بشكل متسارع أضحى الفضاء مساحة جديدة لدول الشرق الأوسط، تعرض فيه سطوتها وتتنافس في خضمه على قيادة المنطقة. تُعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة، التي ستُطلق هذا الأسبوع رحلة فضائية إلى المريخ، صورة لهذا التوجه. إذ بدأ العد التنازلي وصولاً إلى تاريخ 17 تموز/يوليو، بهدف تحفيز روح الاعتزاز لدى الإماراتيين والمواطنين العرب عموماً. فهذه ستكون المرة الأولى التي تُطلق فيها دولة عربية رحلة إلى الفضاء الخارجي.

"مسبار الأمل" هو الاسم الذي أطلقته الحكومة الإماراتية على مهمتها إلى المريخ، التي أحاطتها بمشاعر عروبية. فهذه الرحلة تعيد إلى الانجازات العربية والإسلامية في مجال العلوم، وتحض العرب على إحياء هذه الروح. كذلك، ليس ثمة نقص هنا في الحماسة الوطنية الإماراتية: إذ وقّتت دولة الإمارات إنجاز المهمة قبل الذكرى السنوية الخمسين لقيام الدولة، في كانون الأول/ديسمبر 2021. كما ربطتها أيضاً بهدف أكبر وهو تشييد مستوطنة بشرية على المريخ خلال المئة عام المقبلة، أي بحلول العام 2117.

صحيحٌ أن دولة الإمارات كانت تروّج لهذه الرواية على أنها مهمة علمية لا سياسية، إلا أن توجهاتها الفضائية تنطوي على ما هو أكثر من ذلك. إذ أنها تستهدف تدعيم وضعيتها الجديدة كقوة إقليمية صاعدة وإعادة تشكيل النظام الجيوسياسي الشرق أوسطي لصالحها. هذا علاوةً على أنها دشّنت، ضمناً، سباقاً إقليمياً في الفضاء، وهو نسبيًا أمر مُستجد في الشرق الأوسط. والحال أن قدرة دولة الإمارات على إنجاز هذه المهمة المريخية ومدى تأثير ذلك على سياستها الخارجية النشطة، سيُحدد الدرجة التي ستُطوّر بموجبها نفسها إقليمياً.

تفاخر دولة الإمارات بأنها "الأولى، والأضخم، والأفضل"، لكنها لاتستطيع أن تدّعي ذلك في مجال الفضاء. فإسرائيل الأولى التي بدأت برنامجاً فضائياً في المنطقة في العام 1983، وقد استفادت من الخبرة الأميركية، واستطاعت إطلاق قمر اصطناعي استطلاعي العام 1988. كذلك، حاول الإسرائيليون الهبوط على القمر في العام 2019، لكنهم فشلوا في ذلك.

لكن، وعلى الرغم من أن البرنامج الفضائي الإسرائيلي هو الأقدم في المنطقة، إلا أنه لم يكن أولوية لتل أبيب. وهذا ليس الحال مع دبي، التي أسّست مركز محمد بن راشد للفضاء العام 2006، والذي قامت الحكومة الاتحادية بتبنيه وتوسيعه في العام 2014 من خلال إقامة وكالة الإمارات للفضاء. آنذاك، عمدت الإمارات، بفعل إدراكها أنها تفتقر إلى الخبرة الكافية، إلى التشارك مع ثلاث مؤسسات أكاديمية أميركية في تصميم وإعداد بعثتها إلى المريخ. وكوّنت الإمارات فريقاً لدعم هذه الجهود ضمّ أفراد لا تتجاوز أعمارهم الخامسة والثلاثين، ثلثهم من النساء، وبرئاسة وزيرة يافعة، تدير ملف التكنولوجيا المتقدمة في الدولة. أبرزت هذه الخطوات الصورة التي تروّجها الإمارات لنفسها بأنها تحمل راية الشباب والنساء، كما سوّقت المشروع على أنه تعاون دولي تضمّن تصنيعاً في الولايات المتحدة وإطلاقاً من اليابان.

