ألكساندر غابويف باحث أول ومدير برنامج روسيا ومنطقة آسيا-المحيط الهادئ في مركز كارنيغي في موسكو. تركّز أبحاثه على السياسة الروسية تجاه شرق وجنوب شرق آسيا، فضلاً عن التوجهات السياسية والإيديولوجية في الصين، وعلاقات بيجينغ مع الدول المجاورة، ولا سيما تلك الواقعة في آسيا الوسطى. شارك مؤخراً في بودكاست بثّه مركز كارنيغي في موسكو حول الوضع الراهن في ناغورنو-كاراباخ مع الباحثَين في مركز كارنيغي-أوروبا، سينان أولغن وتوماس دي فال.

أجرت "ديوان" مقابلة مع غابويف للوقوف عند رأيه حول النزاع في هذا الإقليم، وتحديداً دور روسيا وعلاقتها مع تركيا، التي قدّمت دعماً كبيراً لأذربيجان في هذا الصراع.

مايكل يونغ: كيف قرأ المسؤولون الروس النزاع الدائر في ناغورنو-كاراباخ؟

ألكساندر غابويف: تتوقع موسكو منذ فترة طويلة أن يستعرّ مجدّداً النزاع "المجمّد" في ناغورنو-كاراباخ الذي شهد سلسلةً من التصعيدات الدورية، أبرزها حرب الأيام الأربعة في نيسان/أبريل 2016 التي أنذرت بما قد تؤول إليه الأمور في الإقليم. ونظراً إلى التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين الطرفين، وجمود المسار الدبلوماسي، بدأ الجانب الأذربيجاني يبدي استعداداً أكبر لاستخدام القوة. في غضون ذلك، لم يكن الكرملين راضياً عن تعامل رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان مع قضية كاراباخ والعلاقات مع باكو: فموسكو ترى أن باشينيان الذي تسلّم الحكم في العام 2018 عقب ثورة ديمقراطية هو مجرّد ناشط سياسي يفتقر إلى الخبرة العسكرية، ما حدا به إلى اتّخاذ موقف متشدّد حول كاراباخ لتعزيز صورته في وطنه. وفي ظل غياب أفق أي حل دبلوماسي أو حوار بنّاء مع أرمينيا، بدأت طبول الحرب تُقرَع في أذربيجان.

إضافةً إلى ذلك، ليست القيادة الروسية غافلةً عن دور تركيا المتعاظم وسعيها إلى بسط نفوذها في أذربيجان عبر مساعدتها في استعادة السيطرة على إقليم ناغورنو-كاراباخ. لذا، اعتبر بعض المراقبين الرزينين في موسكو أن اندلاع نزاع عسكري جديد في موسكو مسألة وقت ليس إلا.

قد تكون تداعيات وباء كوفيد-19 هي التي دفعت في الغالب أذربيجان إلى شنّ هجومها في هذا التوقيت تحديداً. ربما اعتبر نظام الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أنه يمكن تخفيف الضغوط الكبيرة الناجمة عن انهيار أسعار النفط والمشاكل الأخرى في الدولة من خلال خوض مغامرة عسكرية ناجحة في كاراباخ. هذا المنطق التكتيكي نفسه هو الذي دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التدخّل في الصراع، محاولاً استعادة النفوذ التركي في جنوب القوقاز. إذاً، في ظل تركيز الولايات المتحدة على الانتخابات الرئاسية، وانشغال روسيا بمكافحة وباء كوفيد-19 محلياً وبأزمة بيلاروسيا خارجياً، شكّلت نهاية أيلول/سبتمبر التوقيت الأنسب لباكو وداعميها في أنقرة من أجل شنّ هجوم من أجل استعادة السيطرة على ناغورنو-كاراباخ.

