كيف ستختلف سياسات جو بايدن عن سلفه دونالد ترامب؟

سيقلب جو بايدن رأساً على عقب سلسلةً من الإجراءات التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب والتي ألحقت الضرر بآلاف الأشخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. صحيحٌ أن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط لم تكن مسألة أساسية في الانتخابات الرئاسية، إلا أن بايدن تعهّد بإجراء تغييرات مهمة على أكثر من صعيد:

  • حظر دخول المسلمين: تسبّب القرار التنفيذي الذي أصدره ترامب في العام 2017 بمعاناة لا توصف، إذ حُرم عشرات آلاف المواطنين في إيران والصومال وسورية واليمن (أُدرج العراق بدايةً على القائمة السوداء ثم أُزيل منها) من الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة من دون إذن خاص. أدّى هذا الإجراء إلى تراجع هائل في عدد الوافدين إلى الولايات المتحدة. ففي العام 2016، حصل حوالى 72000 شخص من مواطني هذه الدول الخمس على تأشيرات (بصفة مهاجرين أو غير مهاجرين) لدخول الأراضي الأميركية، مقابل 16000 فقط في العام 2019. وقد تعهّد بايدن بإلغاء هذا القرار التنفيذي ما إن تبدأ ولايته الرئاسية.
  • خفض أعداد اللاجئين: قرّر ترامب تقليص أعداد اللاجئين الذين تقبلهم الولايات المتحدة في وقتٍ كانت دول عدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد حروباً أهلية أسفرت عن تدفّقات كبرى من اللاجئين الفارّين من المنطقة. فقد خفّض ترامب الحد الأقصى للاجئين الذين يمكن استقبالهم على الأراضي الأميركية من 110000 في العام 2016، إلى 18000 في العام 2019، ثم إلى 15000 لاجئ في العام 2020. كذلك ارتكبت إدارته إجراءات تمييزية بحق المسلمين الذين كانوا يمثّلون تاريخياً نحو 40 في المئة من مجمل اللاجئين الذين تقبلهم الولايات المتحدة سنوياً، فتراجعت هذه النسبة إلى أقل من 20 في المئة في العام 2019. وقد قطع بايدن وعداً بقبول 125000 لاجئ خلال العام الأول من ولايته، وبتحديد حد أدنى للاجئين الذي تقبلهم بلاده يبلغ 95000 لاجئ سنوياً.
  • العقوبات على إيران: بات ملايين الإيرانيين يرزحون تحت ضائقة اقتصادية شديدة بسبب حملة أقصى درجات الضغط التي شنّها ترامب على النظام الإيراني وبخاصة العقوبات التي فرضها على البلاد. ومع أن التوترات لن تزول بين واشنطن وطهران، ولا سيما حول برنامج إيران النووي وأنشطتها الإقليمية، ستكون إدارة بايدن على استعداد للتخفيف من وطأة العقوبات بشكل ما وستحاول العودة إلى كنف خطة العمل الشاملة المشتركة أو إبرام اتفاق آخر.
  • تسليح الحروب الإقليمية: تجنّب ترامب أي انخراط عسكري أميركي جديد، إلا أنه رفض قرار الكونغرس الداعي إلى وقف الدعم للتدخّل السعودي في اليمن الذي تسبّب بانتهاكات مروّعة ترقى إلى جرائم حرب، وفق لجنة خبراء الأمم المتحدة. أما بايدن فقد وعد من جهته بإنهاء الدعم الأميركي للحروب، وبإعادة تقييم العلاقة التي تربط الولايات المتحدة بالسعودية بشكل عام. على النقيض من ذلك، أطلق ترامب شرارة سباق تسلّح إقليمي جديد حين وعد الإمارات العربية المتحدة بتسليمها طائرات مقاتلة متطورة كمكافأة لها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. أما بايدن، فرحّب بالتطبيع إنما لم يوضح بعد موقفه من بيع الطائرات، علماً بأن مستشاريه وبعض الديمقراطيين الآخرين أعربوا عن قلقهم من هذه الصفقة.
  • حقوق الفلسطينيين: شكّلت سياسات ترامب كارثة تامة للفلسطينيين، إذ مهدّت الطريق أمام ضمّ إسرائيل لجزء كبير من أراضي الضفة الغربية إن لم يكن كلّها، وأوقفت المساعدات المقدّمة إلى اللاجئين، وقطعت العلاقات مع السلطة الفلسطينية، وغضّت الطرف عن الانتهاكات المُرتكبة بحقّ الفلسطينيين. كبّد هذا الأمر الفلسطينيين خسائر كبيرة، ومن ضمنها تسارع وتيرة الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، ناهيك عن عمليات هدم المنازل. صحيحٌ أن بايدن لن يمحو كل التغييرات التي أجراها ترامب على المستوى السياسي (مثل الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل)، إلا أنه وعد بإعادة إحياء العلاقات مع القيادة الفلسطينية وتوفير المساعدات للفلسطينيين. كذلك، سيقف بايدن في وجه الضمّ، ولن يشجّع على بناء المستوطنات، وسيعارض على الأرجح عمليات انتهاك حقوق الفلسطينيين.


