انصبّ اهتمامٌ كبير في الأسابيع الأخيرة على الإخفاق في تشكيل حكومة جديدة وفقاً لخريطة طريق وضعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولكن ماكرون قال، في المؤتمر الصحافي الذي عقده بشأن الأوضاع في لبنان في 27 أيلول/سبتمبر الماضي، أمراً آخر لاشك في أن لبنانيين كثراً توقّفوا عنده، حين أشار إلى احتمال "إعادة تشكيل الصيغة السياسية في لبنان".

حمل كلامه إقراراً ضمنياً بأن العقد الاجتماعي اللبناني قد انتهى، وبأن النظام السياسي الذي أوجده دستور مابعد الطائف لم يعد صالحاً. ظلّت السياسات التي سادت في لبنان في مرحلة مابعد الحرب قابلة للتطبيق حين كانت هناك أموال ومحسوبيات لتوزيعها، بحيث أمكن شراء الطبقة السياسية للحفاظ على السلم الاجتماعي. ولكن آلية النهب المنهجي والشامل أدّت إلى إفلاس الدولة، وبات واضحاً اليوم أنه يجب إعادة بناء لبنان على مرتكزات جديدة، حتى ولو كانت الطبقة السياسية تعلّق آمالها الآن على التنقيب عن غاز في البحر لإرجاء العمل على إرساء هذه المرتكزات حتى أجل غير مسمّى.

ماذا تقتضي إعادة تكوين الصيغة السياسية في البلاد؟ لم يجرِ التفكير جدّياً في هذا السؤال في الأعوام الثلاثين الماضية، أي منذ انتهاء الحرب الأهلية. وعند إثارة الموضوع، يأتي ذلك عادةً في سياق اتهام حزب الله بالسعي إلى تعديل الدستور لتعزيز نفوذ الطائفة الشيعية. والتعبير الذي يُستخدَم للإشارة إلى ذلك هو أن الحزب يسعى إلى انعقاد "مؤتمر تأسيسي" تُعاد خلاله كتابة قواعد الجمهورية الحالية لترسيخ هيمنة حزب الله.

حتى لو كانت هذه فعلاً نيّة الحزب، فليست لها قيمة كبيرة في منظومة يمثّل فيها الشيعة أقلّية من بين أقليات أخرى. وليس بإمكان حزب الله استخدام سلاحه لفرض تغييرات في دستور مابعد الطائف، لابل قد يشكّل هذا السلاح عائقاً أمام هذه التطلعات. وفي هذا الصدد، قال البطريرك الماروني بشارة الراعي في الثاني من أيلول/سبتمبر: "لسنا مستعدين أن نبحث بتعديل النظام [اللبناني] قبل أن تدخل كل المكونات في كنف الشرعية... ولاتعديل في الدولة في ظل الدويلات". بتعبير آخر، إذا أراد حزب الله تغيير المنظومة الدستورية، فعليه أن يتخلى أولاً عن حكمه الذاتي وولاءاته الخارجية، والأهم من ذلك، عن سلاحه.

بإمكان الحزب، بالطبع، أن يتجاهل البطريرك بكل بساطة. ولكن المفاجئ هو أن المؤسسة الرئيسة التي حرّكها حزب الله للرد على الراعي كانت المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. فقد ساهم ذلك في ترسيخ صورة الحزب كتنظيم مذهبي ضيّق الأفق، ما يناقض جهوده المتواصلة لتصوير نفسه على أنه في طليعة "مقاومة" وطنية جامعة. ففي بيئة مذهبية شديدة الاستقطاب، ما من هامش كبير أمام حزب الله لفرض إرادته على الطوائف الأخرى، ولاسيما السنّة الذين يساوون الشيعة عددياً. بل المطلوب هو إجماعٌ واسع على التغيير.

من الواضح أن حزب الله ليس لديه طريقة عملية لإدارة البلاد، على الرغم من أنه الحزب المهيمن فيها. فهو لايريد إقصاء حلفائه السياسيين، وبالتالي فإن أي حكومة يساهم الحزب في تسليمها السلطة ستفشل فعلياً في تلبية حاجة لبنان إلى الإصلاح الاقتصادي. إن أي حكومة مؤلَّفة من شخصيات سياسية ستواصل النهب كما في السابق، في حين أن حكومة تضم شخصيات تتمتع بمصداقية نسبية إنما يختارها السياسيون، على غرار حكومة دياب، لن تتمكّن من إنجاز أي شيء على الإطلاق. أما الخيار الثالث، أي حكومة مؤلَّفة من خبراء مستقلين تؤدّي مهامها بدعمٍ من الأفرقاء المختلفين تحت إشراف دولي، فقد أسقطه حزب الله حين قوّض المبادرة الفرنسية.