يونغ: كيف تأثّرت العلاقات التركية-الروسية بعد أن شجّعت أنقرة أذربيجان على شنّ هجومها؟

غابويف: تعرف موسكو جيداً أن تركيا وفّرت دعماً كبيراً لأذربيجان مكّنها من تحقيق مكاسب عسكرية في كاراباخ، وقد سرّبت الاستخبارات الروسية أدلّة على التدخّل التركي في الإقليم إلى صحيفة كومرسانت. ولا تُشكّل الطموحات التركية المتعاظمة في جنوب القوقاز والمنطقة الأوسع التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي، بما في ذلك آسيا الوسطى، أي مفاجأة للكرملين. لكن ما فاجأ موسكو هو جرأة أنقرة واستعدادها لتوفير دعم وتوجيه كبيرين للقوات الأذربيجانية.

ترى القيادة الروسية أن تنامي النفوذ التركي في جنوب القوقاز أمر لا مفر منه في المدى المنظور. فالفراغ الذي خلّفه انهيار الاتحاد السوفياتي وابتعاد كلٍّ من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا عن الحضن الروسي، أفسحا المجال أمام لاعبين آخرين للدخول إلى هذه المنطقة الاستراتيجية. فموسكو لم تعتقد أبداً أن نفوذها سيبقى من دون منازع إلى الأبد، لذا تنظر إلى التدخّل التركي على أنه شر لا بد منه. وترى روسيا أنها قادرة على توجيهه طالما أنها تملك خطة خاصة للمنطقة تبقي قنوات الحوار الاستراتيجي مفتوحة مع أنقرة، وطالما أن الوجود التركي يقابله ثقل موازن يتمثّل في الجهود التي يبذلها أفرقاء إقليميون ودوليون، من ضمنهم إيران والغرب والصين في المستقبل.

نظراً إلى رغبة روسيا في الاضطلاع بدور بارز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا بدّ لها من إقامة علاقات جيدة مع أنقرة تتيح لها تحقيق أهدافها. في الواقع، تحاول موسكو إيجاد توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف الأفرقاء في المنطقة، متجنّبةً الاصطفاف بشكل كامل مع أيٍّ من اللاعبين المحليين الذين لديهم أمور أكثر بكثير على المحك. تدرك موسكو جيّداً أن مصالحها قد لا تتقاطع دوماً مع المصالح التركية، بل ثمة تنافس وحتى خلاف بينهما أحياناً. لكن من الضروري أن تنجح روسيا في الفصل بين الملفات التي تتنافس فيها مع أنقرة وتلك التي تتعاون فيها معها كي تحافظ على وجودها في المنطقة.

تمكّنت روسيا هذه المرة من احتواء الدور التركي في التسوية النهائية لحرب ناغورنو-كاراباخ. وأدّت الجهود الدبلوماسية بين أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق. فمن جهة نجحت تركيا في تعزيز صورتها باعتبارها لاعباً قوياً في جنوب القوقاز ساهم في تحقيق نصر عسكري لحليفه الأذربيجاني، ومن جهة أخرى حرص الكرملين على توقيع اتفاق السلام بوساطة روسية فقط، من دون أي مشاركة تركية رسمية.

والأهم أن 1950 عنصراً من قوات حفظ السلام الروسية ستنتشر في ناغورنو-كاراباخ للحفاظ على السلام الهش في الإقليم، من دون أي مشاركة للقوات التركية. بل ستكتفي أنقرة بإرسال مراقبين غير مسلّحين في إطار التعاون من أجل تأسيس مركز روسي-تركي مشترك في أذربيجان لمراقبة تطبيق وقف إطلاق النار المتّفق عليه. ونصّ الاتفاق أخيراً على أن تساعد روسيا في بناء طريق يربط بين أذربيجان وإقليم ناخيتشيفان الذي يتمتع بحكم ذاتي، على أن تتولّى موسكو بشكل حصري تشغيله ومراقبته.

