ماذا حدث؟

توفّي أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في 29 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة. حكم الأمير الراحل البلاد من العام 2006 إلى العام 2020، وظل الأمير يدير شؤون البلاد على الرغم من عمره المتقدّم البالغ 91 عاماً حتى دخوله المستشفى في 19 تموز/يوليو. وتعبيرًا لمتانة العلاقات الكويتية-الأمريكية فقد منحه الرئيس دونالد ترامب وسام الاستحقاق العسكري في 18 أيلول/سبتمبر. يُشار إلى أن المرة الأخيرة التي مُنح فيها هذا الوسام الرفيع كانت في العام 1991، وهو لم يُمنح سوى لأحد عشر رئيساً.

بعد ساعتين من الإعلان عن وفاة الأمير، أثبت النظام السياسي الكويتي صلابته من خلال إنجاز انتقال سلس للسلطة. فقد نادت الحكومة الكويتية ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أميراً جديداً للبلاد. وأدّى الأمير الجديد، الأخ غير الشقيق للأمير الراحل، اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة في 30 أيلول/سبتمبر.


 

لماذا هذا الحدث مهم؟

ترتبط مسيرة الشيخ صباح ارتباطاً وثيقاً ببناء الكويت الحديثة. فقد وُلد قبل اكتشاف النفط وتولى عدة مناصب لأكثر من ستة عقود شهدت خلالها البلاد تحوّلات هائلة. وطد الأمير الراحل نهجًا متميزًا للكويت خلال العقود الأربعة التي أمضاها في منصب وزير خارجية البلاد بين العامَين 1963 و1991، ومجدداً بين 1992 و2003، وطبّق بعضاً من عناصر هذا النهج على المشهد الداخلي حين أصبح رئيساً للحكومة ثم أميراً للبلاد. كان هذا النهج نابعاً من إدراكه العميق بالأرضية التي تقف عليها الكويت كونها دولة صغيرة محاطة بدول مجاورة أكبر منها في قلب منطقة مضطربة. من هذا المنطلق، كان الهمّ الرئيس هو المسعى الحثيث لتحقيق السلم والاستقرار، مقروناً بأخذ مصالح جميع الأطراف في الاعتبار. وهكذا، لطالما اتّسمت الدبلوماسية الكويتيةبالسعي لتحقيق توازن في القوى والتوسّط في النزاعات وخفض التصعيد. لم يكن سهلاً أبداً اتّباع هكذا مقاربة، بيد أنها أحرزت نتائج ملموسة حيال الكثير من قضايا الشرق الأوسط، وإلى قبول أكبر للمساعدات والوساطات الكويتية من قِبل أطراف متنوعة. وخير دليل على ذلك، الجهود التي بذلتها البلاد مؤخراً لحلّ النزاع القائم بين قطر من جهة، وثلاث دول خليجية من جهة أخرى. وليس الفيض من بيانات النعي والتعزية المتوالية، سوى مؤشّر على مكانة الكويت لدى الكثير من الأطراف المتنازعة.

إضافةً، شكّلت مساعي الأمير المبكرة تجاه العراق مؤشّراً على بعد نظره واهتمامه العميق بتجاوز المصاعب السابقة. وقد أسفر ذلك في العام 2018 عن استضافة الكويت المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق. كذلك، نظمت الكويت مؤتمرات لدعم الوضع الإنساني في سورية، ناهيك عن سياسة المساعدات الكويتية، والدعم الذي قدّمته إلى قضايا متنوعة ومنظمات متعددة الأطراف أكسبت البلاد وأميرها الراحل في العام 2014 تقديراً من منظمة الأمم المتحدة التيأسمت الكويت مركزاً للعمل الإنساني، ومنحت أميرها لقب "القائد الإنساني".

