ماذا حدث؟

فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية عقوبات على جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر وصهر رئيس الجمهورية ميشال عون، "على خلفية الدور الذي لعبه في انتشار الفساد في لبنان... وتأتي هذه العقوبات في إطار قانون ماغنيتسكي العالمي للمساءلة في مجال حقوق الإنسان"، وهو قانون يُطبَّق للمرة الأولى في لبنان.

يُذكر أن إدارة ترامب أدرجت في أيلول/سبتمبر الماضي وزيرين لبنانيين سابقين على قائمة العقوبات الأميركية بتهمة التعاون مع حزب الله، وهما علي حسن خليل، وزير المالية السابق وأبرز مستشاري رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو من الطائفة الشيعية؛ ويوسف فنيانونوس، وزير الأشغال العامة والنقل السابق، الذي ينتمي إلى تيار المردة برئاسة سليمان فرنجية، وهو من الطائفة المسيحية.


 

لماذا هذا التطور مهم؟

يُعتبر باسيل من أكثر سياسيي لبنان نفوذاً، إذ يترأس أكبر حزب مسيحي في البلاد ويتزعّم كتلة نيابية يُعتدّ بها. وقد وضعته الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على القائمة السوداء بسبب تحالفه مع حزب الله، لذا كان ملفتاً أن تعمد إلى فرض عقوبات عليه بموجب قانون صُمِّم خصّيصاً لاستهداف الأشخاص المتورطين في ملفات فساد. رمت هذه الخطوة جزئياً إلى تظهير الموقف الأميركي الداعم للحراك الشعبي الذي انطلق منذ عام ونيّف في لبنان ضد الطبقة السياسية التي مارست عمليات سرقة واسعة وممنهجة لأصول الدولة.

لكن علاقة باسيل مع حزب الله لم تغب عن بال واشنطن أبداً. فهي ترى أن التيار الوطني الحر يوفر غطاء مسيحياً مهماً للحزب، الذي رسّخ دوره المهيمن في البلاد من خلال تحالفات عابرة للطوائف مثل تحالفه مع مناصري عون. لذا ترى إدارة ترامب على ما يبدو أن استهداف باسيل قد يدفعه إلى قطع علاقته هو والتيار مع حزب الله، فيزداد هذا الأخير عزلةً.

واقع الحال أن إدارة ترامب، من خلال فرض عقوبات على باسيل، تستهدف أيضاً ميشال عون. فهو عبّد المسار السياسي لصهره الذي بات يمارس تأثيراً قوياً على قرارات الرئيس. وقد حلّ عون الذي بلغ الخامسة والثمانين من العمر بديلاً عن باسيل أحياناً في المفاوضات مع سائر السياسيين حول المسائل الحكومية. إذاً، يشير تسليط سيف العقوبات على باسيل إلى أن عون تواطأ مع صهره في الانتهاكات عبر تعيينه في وزارات تمكّن فيها من كسب المال غير المشروع.


 

ما المضاعفات على المستقبل؟

يخوض باسيل راهناً مفاوضات مع رئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري حول حصته من الحقائب الوزارية في الحكومة العتيدة. يعتبر الكثير من المراقبين أن باسيل يريد إرغام الحريري على إعطاء وزارة الطاقة لشخص موالٍ للتيار الوطني الحر، لما تدرّه هذه الحقيبة من عوائد مالية. لكن يبدو أن الحريري لا يعتزم تسمية أي شخص مقرّب من باسيل، في إطار التزام حكومته تطبيق المبادرة الفرنسية الرامية إلى إنعاش الاقتصاد اللبناني.

ويرتدي هذا الأمر أهمية أكبر نظراً إلى أن قطاع الكهرباء الذي يفتقر إلى آليات عمل واضحة وفعالة مسؤولٌ عن جزء كبير من عجز الموازنة. وفي حال أراد الحريري الحصول على مساعدة صندوق النقد الدولي، عليه أن يُظهر نية جدية لإصلاح هذه الوزارة. وقد يكون أحد أهداف العقوبات الأميركية إجبار باسيل على التنازل عن حقيبة الطاقة، لكن سينجم عنها ربما نتيجة معاكسة هي أن يزداد تشبّثاً بموقفه. ويبدو أن باسيل يريد استخدام نفوذه في وزارة الطاقة كورقة ضغط على الحريري لضمان دعمه له في السباق الرئاسي عند انتهاء ولاية ميشال عون.

هذا وتتمتّع وزارة الطاقة بأهمية كبرى لأنها مسؤولة من الناحية التقنية عن ملف الغاز الطبيعي البحري المدّر للأرباح. وباسيل مستاء من تسلّم خصمه السياسي اللدود نبيه بري زمام المبادرة على هذه الجبهة، إذ اتفق مع حزب الله على إطلاق المفاوضات من أجل ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل. وقد يتكلّل النجاح في إبرام هذا الاتفاق ببدء التنقيب عن الغاز في البلوك رقم 9 قبالة ساحل الجنوب اللبناني. ويُرجح أن يدّر ذلك أموالاً طائلة لبري وحزب الله في إطار نظام المحسوبية المُبلقن والمشبوه. ناهيك عن أن باسيل وعون يعتبران أن خسارة هذه الوزارة هي بمثابة نهاية لولاية عون. لكن إن كان التنازل عنها يخرج باسيل من مأزقه الحالي مع واشنطن، فقد يضطر إلى التفكير بهذا الاحتمال.

أخيراً، يواجه باسيل معضلة بعد فرض عقوبات عليه: فنقاط ضعفه الحالية قد تجعله أكثر اعتماداً على حزب الله، لكن تعزيز روابطه مع الحزب سيصعّب عليه قطع حبل المشنقة الذي لفّه الأميركيون حول عنقه. كذلك، سيصبح باسيل الخاضع إلى العقوبات أقل فائدة لحزب الله الذي يبحث عن حليف طائفي قوي يساعده في ترسيخ موقعه على الساحة المحلية والدولية. بل باتت للحزب مصلحة أكبر بكثير في تعزيز علاقته مع الحريري السنّي على حساب باسيل المسيحي. وهذا قد يحدّ بشكل كبير من تأثير باسيل في التشكيلة الحكومية، ويقوّض ما تبقى من حظوظه الرئاسية، المتضائلة أصلاً.

لكن ثمة أمر واضح وضوح الشمس، وهو أن الكثير من اللبنانيين استقبلوا بحفاوة نبأ فرض عقوبات على باسيل. فرئيس التيار الوطني الحر هو من أكثر السياسيين المكروهين في لبنان، وبدا ذلك جلياً أثناء احتجاجات العام الماضي حين صدحت أغنية مبتكرة تشتم باسيل وتردّدت أصداؤها في شوارع البلاد كافة.