كوثر دارا خبيرة اقتصادية لبنانية لها باعٌ طويل في اختصاصات عدة، ولاسيما في التنمية الاقتصادية-الاجتماعية، والإدارة المالية العامة، وتحليل سياسات الإنفاق العام. عملت دارا مع العديد من المنظمات الدولية والجهات المانحة والوكالات الحكومية في لبنان والمنطقة. وعملت كذلك في تطوير السياسات، والتحليل الاقتصادي والمالي، والحماية الاجتماعية، والتخطيط، وتحديد التكاليف وإعداد الموازنات، والعمليات المتعلقة بالقطاع العام، والأبحاث الاقتصادية الاجتماعية، وتنسيق البرامج وإدارتها. وكانت مستشارة سياسية لعدد من الوزراء، كما شاركت في ترقية إصلاحات سياسية أساسية، مثل إصلاحات الإدارا المالية العامة ومنظومة الحماية الاجتماعية، وآليات مكافحة الفقر، والمعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، والسياسات التربوية، وبذلت جهوداً من أجل الدفع لتنفيذ هذه الإصلاحات. صدر لها مؤخراً مقال لدى كارنيغي بعنوان "أكلاف التهميش: التفاوتات المناطقية تشعل إوار هشاشة لبنان" (Marginalization Cost: Regional Disparities Fueling Lebanon’s Fragility ). أجرت "ديوان" مقابلة مع دارا في أواخر أيلول/سبتمبر للحديث عن مقالها.

مايكل يونغ: ماهي الحجّة الرئيسة في مقالك الأخير الذي نشرته كارنيغي؟

كوثر دارا: أشير في المقال إلى أن التفاوتات المتزايدة بين المناطق ساهمت في الهشاشة اللبنانية بصورة عامة. وأدّت التطورات الأخيرة، بما فيها استفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن جائحة كوفيد-19، إلى اشتداد أوجه اللامساواة القائمة، إذ إن المناطق المحرومة طالتها تداعيات هذه الأزمات على نحوٍ أكبر من المناطق الأخرى.

يونغ: لماذا ركّزتِ على التفاوتات المناطقية، وما كان تأثيرها على لبنان في السابق؟

دارا: التفاوتات المناطقية موجودة في لبنان منذ نشأته، وقد استمرت على امتداد تاريخه، حتى في المراحل التي شهدت المستوى الأعلى من الازدهار. لطالما عانت المناطق الواقعة في الأطراف، مثل الشمال والبقاع والجنوب، من مشاكل متعددة الأبعاد، بما في ذلك الفقر وتدنّي المداخيل، وضعف مستويات الرعاية الصحية والتعليم، وارتفاع نسب البطالة، وانخفاض النشاط الاقتصادي، وضعف الاستثمار، وتردّي البنى التحتية. وقد أدّت هذه المشاكل المناطقية، التي ظلّت من دون معالجة، إلى اضطرابات اجتماعية تُهدّد أمن البلاد واستقرارها.

وعلى صعيد آخر، تتمتع هذه المناطق الواقعة في الأطراف بطاقاتٍ اقتصادية غير مستفاد منها. وإذا ما جرى الاستثمار في هذه الطاقات ودمجها كما يلزم في الدورة الاقتصادية الوطنية، فهذا قد يساعد لبنان على تحقيق نموٍ اقتصادي شامل ومستدام. فعلى سبيل المثال، يضم البقاع أراضٍ زراعية شاسعة غير مستخدَمة كما يجب في الوقت الراهن، وهو أيضاً مهدَّد على الدوام بسبب التوسع الحضري الفوضوي، في وقتٍ يواجه لبنان تهديداً خطيراً على مستوى الأمن الغذائي.

ويحتضن البقاع أيضاً أحد أبرز المواقع التراثية على الصعيد الدولي، إضافةً إلى العديد من المعالم السياحية، مثل بعلبك وعنجر وأماكن أخرى. ومن شأن هذه المزايا أن تضعه في موقع متقدّم في مجال السياحة المحلية والإقليمية والدولية. وينسحب الأمر نفسه على شمال لبنان الذي يمتلك طاقات زراعية كبيرة، مثلاً في سهل عكار، فضلاً عن المعالم السياحية الطبيعية، والمنافذ التجارية المهمة، منها مرفأ طرابلس والحدود السورية.

