً" واحتضان إيران وسورية والصين لا يمكن أخذها على محمل الجد، إلا إذا كان هدفه الحقيقي هو تقديم بديل غير مقبول لدرجة تدفع السياسيين إلى المساومة بشأن مطالبهم المُغالية والتوصل إلى اتفاق مع الصندوق. الجدير ذكره هنا أنه من بين هذه الدول، تعيش كل من إيران وسورية أزمة اقتصادية حرجة، بينما لم تعبّر الصين بأي شكل من الأشكال عن اهتمامها بإنعاش الاقتصاد اللبناني. كما أن أغلبية اللبنانيين لا يتشاطرون الرؤية نفسها مع نصر الله. من جهته، أوضح باسيل ذلك في تصريحاته الأسبوع الماضي، ناهيك عن أن سنّة لبنان يرفضون بشدّة التخلّي عن التعاون مع العالم العربي لصالح إيران.

لقد دعا الرئيس ميشال عون إلى عقد حوار وطني في القصر الجمهوري في بعبدا. وهذا يمكن أن يشكّل منبراً لتبادل الأفكار والتواصل بين مختلف القوى السياسية في البلاد. لكن لاتزال ملامح هذا الحوار قيد المناقشة، على الرغم من أن حدوث شيء كهذا قد يكون ضرورياً للمضي قدماً. لا شكّ في أن عقبات كثيرة ستتشكّل أمام أي اتفاق مع الصندوق خلال الأشهر المقبلة، لكن ببساطة لبنان لا يملك خياراً آخر سوى الموافقة على أحدها. لذلك، مهما كان التسليم بالفشل مغرياً اليوم، تشير الوقائع إلى اتجاه مختلف.