فضلاً عن إسرائيل، تظهر إيران نشطة إقليمياً في الفضاء، لكن تعاونها الدولي لم يكن على قدر الوتيرة الإماراتية الكثيفة نفسها. مع ذلك، كانت طهران تنتج الأقمار الاصطناعية منذ تأسيس وكالة الفضاء الإيرانية في العام 2004، ما جعلها الدولة الفضائية الثانية في المنطقة. كما أنها أرسلت حيوانات إلى الفضاء، وأطلقت مسباراً عسكرياً في نيسان/أبريل الماضي. لقد أثمر تعاون طهران المبكر مع روسيا والصين، خاصة مع بناء أول قمر اصطناعي مصنوع محلياً في العام 2009 أُطلق عليه اسم "أوميد"، أي الأمل، وهو الاسم نفسه الذي اختارته الإمارات لرحلتها إلى المريخ.

ليست الإمارات الدولة العربية الوحيدة التي تبدي اهتماماً بالفضاء. إذ قادت السعودية جهداً عربياً في العام 1976 لبناء القمر الاصطناعي "عرب سات"، وأطلقت أول رائد فضاء عربي إلى الفضاء، هو الأمير سلطان بن سلمان. وقد شجعت مشاركة الأمير في رحلة مكوك الفضاء "ديسكوفري" في العام 1985 على التفكير في وضع سياسة فضائية. بيد أن ذلك عُلٍّق بعد تحطّم مكوك "تشالنيجر".

تريد الإمارات عبر خوضها غمار السباق إلى الفضاء وضع نفسها في حقل لطالما احتلّه خصوم إقليميون كإسرائيل وإيران. ويتركّز التفكير الإماراتي على تميّز دولتهم عن باقي الدولة وترقية أجندتها الخاصة رغم التحديات المحيطة. والواقع أن الإمارات ستحصد فوائد جمّة في حال نجحت بعثتها إلى المريخ. فمثل هذا الإنجاز لم تحققه سوى الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق والهند ووكالة الفضاء الأوروبية. الفضاء هو الخطوة المناسبة التالية للإمارات، التي قد ترفع مكانة البلاد أكثر. وهذا سيسمح لها بتعزيز صعودها بعد العام 2011 كقوة وسطى في المنطقة بعد أفول نجم المراكز الإقليمية التقليدية، أي مصر والعراق وسورية. كل هذا قد يمنح الإمارات وزناً أكبر في القضايا الإقليمية الشائكة، مثل السلام مع إسرائيل، والصفقة النووية مع إيران، والصراع في اليمن، والنزاع داخل مجلس التعاون الخليجي.

بالطبع، لم تمر خطوات الإمارات في الفضاء مرور الكرام في المنطقة، إذ عمدت السعودية وتركيا إلى تأسيس وكالتي فضاء بفارق أيام بينهما في كانون الأول/ديسمبر 2018. ثم انضمت مصر سريعاً إلى هذا الركب في آب/أغسطس 2019. ولأن الإمارات لم تُرد أن تذهب هذه اللحظة من الاهتمام الإقليمي بالتوجه إلى الفضاء سُدى، قامت بتأسيس أول مجموعة عربية للتعاون الفضائي العام 2019. ضمّت هذه المجموعة 11 دولة عربية كان هدفها الأول تطوير "813"، وهو قمر اصطناعي لاستطلاع الأرض جاء اسمه من السنة التي وصل فيها بيت الحكمة العربي إلى ذروته مع تسنّم المأمون منصب الخلافة. بيد أن هذا الإطراء للتاريخ العربي لا يعني أن دولة الإمارات قد تتجنّب التفرّد في هذا المجال، إذ إنها خصّت نفسها بالإنجاز الأهم وهو مهمة استكشاف كوكب المريخ، فيما تركت الهدف الأقل طموحاً المتعلّق ببناء قمر اصطناعي لهذا التجمع العربي.

لطالما صبّ العرب وجيرانهم جل أنظارهم تاريخياً على البحر والأرض لسدّ حاجاتهم. لكن الفضاء يقدّم الآن مجالًا جديداً للتطور المحتمل، والتنافس، والصراع. وبالنسبة إلى الإمارات، فإن قدرتها على تشكيل الأوضاع الجيوسياسية في الإقليم لصالحها محفوفة بالمخاطر، خاصة الآن على ضوء تدخلاتها الخارجية المتعددة. لكن، إذا ما نجح برنامجها الفضائي، فقد يوازن بعض هذه المخاطر، ويوفّر فرصة للرؤية الإماراتية كي تسود في منطقة الشرق الأوسط دائمة التغيّر والتقلّب.