كل هذه الطاقات غير المستفاد منها في المناطق الواقعة عند الأطراف تشكّل حاجة ماسّة الآن من أجل وضع لبنان مجدّداً على مسارٍ من النمو المستدام، ولاسيما أن البلاد قد تستغرق وقتاً طويلاً لإعادة إحياء أعمدتها الاقتصادية التقليدية، المتمثّلة في الاعتماد الشديد على الخدمات المصرفية والمالية. يجب العمل جدّياً على إيجاد بدائل اقتصادية في تلك المناطق التي عانت من الإهمال في السابق. فهذا يُتيح ضرب عصفورَين بحجر واحد من خلال الحد من اللامساواة بين المناطق من جهة، وزيادة المساهمة الاقتصادية لهذه المناطق في الناتج الوطني من جهة أخرى.

يونغ: تتطرقين في مقالك إلى مسألة التعليم. ماذا يجري في هذا القطاع فيما يواجه لبنان أزمة اقتصادية حادّة؟

دارا: التعليم هو من القطاعات الأساسية التي تأثّرت بالأزمة، وخصوصاً على ضوء تفشّي جائحة كوفيد-19. قبل الأزمة، كان لبنان يعتمد على المدارس الخاصة لتعليم نحو 70 في المئة من الطلاب. ولكن التعليم الخاص مكلف ويلقي عبءاً ثقيلاً على كاهل الأسر. وقد تسببت الأزمة وانتشار جائحة كوفيد-19 بتراجع شديد في مستويات الدخل لدى نسبة كبيرة من الأسر التي لم تعد قادرة على تحمّل كلفة التعليم في المدارس الخاصة، فما كان منها إلا أن اتّجهت إلى المدارس الرسمية باعتبارها البديل الوحيد المتاح.

لذلك، تعرّض قطاع التعليم الرسمي لضغوط إضافية بسبب هذه الزيادة المفاجئة في الطلب. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المدارس الرسمية تحتضن نحو 250,000 تلميذ من اللاجئين منذ العام 2011، مايعني أن أعداد التلاميذ اللاجئين غير اللبنانيين مساوية تقريباً لأعداد التلاميذ اللبنانيين. قد يشكّل ارتفاع الطلب، مقروناً بحالة الالتباس في الموارد التعليمية، تهديداً لمدى توافر التعليم الجيّد بشكل متكافئ في مختلف المناطق اللبنانية.

أحد الجوانب المهمة الأخرى التي قد تُهدّد المساواة في الوصول إلى التعليم مرتبط بجائحة كوفيد-19 وتقنيات التعلّم البديلة التي يجري اتّباعها حفاظاً على التباعد الاجتماعي وبغية احتواء انتشار الجائحة. والتعلّم عن بعد هو أحد هذه البدائل المقترَحة من أجل عدم ضياع العام الدراسي. لكن ذلك يتطلب اتصالاً موثوقاً ومستمراً بشبكة الإنترنت وبمصدر للتغذية بالتيار الكهربائي. غير أن هذا ليس مضموناً على الإطلاق على كامل الأراضي اللبنانية، مع الإشارة إلى أن بعض المناطق يعاني من نقص شديد في الخدمتَين، ناهيك عن الكلفة المرتفعة نسبياً للاتصال بشبكة الإنترنت، هذا في حال توافُرها. وسوف يؤدّي ذلك إلى معدّلات مرتفعة من التسرّب المدرسي، ولاسيما أن الأهل قد يلجأون إلى آليات تكيُّف سلبية للتعويض عن خسارة المدخول العائلي، مثلاً من خلال دفع أولادهم إلى العمل بدلاً من متابعة تحصيلهم العلمي.

يونغ: بصورة عامة، مامدى سوء الوضع الحالي بالنسبة إلى اللبنانيين على المستويَين الاجتماعي والاقتصادي؟

دارا: تُقيَّم هذه المرحلة بأنها أسوأ المراحل التي عرفها لبنان منذ استقلاله أو أقلّه منذ الحرب الأهلية. لقد مرّت البلاد بأزمة مماثلة في الثمانينيات، أي بتعبير آخر خلال ذروة النزاع اللبناني. لكن الأزمة الحالية أعمق بكثير وأشد حدّةً، مايؤشّر إلى سقوط حر للاقتصاد قد يؤدّي في نهاية المطاف إلى انهيار اقتصادي كامل.

