جوزيف ضاهر أستاذ في جامعة لوزان في سويسرا وأستاذ مشارك بدوام جزئي في المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا في إيطاليا حيث يعمل على مشروع "زمن الحرب ومرحلة مابعد النزاع في سورية". ضاهر حائز على دكتوراه في دراسات التنمية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن في العام 2015، وعلى دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لوزان في العام 2018. هو مؤلّف كتاب Syria After the Uprisings: The Political Economy of State Resilience (سورية بعد الانتفاضات: الاقتصاد السياسي لقدرة مرونة الدولة) (منشورات بلوتو وهاي ماركت، 2019) وكتابHezbollah: The Political Economy of Lebanon’s Party of God (حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني) (منشورات بلوتو، 2016). هو أيضاً مؤسّس مدوّنة "سوريا الحرية للأبد". أجرت ديوان مقابلة مع ضاهر في منتصف حزيران/يونيو لمناقشة انهيار الاقتصاد السوري وتأثيرات قانون قيصر الأميركي الذي ينص على فرض عقوبات على نظام الأسد وشبكاته، وعلى الجهات المتعاونة معه.

مايكل يونغ: ما الأسباب الرئيسة لانهيار الاقتصاد السوري؟

جوزيف ضاهر: إضافةً إلى تداعيات الحرب ومانتج عنها من دمار، تُعتبر أسباب انهيار الاقتصاد السوري بنيوية وجذورها أكثر ارتباطاً بالوضع الراهن.

يعكس التدهور الشديد في قيمة الليرة السورية، من نواحٍ عدة، الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوري. بصورة عامة، تراجعت إيرادات الحكومة السورية إلى حد كبير في الأعوام القليلة الماضية. أولاً، تكبّدت الصناعة النفطية والقطاع السياحي، اللذان كانا يُعتبَران مصدرَين أساسيين لتدفق العملات الأجنبية قبل انتفاضة 2011، خسائر فادحة. ثانياً، الاستثمارات الخارجية المباشرة التي بلغ مجموعها أكثر من 8 مليارات دولار بين عامَي 2005 و2011، توقّفت بعد العام 2011، ما فاقم تدهور قيمة العملة السورية. أخيراً، أدّى الدمار الواسع في قطاعَي الصناعة والزراعة إلى تبدُّد الإمكانيات الإنتاجية المحلية وتراجع حجم الصادرات، فخسرت البلاد مصدر الإيرادات هذا واضطُرَّت إلى زيادة وارداتها لتلبية الطلب المحلي.

فضلاً عن ذلك، ليس لدى سورية راهناً سوى وسائل محدودة للوصول إلى الأسواق الخارجية، على الرغم من إعادة فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2018 ومعبر البوكمال مع العراق في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019. وقد ظلّ الميزان التجاربي سلبياً إلى حد كبير، ما أدّى إلى تهافت مستمر على شراء الدولار، ولاسيما في السوق السوداء، وأفضى إلى زيادة الضغوط على الليرة السورية.

لكذلك، تُعزى بعض النتائج المباشرة أكثر إلى الأزمة المالية اللبنانية. فطوال فترة الحرب، شهدت سورية هروباً للرساميل على نطاق واسع، وربما وصل حجم الأموال التي خرجت من البلاد إلى مليارات الدولارات. يصعب تحديد المبالغ نظراً إلى وجود رؤوس أموال سورية خارج إطار المنظومة المصرفية النظامية منذ ماقبل اندلاع الحرب. وفي هذا الصدد، ساهمت الأزمة اللبنانية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019 في زيادة تدهور قيمة الليرة السورية، خصوصاً بعدما فرضت المصارف اللبنانية قيوداً شديدة على الحصول على الدولار وسحوباته. ونظراً إلى العقوبات التي فرضها الغرب على سورية، اعتمد رجال الأعمال والتجّار السوريون على لبنان المجاور ومنظومته المصرفية لمواصلة أنشطتهم الاقتصادية، ولاسيما التجارة والتهريب.

