مايكل كرم هو كاتب وصحافي لبناني مولود في بريطانيا تتمحور كتاباته حول النبيذ. وضع، بالتعاون مع المصوّر نوربرت شيلر، كتاب "نبيذ لبنان" (Wines of Lebanon) الذي فاز بـ"جائزة الذوّاقة لأفضل كتاب جديد عن النبيذ" في العام 2005. وصدر له أيضاً كتاب "عرق ومازة: مذاق لبنان" (Arak and Mezze: The Taste of Lebanon) و"النبيذ اللبناني: دليل كامل إلى تاريخه وصانعيه" (Lebanese Wine: A Complete Guide to Its History and Winemakers). كرم هو محرّر ومساهم في كتاب "دموع باخوس: تاريخ النبيذ في العالم العربي" (Tears of Bacchus: A History of Wine in the Arab World). يساهم بانتظام في كتاب جانسيس روبنسون "رفيق النبيذ من أكسفورد" (Oxford Companion to Wine)، وفي "أطلس النبيذ العالمي" (The World Atlas of Wine)، و"كتاب الجيب عن النبيذ" من إعداد هيو جونسون (Pocket Wine Book)، و"موسوعة النبيذ" من سوذبيز (Wine Encyclopedia). تعاونَ مؤخراً على إعداد وثائقي بعنوان "النبيذ والحرب" (Wine and War)، وهو أول تعاون له في مجال الأفلام، وقد أُطلِق الفيلم في 9 تشرين الأول/أكتوبر. في مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تحدثت "ديوان" مع كرم عن الفيلم الجديد، وعن النبيذ في الشرق الأوسط عموماً.

مايكل يونغ: ماذا دفعكم مع زميلَيكم إلى إعداد فيلم عن النبيذ والحرب؟

مايكل كرم: كان شريكاي، مارك جونستون ومارك راين، قد أطلقا للتو فيلم "الجبهة غير المرئية" (The Invisible Front) عن المقاومة الليتوانية خلال الحرب العالمية الثانية، وكانا يبحثان عن موضوع جديد. وراين الذي يصنع أيضاً أفلاماً عن النبيذ كان قد قرأ كتابي "نبيذ لبنان"، وخطر له أنه يمكن أن يُشكّل الأساس لفيلمٍ وثائقي رائع. جاء كلاهما إلى لبنان في العام 2013 وأجريا مقابلة معي. وبعد بضعة أشهر، طلبا مني التعاون معهما في كتابة نص الفيلم.

يونغ: لماذا الربط بين النبيذ والحرب؟

كرم: إنه عنوان قوي الوقع، لكن الفيلم يتمحور في الواقع حول الناس أكثر منه حول النبيذ والحرب، وموضوعه بوجهٍ خاص هو رواد الأعمال اللبنانيون الذين صقلوا على مر العقود مهارةً لافتة في التجارة، في ظروف شاقّة جداً في معظم الأحيان. لقد أقام الفينيقيون مراكز لهم في حوض المتوسط قبل نحو 3500 عام لأن الفرص في الداخل كانت ضئيلة. لم يتغيّر الكثير في هذا الصدد، لذلك اخترنا التطرق إلى هذا التقليد من منظار صناعة النبيذ والنزاع، لأنهما موضوعان قويا الوقع مع قصص آسرة.

يونغ: من هي شخصيات هذه القصص؟

كرم: تشمل الراحل سيرج هوشار من شاتو موزار، الذي ساهم تصميمه على تصنيع النبيذ وتصديره في أحلك أيام الحرب الأهلية بين عامَي 1975 و1990 في وضع لبنان على خارطة النبيذ العالمية. ومن الشخصيات التي نجدها في هذه الروايات أيضاً الراحل ميشال دو بسترس وصانع النبيذ الفرنسي إيف مورارد الذي كان يعمل لديه، وقد صمد في وجه الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 والمعارك الجوية فوق الكروم (وقع إيف في نهاية المطاف أسيراً في أيدي الإسرائيليين ونُقل إلى السجن في تل أبيب)؛ وجان بيار سارا، مالك شاتو كسارة سابقاً، الذي أُخضِع لإعدام وهمي مرتَين بعد خطفه أثناء توجّهه إلى مخمرة النبيذ. وثمة أيضاً الأخوان سعادة اللذان ينتجان النبيذ في خضم الحرب الأهلية السورية.

ومن الشخصيات الأخرى التي يسلّط عليها الفيلم الضوء ناجي بطرس من شاتو بيل فو، والذي زرع كروم عنب في بلدة بحمدون الجبلية التي لقي 500 من أبنائها مصرعهم في العام 1983؛ ورمزي غصن من مسايا، الذي لم يفارق كرومه خلال الحرب التي اندلعت بين حزب الله وإسرائيل في صيف 2006؛ وكوكبة من مالكي مصانع النبيذ الآخرين الذين يعيشون في ظل اللااستقرار الذي فرضه مؤخراً وجود تنظيم الدولة الإسلامية والحرب الأهلية السورية.