وقعت أحداث عدّة بصورة متزامنة وساهمت في وصول الأوضاع إلى ماهي عليه الآن، ومنها: الانكماش الاقتصادي الشديد الذي يُقدَّر بـ18 إلى 20 في المئة في العام 2020 والناجم عن فقدان الثقة وتباطؤ الطلب الكلّي؛ وأزمة المديونية غير المستدامة التي أدّت إلى تخلّف فعلي عن سداد مستحقات السندات بالعملات الأجنبية في آذار/مارس 2020؛ والتدهور في قيمة العملة الوطنية التي فقدت أكثر من 80 في المئة من قيمتها؛ والعجز غير المسبوق في ميزان المدفوعات؛ والعجز المالي المزمن؛ وخسارة مصادر الإيرادات؛ واستنزاف احتياطي العملات الأجنبية؛ والارتفاع الجنوني في الأسعار الذي فاقت نسبته 110 في المئة في غضون سنة واحدة؛ وارتفاع نسبة البطالة التي بلغت 30 إلى 35 في المئة؛ وهجرة الأدمغة الآخذة في التزايد والتي تتسبب بخسائر لاعودة عنها على صعيد الرأسمال البشري؛ وتعثّر القطاع المصرفي؛ ناهيك عن المأزق السياسي المستمر وغياب الآليات الاستباقية لصنع القرار، في وقتٍ تُعتبر فيه البلاد في أحوج مايكون إلى النقيض تماماً.

وفوق هذا كلّه، زادت جائحة كوفيد-19 من حدّة الأزمة وتعقيداتها. وكانت لها تداعيات مباشرة على منظومة الصحة العامة فضلاً عن التسبب بإبطاء بعض الأنشطة الاقتصادية، وحتى توقّفها التام في إطار الإجراءات المتّخذة لاحتواء الجائحة.

أخيراً، كان انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس بمثابة القشّة (مع أنه لم يكن قشّة على الإطلاق) التي قصمت ظهر البعير. فقد أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا والإصابات، وعن دمار هائل في جزء كبير من مساكن العاصمة، وإقفال آلاف الشركات على نحوٍ دائم أو مؤقّت، وفقدان مايزيد عن 100 ألف عامل وظائفهم، بصورة دائمة أو مؤقّتة، وتشريد آلاف العائلات.

وفي ضوء تراكُم هذه الأحداث في أقل من عامٍ واحد، تفاقمت أوجه الهشاشة التي أغرقت الناس في مزيد من الفقر والحرمان. قبل الانفجار، كانت التقديرات تشير إلى أن حوالى 50 في المئة من اللبنانيين سيصبحون تحت خط الفقر في العام 2020. وقد باتت هذه النسبة أعلى في الوقت الراهن، نظراً إلى أن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لانفجار المرفأ طالت لبنان بأسره، وليس فقط المناطق المحيطة بالمرفأ.

يونغ: ما الذي يمكن فعله اليوم للحد من التفاوتات المناطقية؟

دارا: الوضع صعب، ولكنه زجّ لبنان أيضاً في مأزق. نظراً إلى الأزمة المالية وأزمة الديون، يجب على لبنان اتّباع إجراءات صارمة لاحتواء عجزه المالي وخفض المديونية. يعني الانكماش الاقتصادي أن الإيرادات تتراجع، مايؤثّر سلباً في موازنة الحكومة. من جهة أخرى، فإن الحاجة المتزايدة إلى الخدمات العامة، ولاسيما في المناطق المحرومة حيث تتعمّق مستويات الفقر، تستدعي زيادة الإنفاق في تلك المناطق لتأمين الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية. وفي ضوء المقايضات المعقّدة في السياسة، من المستبعد السيطرة على العجز المالي.

من أجل وضع حد لهذه الحلقة المفرغة، يجب على لبنان أن يسعى إلى الحصول على الدعم الخارجي لتلبية احتياجاته الناشئة. لكن ينبغي تنفيذ إصلاحات أساسية لضمان وصول الأموال الأجنبية إلى المناطق الأكثر حاجة وإيلاء الأهمية اللازمة للقطاعات والخدمات ذات الأولوية. ويقتضي ذلك تعزيز عملية التخطيط على المستوى المحلي لتنوير السياسات المركزية، وتحديد أولويات الإنفاق على نحوٍ أفضل.