إذاً، ما الأمر المتبقّي والذي تسمح به الطبقة السياسية؟ لاشيء يخطر فوراً في البال. لقد أوقع حزب الله نفسه في مأزق منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي عندما رفض الاستجابة للاحتجاجات الشعبية في لبنان، وكذلك من خلال دعمه للسياسيين. لكنه أدّى بهذه الطريقة إلى تفكيك تدريجي للنظام الذي حاول توطيده، وأثار غضباً شعبياً عارماً، وساهم في ظهور وضعٍ اجتماعي يجعل تنفيذ العَقد الذي أقامه الحزب مع إيران – أي أن يكون رادعاً لإسرائيل - أشد صعوبة بكثير. إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، قد يدخل لبنان في نزاعٍ أهلي يُهدّد بشكل أكبر مصالح حزب الله. فقد يتسبب الحزب، من خلال معاندة جميع الخيارات، بحالة أشبه بتلك التي حاول أعداؤه الألدّاء فرضها عليه، وهي نشوب نزاع داخلي يؤدّي إلى تعطيل دور حزب الله كأداةٍ لإيران.

ذُكر أن حزب الله امتعض ربما من كلام ماكرون في 27 أيلول/سبتمبر عن أنه يجب على الحزب "ألا يعتبر نفسه أقوى مما هو عليه". لكن الرئيس الفرنسي كان محقّاً تماماً. فلو نظر الحزب قليلاً إلى ما كان عليه قبل عام، وما أصبح عليه اليوم، لأدرك أن قبضته على النظام لم تعد كما كانت في السابق. يُضاف إلى ذلك أن عدداً كبيراً من اللبنانيين لم يعد قادراً على تأمين قوته اليومي، ما يُنذر باضطرابات في الأفق. كذلك، لا يُقدّم حزب الله أي حلول لأيٍّ من المشاكل الخطيرة التي يعانيها لبنان، كما أنه أصبح أكثر عزلة من أي وقت مضى، إذ لم يعد بإمكانه اللجوء إلى الترهيب للخروج من المأزق الذي أقحم نفسه فيه من خلال دفاعه عن النظام الفاسد في لبنان. وبات معظم اللبنانيين، بما في ذلك عدد كبير من الشيعة، يقيمون رابطاً بين سلوكياته وحالة الإفقار التي يتخبّطون فيها.

بناءً على ما تقدّم، إذا ما أصبحت السيطرة على لبنان تطرح تحدّياً أساسياً أمام حزب الله، فسيغدو الكلام عن تعديل النظام اللبناني منطقياً. تشير تقارير غير مؤكّدة إلى أن حزب الله تواصلَ مع أفرقاء آخرين حول الموضوع. لكن سواء كان ذلك صحيحاً أم لا، يبقى أن الحزب في ورطة. فهو لطالما سعى إلى قولبة بيئته لضمان أهدافه الاستراتيجية، ولكنه بات الآن يدمّر هذه البيئة. وقد يُضطر حزب الله إلى القبول بأن أي مسعى لتعديل النظام اللبناني لمصلحته إنما يتطلّب تقديم تنازلات من شأنها أن تؤدّي إلى القضاء على أي منافع محتملة يتطلع الحزب إلى تحقيقها.

النتيجة الأكثر ترجيحاً هي أن لبنان يتّجه نحو فترة طويلة من الفراغ تسودها معاناة وغضب وانهيار. يراهن حزب الله على أنه في حال فاز الديمقراطيون في الانتخابات الرئاسية الإميركية، ستسعى الإدارة الأميركية للتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، ما يمنح الحزب متنفّساً مالياً يسهم في تهدئة قاعدته الشعبية. لكن لا ضمانة بأننا سنكون أمام سيناريو من هذا القبيل في حال فاز جو بايدن بالرئاسة الأميركية، ولاسيما إذا رأى الأميركيون أن حزب الله في موقف ضعيف.

واقع الحال أن لبنان اليوم هو رهينة تنظيم مسلّح في هذه المرحلة الأسوأ في تاريخه الحديث، ما يفاقم احتمال حدوث انفجار اجتماعي. إن السياسات المذهبية اللبنانية تلحق الأذى بكل من يقرّر تجاهل قواعد ضبط النفس التي تفرضها هذه السياسات. فحزب الله يشاهد انهيار لبنان، آملاً بأن يسمح له سلاحه وأمواله بالسيطرة على البلاد. لكنّه بذلك ربما ينزلق سريعاً نحو أزمة وجودية ذات تداعيات هائلة على مستقبله ودوره باعتباره امتداداً لإيران.