أخيراً، وبعد دخول قانون قيصر حيّز التنفيذ في 17 حزيران/يونيو، باتت البلدان أكثر إحجاماً عن التعامل مع كل ما له علاقة بسورية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفاقمت العقوبات المعمّمة، بما في ذلك قانون قيصر (خلافاً للعقوبات التي استهدفت جهات قمعية محددة في سورية) الصعوبات الاقتصادية.

تُعدّ آفاق تحقيق عائدات وأرباح سريعة ومتوسطة المدى من الاستثمار في سورية محدودة جدّاً في الوقت الراهن لأسباب سياسية واقتصادية، ما لا يولّد أي حوافز لإطلاق مشاريع استثمارية، سواء من داخل البلاد أو خارجها.

يونغ: ما النتائج المحتملة لقانون قيصر الذي يفرض عقوبات على الحكومة السورية ومَن يتعامل معها؟

ضاهر: خلافاً للمزاعم التي تتكرّر بصورة شبه يومية على ألسنة المسؤولين في الحكومة السورية، ليست العقوبات ومايُسمّى بـ"المتآمرين الخارجيين" الأسباب الرئيسة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد. فنظام الأسد هو المسؤول الأساسي عن هذا الوضع جرّاء السياسات الاقتصادية التي انتهجها والدمار الذي تسبّب به خلال الحرب، إلى جانب حليفتَيه روسيا وإيران.

في الوقت نفسه، وفي حين أن من المهم إعادة التأكيد على دور النظام السوري، لابد لنا أيضاً من الإقرار بأن قانون قيصر والعقوبات العامة قد تساهم ربما – لا بل على الأرجح – في تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في سورية. وهذا قد يؤدّي إلى مزيد من الإفقار لبعض الشرائح السكانية، ويضع عائقاً إضافياً أمام التعافي الاقتصادي.

على سبيل المثال، لاتمتلك سورية كميات كافية من النفط والغاز للاستهلاك المحلي. على ضوء ذلك، فإن فرض عقوبات على أي كيان يدعم توسيع إنتاج البلاد للنفط والغاز، وعرقلة الاستيراد، سوف يتسببان بمزيد من النقص في هذين الموردَين وفي ارتفاع أسعارهما. وسوف تنجم عن ذلك تداعيات وخيمة على المواطنين السوريين العاديين، إضافةً إلى ارتفاع التكاليف الإنتاجية للصناعة والزراعة، نظراً إلى أن القطاعَين يعتمدان إلى حد كبير على النفط والغاز. تبعاً لذلك، سوف يكون لزيادة العقوبات الواسعة والعامة من خلال قانون قيصر أثرٌ كبير على تعافي هذين القطاعَين اللذين سبق أن استهدفتهما عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

تُطبَّق إعفاءات إنسانية بموجب العقوبات الراهنة. ولكن نظراً إلى غياب الوضوح، تفضّل المصارف الراغبة في تفادي المخاطر، وشركات التأمين والشحن، إضافةً إلى تجّار السلع المخصّصة لغايات إنسانية، عدم التعامل مع أي شخص أو جهة على ارتباط بسورية. علاوةً على ذلك، ولّدت أنظمة العقوبات المتداخلة قدراً كبيراً من الشكوك والالتباس على مستوى الامتثال، بحيث إن المصارف والمصدِّرين وشركات النقل والتأمين رفضت رفضاً شبه تام القيام بالأعمال في سورية – بما في ذلك مع المنظمات غير الحكومية، المحلية والدولية على السواء، التي تقدّم المساعدات للمدنيين السوريين. وسوف يؤدّي قانون قيصر إلى زيادة هذا التوجّس من التعامل مع سورية.

