كريم سجادبور باحث أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تركّز أبحاثه على إيران والسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط. هو كاتب مساهم في مجلة ذي أتلانتيك، يُستَدعى لتقديم المشورة لمسؤولين أميركيين وأوروبيين وآسيويين رفيعي المستوى ويشهد بانتظام أمام الكونغرس. هو أيضاً أستاذ مساعد في كليّة الخدمة الخارجية في جامعة جورجتاون، حيث يدرّس عن السياسة الخارجية الأميركية والشرق الأوسط.

أجرت "ديوان" مقابلة معه قرابة منتصف تشرين الثاني/نوفمبر لمناقشة كيف يُرجَّح أن تتعامل إدارة بايدن مع قضايا الشرق الأوسط، ولا سيما الملف الإيراني.

مايكل يونغ: كيف تتوقع أن تتعامل إدارة بايدن مع إيران؟

كريم سجادبور: ستحمل إدارة بايدن إرثاً ثقيلاً من وباء كوفيد-19 والأزمة الاقتصادية الناجمة عنه، لذا لا بدّ من التركيز على تخفيف حدة التحديات على مستوى السياسة الخارجية، ولا سيما في الشق الإيراني. تخوض الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة سجالاً إيديولوجياً بين اليمين المتطرف الذي يطالب بتغيير النظام الإيراني من جهة، وبين اليسار المتطرف الذي يرى أن واشنطن يمكنها مدّ جسور الصداقة مع طهران عبر تحسين التعامل مع قادتها. لكن لطالما كان موقف بايدن تجاه إيران واقعياً أكثر، سواء كعضو في مجلس الشيوخ، أو كنائب الرئيس الأميركي. فهو لا تساوره أي أوهام حيال طبيعة النظام الإيراني والتحديات التي يطرحها على المصالح الأميركية، لكنه متمسّك بموقفه الداعي إلى فتح حوار مباشر مع طهران.

يونغ: هل يمكن القول إن عودة الولايات المتحدة إلى كنف الاتفاق النووي مع إيران واردة؟ وهل ستبدي طهران استعداداً لذلك؟ وضمن أي شروط؟

سجادبور: هذا الاحتمال واردٌ حتماً. عموماً، تسود ثلاث وجهات نظر في أوساط الديمقراطيين، ومن ضمنهم ديمقراطيو الكونغرس. يعتبر المعسكر الأول أن على إدارة بايدن أن تعيد إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة (الاسم الرسمي للاتفاق النووي) إذا امتثلت طهران بشكل كامل لبنودها؛ فيما يرى المعسكر الثاني أن على إدارة بايدن الاستفادة من ورقة الضغط التي ورثتها من ترامب لتعزيز الاتفاق النووي من خلال معالجة مسائل عدة مثل القيود الخاضعة لبنود الانقضاء، وبرنامج الصواريخ البالستية الإيراني، وسلوك طهران الإقليمي؛ أما الفريق الثالث فيعتقد أن المقاربة الأبسط قد تكون الأكثر واقعية، وهي قيام الولايات المتحدة برفع بعض القيود المفروضة على إيران مقابل تجميد طهران برنامجها النووي.

لا شك أن سلوك إيران سيؤثّر على النقاش الدائر حول هذه التوجهات الثلاثة. فإذا أبدت طهران ترحيبها بإعادة عقارب الساعة إلى الوضع السابق، من دون شروط، فسيتعزّز عندئذ موقف الديمقراطيين المؤيّدين للعودة السريعة إلى كنف خطة العمل الشاملة المشتركة. لكن إذا أصرّت طهران على المطالبة بتعويض أميركي عن الخسائر التي تكبّدتها نتيجة العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، أو إذا حاول القادة الإيرانيون تطوير برنامجهم النووي أو الانخراط في حملات استفزازية في المنطقة سعياً إلى تعزيز موقفهم أو استعراض قوتهم، فهذا سيؤدّي إلى نتائج معاكسة.

تُعتبر تركيبة مجلس الشيوخ الأميركي عاملاً آخر سيؤثّر على سياسات بايدن الخارجية. إذا حافظ الجمهوريون على غالبية مقاعد مجلس الشيوخ - وسيتحدّد هذا الأمر في كانون الثاني/يناير في ولاية جورجيا التي ستشهد انتخابات فرعية على مقعديها في مجلس الشيوخ – فقد يقيّد عداؤهم لخطة العمل الشاملة المشتركة، ولإيران عموماً، سياسة مدّ اليد التي قد ينتهجها بايدن تجاه طهران. وتجدر الإشارة إلى أن عضوَين بارزين في مجلس الشيوخ، وهما تشاك شومر وروبرت مينينديز، أعربا عن معارضتهما لخطة العمل الشاملة المشتركة، وبالتالي ما من إجماع في صفوف الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي حول مدى حكمة قرار العودة إلى كنف الاتفاق النووي وإعفاء إيران من العقوبات.