أجرينا أيضاً مقابلات مع الناقدَين في مجال النبيذ، جانسيس روبنسون والراحل مايكل برودبنت، ومع الساقي النيويوركي بول غريكو، وعلماء الآثار هيلين صادر وباتريك مكغوفرن ولور سلوم. حتى إننا اقتفينا أثر إليزابيث غيلبرت، مؤلِّفة "الطعام والصلاة والحب" (Eat, Pray, Love) التي طوّرت علاقة خاصة مع لبنان بعد كتابتها قصةً عن شاتو موزار لمجلة GQ.

يونغ: ما مدى انتشار صناعة النبيذ في الشرق الأوسط؟ لا نسمع كثيراً عن هذا الموضوع.

كرم: الشرق الأوسط والقوقاز هما بمثابة نقطة الانطلاق لصناعة النبيذ، وقد انتشرت ثقافة النبيذ نحو الجنوب الغربي من جورجيا وأرمينيا إلى ساحل المشرق. لو لم يكن الفينيقيون تجّاراً مقدامين، لبقي النبيذ على الشاطئ. لحسن الحظ أنهم تمكّنوا من نقل هدية النبيذ، بالمعنى الحرفي للعبارة، إلى قرطاجة وكريت واليونان وروما وشبه الجزيرة الإيبيرية.

للأسف، لم يُترجَم هذا الإرث المدهش إلى شهرة أو ثروة في الزمن الحديث. فقد حالت التوعية وكمية الكحول المنخفضة نسبياً دون أن يصبح نبيذ الشرق الأوسط من الأصناف الأساسية الذائعة الصيت. وقد تقدّمت إلى الواجهة مناطق أخرى مألوفة على نحو أكبر في صناعة النبيذ، ويُشار في هذا الصدد إلى أن البلاد المعروفة حالياً بفرنسا لم تبدأ بصناعة النبيذ إلا نحو العام 500 ق.م.، ودخل الشرق الأوسط غياهب النسيان. اليوم، يحظى النبيذ المصنوع في لبنان، وكذلك في إسرائيل وتركيا وقبرص وجورجيا وأرمينيا، باحترام واسع. لقد أصبحنا إلى حد كبير جزءاً من نادي النبيذ العالمي، ولم نعد مجرد رقم يضاف إلى سواه.

يونغ: في رصيدكم كتابات كثيرة عن النبيذ اللبناني. تعاني البلاد راهناً من انهيار اقتصادي. كيف يؤثّر ذلك في صناعة النبيذ في لبنان؟

كرم: المأساة هي أن لبنان تلقّى ضربة مزدوجة بسبب التضخم المحلي وجائحة كوفيد 19 العالمية. قامت الاستراتيجية الأولى التي اعتُمدت في أواخر العام 2019، عندما كانت للبنان يدٌ واحدة مكبّلة، على مضاعفة جهود التصدير لتوليد احتياطيات بالعملات الأجنبية، إنما فُرِض الإغلاق في مختلف أنحاء العالم، وحتى هذا الخيار لم يعد ممكناً. ولكن إذا تجسّدت الرسالة المضمّنة في فيلم "النبيذ والحرب"، سوف يجد روّاد الأعمال اللبنانيون سبلاً للصمود والتكيّف. هذه هي الرسالة الأساسية التي يوجّهها الفيلم.

يونغ: هل كان من الصعب أم من السهل على النبيذ اللبناني أن يشقّ طريقه إلى الأسواق الدولية؟

كرم: نظراً إلى أننا نصدّر 4 ملايين زجاجة فقط سنوياً، ليس أداؤنا سيئاً. قد يبدو رقم الأربعة ملايين كبيراً، لكن إنتاج النبيذ في العالم يصل إلى 36 مليار زجاجة في السنة، وترسل تشيلي 100 مليون زجاجة إلى المملكة المتحدة سنوياً. لبنان هو بمثابة سمكة صغيرة في محيطٍ من النبيذ. ولكن سمعتنا ممتازة. يردّد كثرٌ: "لم أتذوّق النبيذ اللبناني، لكنني أسمع أنه جيد جداً". ويعود الفضل في ذلك، بصورة أساسية، إلى سمعة شاتو موزار الذي ينتج بلا أدنى شك أحد أفضل أصناف النبيذ في العالم، وإلى واقع أننا ننتج في لبنان نبيذاً ذا جودة عالية. ليست أصناف النبيذ اللبنانية رخيصة، فالنبيذ الأرخص ثمناً يُباع بسعر يبلغ ضعف ما ينفقه المستهلك البريطاني العادي على زجاجة نبيذ، لكننا نقدّم جودة ممتازة. لم يعد النبيذ اللبناني مجرد منتج محلي نحتسيه مع الكباب أو الحمص.

يونغ: إلى جانب لبنان، ما البلدان الشرق أوسطية أو العربية تحديداً التي تنتج برأيكم نبيذاً ذا نوعية جيدة؟

كرم: على الأرجح أن سورية تملك الطاقات الأكبر على صعيد ثقافة النبيذ والكروم. أنشأ الأخوان سعادة "دومين دو بارجيلوس" في العام 2005 في جبل الأنصارية فوق اللاذقية، واكتسب النبيذ الأحمر والأبيض الذي يُنتَج في هذه المخمرة شهرة عالمية في فترة وجيزة. وتُصنَع في أماكن أخرى، مثل الأراضي الفلسطينية وكردستان والأردن وحتى مصر، كميات قليلة من النبيذ الذي يمكن شربه، لكنها تبقى للأسف هامشية إلى حد كبير.