في الوقت نفسه، ما من مؤشّرات على أن هذه العقوبات ستدفع الحكومة السورية إلى التفاوض أو تقديم تنازلات في المسائل السياسية، حتى لو كان لها تأثير حاد على إمكاناتها الاقتصادية والسياسية. ولكن هذا لايمنع رأسماليو المحسوبية و شبكات رجال العمل مرتبطة مع النظام من الاستمرار في الإفادة من الاتفاقات الاقتصادية مع السلطات ومن الخصخصة في إطار السياسات النيوليبرالية التي تزداد رسوخاً، وفي ممارسة نفوذهم أو تعزيزه من خلال توسيع السوق السوداء والتهريب، مايؤدّي إلى إحكام سيطرتهم على الاقتصاد باطّراد. تاريخياً، نادراً مانجحت العقوبات في تغيير سلوك الدولة، ولاسيما أنه في هذه الحالة لن تتوقف روسيا وإيران عن دعم النظام السوري.

يونغ: كيف ترَوْن مستقبل العلاقات الاقتصادية السورية-اللبنانية عقب الأزمة المالية اللبنانية، وعلى ضوء قانون قيصر؟

ضاهر: مستقبل العلاقات الاقتصادية السورية-اللبنانية مبهم. صحيحٌ أن لبنان وسيط مهم لسورية في مجالات التجارة والتهريب والمال، لكن جميع هذه العناصر مهدّدة اليوم. فقد أثّرت الأزمة الاقتصادية اللبنانية والقيود التي فرضتها المصارف اللبنانية على حركة رؤوس الأموال، بشكل سلبي على الاقتصاد والأعمال السورية وعلى السوريين الذين يملكون حسابات مصرفية في لبنان. فضلاً عن ذلك، قد يتسبب قانون قيصر بمشكلات إضافية وأوسع نطاقاً، إذ قد تصبح المصارف اللبنانية أقل استعداداً بعد لقبول مودعين سوريين، خشية أن يكونوا مرتبطين بالنظام السوري أو مشاركين في عمليات متعلقة بالنظام.

يجب أيضاً على القطاع المصرفي اللبناني وفروعه في سورية توخّي الحذر. فمنذ العام 2011، أصبحت المصارف اللبنانية في سورية كيانات مختلفة رسمياً عن المصارف الأم في لبنان، بحيث تتولى إدارتها شركات خاصة ومجالس إدارة مستقلة. ولكن هذه المصارف الأم لاتزال تملك أسهماً في الفروع السورية، لذا عليها توخّي الحذر في علاقاتها مع المصرف المركزي السوري المشمول بالعقوبات المنصوص عليها في قانون قيصر.

وغالب الظن أيضاً أن قانون قيصر سيدفع الحكومة اللبنانية إلى وقف استيراد الكهرباء من سورية، في حين أن التهريب سيزداد حكماً على حساب التجارة الرسمية التي تسجّل أيضاً مستويات متدنّية نسبياً. يُشار في هذا الصدد إلى أن حجم التجارة النظامية تراجع منذ العام 2011، مقابل توسّع التجارة غير النظامية. حتى إن سورية لاترد بين البلدان العشرة الأولى في قائمة الواردات اللبنانية.

أخيراً، سوف يمنع قانون قيصر الشركات الخاصة اللبنانية من الإفادة من عملية إعادة إعمار محتملة في سورية، علماً بأنها لاتزال متأخرة على مايبدو. بصورة عامة، ونظراً إلى غياب الوضوح وطبيعة العقوبات الأميركية، يمكن أن تطال العقوبات تقريباً كل جهة تبيع منتجاً ما إلى سورية – حتى لو لم يكن المنتَج مدرجاً على لائحة العقوبات أو حتى لو كان التاجر يملك ترخيصاً. لقد تجنّب كثرٌ التعامل مع سورية خوفاً من التداعيات المحتملة.