يونغ: ما أبرز النقاط التي يمكن استخلاصها من صراع ناغورنو-كاراباخ؟ من هم الفائزون والخاسرون؟

غابويف: لعلّ الاستنتاج الأهم حتى الآن هو أن الصراعات "المجمّدة" قد لا تبقى كذلك إلى الأبد. وحين يزول الجليد، يؤخذ العديد من اللاعبين على حين غرّة. وتتمثّل بعض دوافع هذا النزاع في التداعيات الناجمة عن أحداث كبرى مثل وباء كوفيد-19، أو الأزمة المالية العالمية للعام 2008، أو تبعات عمليات تراكمية مثل تغيُّر المناخ. وتتزامن هذه الأحداث مع ازدياد حدّة المنافسة بين الدول التي تسعى إلى توجيه دفّة الصراعات من أجل تعزيز نفوذها الإقليمي أو العالمي، ناهيك عن الديناميكيات المحلية في مختلف الدول. لا شكّ إذاً أن كل هذه العوامل قد تكون الشرارة التي تشعل إوار صراعات جديدة ومريرة وتولّد تداعيات سلبية جديدة.

من الواضح أن أذربيجان هي الفائزة في هذه الحرب. فقد استعاد الرئيس إلهام علييف السيطرة على مناطق أذربيجانية محيطة بإقليم ناغورنو-كاراباخ احتلتها أرمينيا في العام 1994، كما سيطر على أجزاء كبيرة من كاراباخ. وقد ضمنت باكو الانتصار العسكري من خلال استعادة سيطرتها على مدينة شوشة التي تتمتّع بأهمية استراتيجية، فضلاً عن أهمية ثقافية كبيرة بالنسبة إلى أذربيجان. لكن كلفة استعادة السيطرة الكاملة على ناغورنو-كاراباخ ستكون باهظة جدّاً، إذ ستسفر عن عدد كبير من القتلى، وعن نزوح جماعي محتمل لأرمن الإقليم، ما سيثير انتقادات واسعة في الغرب. أما النتائج الراهنة فتسمح لعلييف بالحفاظ على مكاسبه العسكرية المهمة، وتجنّبه انتقادات المجتمع الدولي (وهو ما سيحدث إذا ما قرّر مواصلة الحرب)، والحفاظ على العلاقات الجيدة بين أذربيجان وكلٍّ من تركيا وروسيا.

أما تركيا فقد نجحت في تعزيز دورها ومشاركتها الرسمية في آلية حل النزاعات من خلال بعثة المراقبة الخاصة بها. ويمكن اعتبار روسيا أيضاً من الفائزين، إذ نجحت في قلب الموازين والتوسط من أجل إبرام اتفاق سلام يلبّي جميع الشروط الأساسية التي تحفظ مصالحها، على الرغم من قلّة الخيارات الجيدة التي كانت متاحة أمامها. كذلك، جنّبت موسكو ناغورنو-كاراباخ هزيمة عسكرية كاملة، وحالت دون حدوث المزيد من المعاناة الإنسانية. إضافةً إلى ذلك، لعب الكرملين دوراً حصرياً في اتفاق السلام، من دون الولايات المتحدة وفرنسا، اللتين تترأسان مع روسيا مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أو حتى تركيا. ونجحت موسكو أيضاً في إنشاء بعثة حفظ السلام الروسية، التي أرادت موسكو تشكيلها منذ العام 1994. وأخيراً، استطاعت روسيا الحفاظ على علاقات طيبة مع أذربيجان، وأحسنت إدارة علاقتها مع تركيا، وأبقت على تحالفها مع أرمينيا التي يُرجَّح أن تصبح أكثر اعتماداً على موسكو مما هي الآن.

من الواضح أن أرمينيا هي الطرف الخاسر. ونظراً إلى التفاوت في القدرات العسكرية بين باكو ويريفان، تبدو العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب مستحيلة، ولا سيما أن حكومة نيكول باشينيان، التي تواجه غضباً شعبياً عارماً بسبب نتائج الصراع، تلفظ أنفاسها الأخيرة. يمكن أيضاً إدراج الدول الغربية على قائمة الخاسرين. فالولايات المتحدة وفرنسا وقوى غربية أخرى كانت غائبة إلى حدّ كبير عن نتائج النزاع، كما أن جهودها الدبلوماسية الرامية إلى إحلال السلام، أو على الأقل إلى وقف إطلاق النار، فشلت فشلاً ذريعاً.