 

كيف سيؤثّر فوز بايدن على قادة المنطقة؟

لا شكّ أن قادة المنطقة الذين بنوا علاقات وثيقة مع ترامب، على غرار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خسروا الحماية الخاصة التي كان يوفّرها لهم ترامب في البيت الأبيض. صحيحٌ أن بايدن لن يقوم باستعداء أو استفزاز هؤلاء القادة (الذين تربطه مع العديد منهم علاقات جيدة) أو زعزعة استقرار هذه الدول، لكنه لن يتصرّف كما فعل ترامب وكأنه مدين لهم بالمعروف. فعلى سبيل المثال، انتقد بايدن حماية ترامب لمحمد بن سلمان من الاستهداف الدولي الذي لقيه بعد مقتل جمال خاشقجي، فضلاً عن دعم ترامب غير المشروط للسيسي، "دكتاتوره المفضّل". لا بدّ من الانتظار ومراقبة مدى التغيير الذي سيجريه بايدن في جوهر العلاقات بين الولايات المتحدة وسائر الدول، لكن ديناميكيات الروابط الشخصية التي كانت مُحاكة ستتبدّل لا شك.


 

كيف يمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن ترسم معالم نهج بايدن؟

يستهّل كل رئيس أميركي إدارته عبر تبنّي أولويات معينة على صعيد السياسة الخارجية، ثم سرعان ما يرى أن العالم من حوله، ولا سيما الشرق الأوسط، يشهد تغييرات وأحداث يتعيّن على الولايات المتحدة أن تنتهج سياسة محدّدة تجاهها، حتى لو لم تضطلع فيها بدور قيادي. لنأخذ على سبيل المثال جورج دبليو بوش، الذي كان ينتقد التدخّل الشديد لسلفه بيل كلينتون في المنطقة، لكنه ما لبث أن غرق أكثر في وحولها بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001؛ أو حتى باراك أوباما الذي انتقد علاقات بوش المتشابكة قبل أن يضطر بدوره إلى التعامل مع الانتفاضات العربية في العام 2011.

بدوره، قد يواجه بايدن أيضاً تحديات غير متوقعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع أنه سيسعى إلى الحدّ من الانخراط الأميركي في المنطقة وتحويل اهتمامه نحو مسائل أخرى، كالمشكلات المحلية وآسيا، قد تشهد المنطقة سلسلة من التداعيات التي لا يمكن التغاضي عنها. هنا لا بدّ من الإشارة أيضاً إلى أن وتيرة التحوّل التدريجي في أسواق الطاقة العالمية بعيداً عن النفط والغاز قد تسارعت بسبب تفشي وباء كوفيد-19، لذا بتنا نقترب شيئاً فشيئاً من اليوم الذي ستشحّ فيه ثروات الدول المصدّرة للنفط في المنطقة (والمستفيدين منها)، لتتراجع معها قدرتها على شراء السلم الاجتماعي من الشباب المُتململ. وبمجرد أن يبدأ وباء كوفيد-19 بالانحسار، يُرجّح أن تتّقد مجدّداً شعلة الثورات والاضطرابات الشعبية، على غرار تلك التي اندلعت في العقد الماضي وأسفرت عن تغيير القيادات في ست دول حتى الآن.

قد لا تكون إدارة بايدن أكثر ألماماً من إدارة أوباما بكيفية دعم المطالب الشعبية بالحصول على الحريات وحقوق الإنسان وتشكيل حكومات خاضعة للمساءلة في منطقة الشرق الأوسط المُترحة بالاضطرابات والفوضى، فيما يعيش القادة والنخب الذين عملت معهم الولايات المتحدة حالة من الذعر والرعب، ويجاهدون من أجل البقاء في السلطة.

إذاً في نهاية المطاف، الأمر الوحيد شبه المؤكّد هو أن السياسات الأميركية التي سينتهجها بايدن ستكون أقل قسوةً على مواطني المنطقة من تلك التي اتّبعها سلفه ترامب.