يونغ: هل تستطيع روسيا وإيران، الحليفتان الأساسيتان لنظام الأسد، اتخاذ خطوات معينة لتحسين الأوضاع الاقتصادية؟

ضاهر: هما عاجزتان عملياً عن تحسين الأوضاع الاقتصادية في سورية. فكلتاهما تواجهان مشاكل اقتصادية كبيرة جدّاً في الداخل، وقد تفاقمت هذه المشاكل بسبب انهيار أسعار النفط، وتأثيرات جائحة "كوفيد 19"، والعقوبات. لقد واجهت الدولتان صعوبات متزايدة في الحفاظ على مستويات الدعم المالي والمادّي لسورية، وسيستمر الوضع على هذا المنوال. فقد عمدت إيران إلى خفض مساعداتها الاقتصادية للنظام السوري، وانخفض الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار الأميركي في منتصف حزيران/يونيو 2020، في حين أن إيرادات النفط الإيرانية بلغت فقط 7.9 مليارات دولار بين آذار/مارس 2019 وآذار/مارس 2020، بعدما كانت سجّلت رقماً قياسياً وصل إلى 105.6 مليارات دولار بين آذار/مارس 2011 وآذار/مارس 2012.

لكن ذلك لن يمنع الدولتَين من مواصلة دعم نظام الأسد سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً. فسورية ترتدي أهمية كبيرة لهما على المستوى الجيوسياسي، ولن تتخلّيا عن الرئيس بشار الأسد بعد سنوات من الدعم. لقد قامت موسكو وطهران بنشر قواتهما لإنقاذ نظام الأسد وحماية مصالحهما وتعزيزها في سورية. في الوقت نفسه، ونظراً إلى انخراطهما العميق، يبدو أن مصلحتهما في بقاء النظام باتت الآن أكبر مما كانت عليه في بداية الانتفاضة.

يونغ: كيف يمكن أن يؤثّر الوضع الاقتصادي السوري على مستقبل الرئيس بشار الأسد؟

ضاهر: نظراً إلى التدهور المستمر للأوضاع الاقتصادية، سوف تزداد الانتقادات الموجّهة إلى السلطة، وكذلك أشكال المعارضة المختلفة. هذا ما لمسناه من التظاهرات التي تشهدها مدينة السويداء منذ 7 حزيران/يونيو، حيث يتظاهر الناس رفضاً لتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع كلفة المعيشة. ولكنهم رفعوا هذه المرة شعارات يهاجمون فيها الأسد مباشرةً، مطالبين إياه بالتنحي، وطالبوا كذلك برحيل إيران وروسيا. واندلعت أيضاً احتجاجات في مدينة درعا والعديد من البلدات المحيطة بها، وكذلك في بلدة جرمانا، جنوب شرق دمشق، حيث عبّر المتظاهرون عن تظلّمات مماثلة حيال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وطريقة تعاطي الحكومة السورية معها. وقد تواصلت التظاهرات في محافظة درعا، وإلى درجة معيّنة في السويداء.

في غضون ذلك، أفضى الإلغاء التدريجي لمختلف البدائل السياسية والاجتماعية للنظام السوري، مقروناً بدمار قطاعات اقتصادية واسعة، إلى تعزيز دور مؤسسات الدولة باعتبارها الجهات الأساسية التي تؤمّن الخدمات وتوظّف العدد الأكبر من الأشخاص. إذًا، لا تزال شرائح واسعة من السوريين تعوّل على الدولة للحصول على الأجور أو المساعدات.

لم تضع مرونة نظام الأسد على الصمود بمساعدة حلفائه الخارجيين حدّاً للمشاكل التي تواجهها دمشق. بل على النقيض، فالحكومة السورية مضطرّة لمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، غالباً من دون امتلاك الموارد الكافية للقيام بذلك. صحيحٌ أن النظام استطاع أن يضمن بقاءه نوعاً ما، مدعوماً من حلفائه الخارجيين، بيد أن قدرته على الحفاظ على هيمنة شكلية على شرائح واسعة من الشعب السوري ليست مضمونة. وهذا يولّد حالة دائمة من اللااستقرار.