يونغ: يتزامن النزاع في ناغورنو-كاراباخ مع مأزق يبدو أن روسيا تعيشه في سورية، إذ لا يلوح في الأفق أي حلّ سياسي لإنهاء الصراع. هل يمكن القول إن هذين الصراعين يكشفان محدودية النفوذ الروسي في منطقة القوقاز والشرق الأوسط الأوسع؟

غابويف: صحيح، فنفوذ روسيا في المنطقة ليس مطلقاً، وكذلك نفوذ الولايات المتحدة، التي تُعتبر أقوى بكثير على المستوى الوطني. في الشرق الأوسط، هندست روسيا عودتها إلى المشهد السياسي، وأصبحت من بين اللاعبين المهمّين، لا بل الأساسيين في المنطقة. وفي جنوب القوقاز، لا تزال موسكو من بين أبرز اللاعبين، إن لم نقل أقواهم، لكنها لا تتحكّم بسير الأحداث، وسينحسر نفوذها تدريجياً من موقعها كدولة استعمارية سابقة إلى مجرّد دولة مجاورة قوية. تبدو سياسات الكرملين في الشرق الأوسط محدودة للغاية، ويبقى السؤال الأساسي في المديَين المتوسط والطويل هو التالي: بعيداً عن رغبة موسكو في استعادة هيبتها الدولية، إلى أي حدّ يخدم وجودها في المنطقة المصالح الروسية الرئيسة، مثل الأمن أو النمو الاقتصادي؟ وهل من وسائل أخرى أقل تكلفة لتحقيق تلك المصالح؟

يونغ: ما الذي يحمله مستقبل الصراع في ناغورنو-كاراباخ؟

غابويف: نهاية الحرب بشرى سارة، لكنها للأسف لا تعني إحلال السلام. فالوضع على الأرض لا يزال متوتراً للغاية وعلى الرغم من الانتشار السريع لقوات حفظ السلام الروسية، لم تطبَّق بعد بعض الجوانب الأساسية من الاتفاق، ومن ضمنها انسحاب القوات الأرمينية من ناغورنو-كاراباخ. لكن القنبلة الموقوتة في الاتفاق الذي أبرمته موسكو في 10 تشرين الثاني/نوفمبر هي إغفاله عن ذكر أي رؤية مستقبلية حول وضع ناغورنو-كاراباخ. يُضاف إلى ذلك أن باكو ستملك بعد خمس سنوات أسباباً قانونية للمطالبة بانسحاب قوات حفظ السلام الروسية من أراضيها، وستصبح قادرة على استعادة سيطرتها الكاملة على كاراباخ بالقوة العسكرية.

سيشكّل ذلك، في حال حدوثه، معضلة مزعجة بالنسبة إلى الكرملين. فغالب الظن أن يؤدّي الانسحاب الروسي إلى هجوم أذربيجاني مدمّر، في حين أن بقاء القوات الروسية سيقوّض علاقات موسكو مع باكو، ويعرّضها إلى المزيد من الانتقادات الدولية. لذلك من المرجّح أن تنتهز روسيا هذه الفرصة الضيقة للتوصّل إلى حلّ دبلوماسي. لكن، تبدو هذه المهمة مستحيلة في الوقت الراهن. فقد تمكّنت باكو، بعد أن حصدت تقدّماً ملحوظاً في ساحة المعركة، من تحسين موقفها التفاوضي، ولن تقبل على الأرجح بمنح الإقليم قدراً كبيراً من الحكم الذاتي. وفي الوقت نفسه، من المستبعد أن يصبح المجتمع الأرمني، حتى بعد تجاوز الصدمة العاطفية الأولية، أكثر مرونة في وجه واقع قاتم ومرير. أخيراً، في ظل تدهور العلاقات الروسية-الأميركية، تبدو آفاق التوصّل إلى تسوية دبلوماسية دولية بعيدة للغاية، ما يزعزع أوضاع المنطقة، ويتركها ساحة مشرَّعة أمام المخاطر المُحدقة.