كانت روح احتضان الجميع واضحة على المستوى المحلي أيضاً. ففي أيار/مايو 2005، منح الشيخ صباح، بصفته رئيساً للوزراء آنذاك، المرأة الكويتية الحق في الانتخاب، وهو قانون كان تقدّم به بدايةً الأمير الشيخ جابر الأحمد الصباح في العام 1999. وبعد شهر على ذلك، تم تعيين أول وزيرة*. كما تجلّت قيادته واحترامه للتنوّع خلال الأزمات الوطنية. وبرز ذلك حين نفّذ إرهابي أجنبي هجوماً استهدف مسجداً شيعياً في العام 2015. فبعد دقائق من الانفجار، هرع الشيخ صباح إلى مكان الحادث، متجاهلاً المخاطر الأمنية، ثم قال والدموع في عينيه إن القتلى والمصابين هم أولاده. رحل أبرز مهندسي النهج المتميز للكويت، لكن هذا لا يعني انتهاء هذا النهج.


 

ما المضاعفات للمستقبل؟

لقد ترك الأمير الراحل فراغاً كبيراً. فهو أحد الآباء المؤسسين لمنطقة الخليج الحديثة. وتُشكّل وفاته نهاية حقبة ونقطة محورية للتحوّل نحو نوع مختلف من السياسات الخليجية: نوع يتسّم بروح المجابهة والتنافس أكثر من التصالح وضبط النفس. لكن الشيخ نواف ليس بوجه جديد على الساحة السياسية، فقد انخرط في العمل الحكومي منذ أوائل الستينيات، ولاسيما كوزير للداخلية والدفاع. ويتسم بالتواضع والحزم، ويحظى بالاحترام على نطاق واسع، ويدرك تمام الإدراك نجاحات السياسة الخارجية الكويتية، ولن يغامر بالابتعاد عن الخطوط التي رسمها سلفه. مع ذلك، لاتعني استمرارية السياسة الخارجية أنه لن تطرأ أي تغييرات محلية.

سيحاول الأمير الجديد معالجة عدد من القضايا المهمة في البلاد. وفي حين يُشهد للشيخ صباح التزامه بالدستور، عرفت فترة حكمه أزمات متكررة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ما أدّى إلى حل البرلمان سبع مرات، واستقالة أربعة عشر حكومة، وتعيين ثلاثة رؤساء وزراء في أربعة عشر عاماً. ويشير كل ذلك، إضافةً إلى استياء شخصيات معارضة من الطريقة التي تدار بها الكويت، إلى وجود مصالحة قيد الإعداد، نظراً إلى أن الشيخ نواف التقى العديد من شخصيات المعارضة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

علاوةً على ذلك، تواجه الكويت تحديات أخرى تشمل كيفية التعامل مع جائحة كوفيد-19، والركود الاقتصادي، والفساد المستشري، والخدمات الحكومية المتواضعة، والقضايا التي لم يتم حلها، كوضع "البدون" (عديمو الجنسية). صحيح أن العديد من هذه التحديات كان موجوداً في الماضي، إلا أنها تشكّل الآن فرصة أمام الأمير الجديد لوضع لمسته الخاصة على نهج الكويت.

هذا ومن شأن الخطوات الأولى للأمير الجديد أن تحدّد طبيعة حكمه. سيكون اختيار ولي العهد مؤثراً في هذا الصدد، حتى لو كانت السوابق تشير إلى أن القرار لن يكون وشيكاً. كما أن العمل على خطوات محدّدة نحو تحقيق المصالحة، والحكم الرشيد، وتنويع الدخل الوطني، وبحث وضع قانون انتخابي جديد، ودعم القدرات الشابة من ذوي الكفاءة في الدولة، جميعها خطوات ستكشف اتجاه العهدالجديد.

*تم تعديل هذه الجملة لتوضيح أن الأمير جابر، سلف الشيخ صباح هو الذي تقدّم بمشروع إعطاء المرأة الكويتية الحق في الانتخاب، والشيخ صباح تابع هذا المسعى وحقّقه.