يونغ: هل ستفرض السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب في المنطقة نفسها على إدارة بايدن؟ أو حتى تدفعها إلى التشدّد أكثر، سواء على مستوى الملف الإيراني أو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أو العراق أو قضايا أخرى؟

سجادبور: تُعتبر حرب العراق خير مثال على أن تقييم التأثير الكامل للخيارات السياسية الأميركية المهمة يستغرق أحياناً سنوات كثيرة. كان أحد أبرز القرارات التي اتّخذها ترامب اغتيال اللواء الإيراني قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير 2020. فغياب سليماني لا يزال يعرقل حتى الآن شبكات النفوذ الإقليمي الإيرانية، إلا أن رغبة طهران في الانتقام لمقتله قد تؤدّي إلى عواقب وخيمة.

على صعيد آخر، يفسح تطبيع العلاقات بين إسرائيل وكلٍّ من الإمارات العربية المتحدة والبحرين المجال أمام إسرائيل لإقامة وجود رسمي لها في دولتين كانت إيران تهدّدهما منذ سنوات بشكل مباشر وغير مباشر. فإيران تعتبر دبي أشبه بهونغ كونغ، أي الشريان الذي يصلها منذ عقود بالنظام المالي العالمي، ومركزاً للتجارة غير المشروعة وتبيض الأموال. لذا، إذا رأى النظام الإيراني المهووس بإسرائيل أن الموساد بات حاضراً لمراقبة أنشطته في الإمارات والبحرين ودول أخرى، قد يضطر إلى توخي المزيد من الحذر.

أما على الجبهة السورية، فيمكن القول إن عهد ترامب شكّل سنوات ضائعة تمكّن خلالها كلٌّ من الرئيس السوري بشار الأسد وإيران وروسيا من ترسيخ نفوذهم في البلاد، على حساب مصالح الولايات المتحدة وحلفائها كالأكراد مثلاً. لا أعتقد أن أحداً في فريق بايدن يرى أن من الممكن انتهاج سياسة أميركية معينة كفيلة بالتوصّل إلى "حل" سريع للنزاع السوري. لكن برأيي سيكون هناك دافع في المستقبل لإعادة التأكيد على المصالح الأميركية والتخفيف من معاناة السوريين ومعالجة أزمة اللاجئين.

يونغ: ترسم مجموعة كبيرة من الجهات الإقليمية والدولية راهناً معالم الشرق الأوسط. كيف ستتعامل الولايات المتحدة معها، ولا سيما مع روسيا والدول الأوروبية، مقارنةً مع تعاطي ترامب؟

سجادبور: لم يعتبر ترامب أن منطقة الشرق الأوسط تشكّل أولوية استراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، حتى أنه وصفها بأرض "الرمال والموت". كذلك، نظر ترامب بعين إيجابية تجاه روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. وخلال سنوات ولاية ترامب الأربعة، غرق الأميركيون في مشاكلهم السياسية الداخلية، فأهملوا في غالب الأحيان الأزمات الإنسانية التي كان يتخبّط بها الشرق الأوسط. لذا، تنوي إدارة بايدن إعادة الولايات المتحدة إلى قمرة القيادة العالمية وإصلاح علاقاتها مع الحلفاء والشركاء. وهي تدرك تمام الإدراك بأن فراغ السلطة في بعض دول الشرق الأوسط لن تملأه النرويج أو الدنمارك مثلاً، بل روسيا أو إيران أو المجموعات المسلّحة السنّية التي تقوّض جميعها مصالح الولايات المتحدة وأمنها.

من جهتها، لم تحاول الدول الأوروبية لعب دور بارز في الشرق الأوسط، باستثناء محاولة فرنسية باءت بالفشل في التوسّط من أجل التوصل إلى توافق سياسي في لبنان. أعتقد أن إدارة بايدن تدرك أن أي مبادرة أميركية ترمي إلى حلحلة النزاعات الأعنف والأكثر دموية في المنطقة، كما في اليمن وسورية وليبيا، يجب أن تتم بالتعاون مع الحلفاء الأوروبيين والشركاء الإقليميين كي تتعزّز فرص نجاحها. وبالتالي، ستركّز الإدارة الجديدة بقوة على العلاقات الدبلوماسية المتعددة الأطراف بقيادة الولايات المتحدة.

لا بدّ من الإشارة إلى أن إعادة توطيد تحالفات واشنطن مع القوى الأوروبية أسهل بكثير على الأرجح من إعادة تقييم علاقاتها مع شركائها الراسخين في الشرق الأوسط مثل تركيا والسعودية، وربما حتى إسرائيل. ثمة ميل ملحوظ في أوساط الديمقراطيين التقدميين إلى تحجيم هذه العلاقات، لكن سيكون صعباً على واشنطن أن تحدّ من وجودها الإقليمي وأن تخفّف في الوقت نفسه (بدل أن تزيد) اعتمادها على شركائها الإقليميين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، سيتطلّب حل الصراع في اليمن تعاوناً فعّالاً بين كلٍّ من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى.